لم يكن الامام الخمينى يتخيل فى اللحظة التى نظر فيها من الطائرة وهو يغادر طهران منفيا عام 1963
انه سيعود بعد هذا التاريخ بستة عشر سنة منتصرا ويفتحها بعد انتصار ثورته الاسلامية التى قادها من منفاه فى العراق ثم باريس . وان شاه ايران صاحب عرش الطاووس كما كان تحب ان تلقبه الصحافة سيخرج مطرودا من ايران ولا يجد البلد التى تعطيه حق اللجوء السياسى.
بين المشهدين تظهر تجليات المعجزة التى تحققت والتى كان من رابع المستحيلات مجرد تخيل حدوثها ففى الوقت الذى ازداد فيه الشاه رضا بهلوى غرورا وتجبرا واسرافا مزهوا بسطوته على العرش حيث كان صاحب اقوى واشرس جيش فى المنطقة وقوامه 750 الف جندى مسلح باحدث انواع الاسلحة ومدعوما من اصدقاءه الامريكين الذين يعتبرونه رجلهم الوفى فى المنطقة والمسؤل الاول عن تأمين بترول الخليج الذى يشكل نصف انتاج العالم تقريبا .فى هذه الاثناء تظهر افكار الخمينى من منفاه و التى كانت ملهمة ومحركة للشعب والجيش معا لتشكل بعض المنشورات التى كان ينشرها بين الجماهير الشرارة الاولى للثورة الاسلامية التى حركت الجماهير الايرانية التى ضاقت من عربدة الشاه ونهبه للدولة وبذخه الشديد واهداره للمال العام وحقوق الشعب.
وقد الهبت كلمات الخمينى صدور الشباب الايرانى وجعلته يخرج الى الشارع ويواجه الموت بصدر مفتوح لرصاصات الحرس الثورى الايرانى الذى كان يتولى مسؤلية الدفاع عن العرش الا ان قوة الحرس لم نصمد امام فيضان الشعب الهائج الذى ظل يغلى لسنوات من الظلم وفساد نظام الحكم ووجد فى الثورة الاسلامية والعودة للدين طبقا لتعاليم الخمينى الخلاص من هذا العهد البائد.
ولما كانت امريكا هى العائق لنجاح الثورة لما تكنه من دعم لنظام الشاه الذى كان يحقق لها تأمين مصالحها الكاملة فى المنطقة ومواجهة الخطر الشيوعى السوفيتى حين ذاك لذلك فقد ارتبطت امريكا عند الثوار بالشيطان الذى من الممكن ان يفسد الثورة ويعيد الشاه من جديد للحكم ولم ينسى هؤلاء ما حدث من سيناريو مشابه لذلك تم عام 1953 عندما قامت المخابرات الامريكية بانهاء حكم رئيس الوزراء المنتخب فى ذلك الوقت الدكتور محمد مصدق الذى كان يدعو الى تأميم البترول الايرانى على عكس رغبة الشاه والغرب وتمكنت من اعادة حكم الشاه من جديد فيما عرف وقتها باستراتيجية الثورة المضادة .
لذلك قرر مجموعة من الطلبة من الشباب الايرانى المتحمس المؤمن بالثورة الاسلامية الهجوم على مبنى السفارة الامريكية فى طهران ونجحوا فى احتلال مبنى السفارة واسر 52 موظفا امريكيا لمدة 444 يوما كاملة لم تستطع الادارة الامريكية وقتها تحرير الرهائن مما اعتبر اهانة شديدة للكبرياء الامريكى لم يخطرعلى بال احد من الامريكين الذين كانوا يعتبرون ايران دولة صديقة فى الماضى القريب.
وقد عثر الطلبة على آلاف الوثائق التجسسية والتي قام موظفوا السفارة بتمزيقها قبل أن يقتحم الطلبة السفارة , لكن الايرانيين قاموا بعمل لصق وتمكنوا من جمع الوثائق الممزقة بعضها لبعض وبالتالي يسهل معرفة محتواها
و تحت تأثير الصدمة قام الامريكيون بمحاولات عديدة لاسترجاع موظفيهم لكنهم فشلوا .
وكانت مهزلة ارسال وحدة من قوات الكوموندوز الذي أرسلته حكومة واشنطن أنذاك أخر حلقة فاشلة تلتجأ اليها بحيث تم ارسال الكومندوز بخطة مدروسة لاطلاق سراح الرهائن , وفعلا تم انزال مرواحيات الكوموندوز ليلا بصحراء ايران,الا أنه وقع مالم يكن في حسبان الأمريكيين وهو أن عاصفة رملية اجتاحت الصحراء واجتاحت الكوموندوز ومروحياته وفشلت المهمة فشلا ذريعا.
ومرت الايام والشهور وبقى الوضع على ماهو عليه من احتلال الطلبة الايرانيين المؤيدين من الشعب والخومينى شخصيا لمبنى السفارة الامريكية .
ولما كانت الانتخابات الامريكية على الابواب فقد بذلت ادارة الرئيس كارتر العديد من المحاولات الدبلوماسية لفك اسر وتحرير الرهائن حتى يتمكن من استعادة شعبيته التى انهارت بفعل الازمة لمصلحة غريمه فى الانتخابات رونالد ريجان المرشح الجمهورى فى ذلك الوقت.
ولما كانت هناك ارهاصات وتوتر على الحدود مع العراق واحتياج ايران لقطع غيار ومعدات عسكرية فقد بدأ التفاوض مع الادارة الامريكية فى يوليو 1980 فى اثينا على ان تحل ازمة الرهائن مقابل حصول ايران على المعدات العسكرية و وقطع الغيار.
وتماشياً مع اتفاق أثينا، تم في نوفمبر 1980 إرسال كمية ضخمة من قطع الغيار الخاصة بطائرات اف-4 واف-5 ودبابات ام-60 إلى إيران عن طريق تركيا. وكانت القوات العراقية قد بدأت هجومها على الحدود الايرانية وبدأت تحقق انتصارات واصبحت ايرن فى حاجة ملحة للحصول على قطع الغيار لردع هذا الهجوم العراقى فسارعت بحل مشكة الرهائن عام 1981بعد فوز ريجان في انتخابات الرئاسة التى كانت هذه الازمة سببا مباشرا فى فوزه على الرئيس كاتر.
وبعد ثلاثون عاما تتزامن مع الاحتفالات بهذه الذكرى اضرابات ومظاهرات مؤيدة للاصلاحيين مير حسين موسوى ومهدى كروبى الذين خسروا الانتخابات الماضية فى مواجهة الرئيس احمدى نجاد بما ينبىء بازمة عنيفة تشهدها ايران لاول مرة منذ قيام الثورة منذ ثلاثون عاما كان فيها النظام مسيطرا على مقدرات الامور
وفي تطور لافت اعتبر رجل الدين الإيراني البارز آية الله حسين علي منتظري أن اقتحام السفارة الأمريكية بطهران قبل 30 عاما كان ”خطأ”رغم تأيده لهذه العملية وقتها .
فهل يقودنا ذلك الى تغير فى العقلية الايرانية ام ان الوهن بدأ يصيب اركان النظام.