منذ العام 1899 و السودان تحت ادارة مصرية \ انجليزية مشتركة سبقتها فترة حكم مصرية لمدة 79 عام لتبدأ مخططات جديدة  انجليزية لإدارة الشرق استمرت معتمدة على التقسيم الاداري للسودان بين ادارة شمالية و أخرى جنوبية استمرت من 1899 الى 1946 حين انتهت الحرب العالمية الثانية و بدأت مرحلة جديدة باستراتيجية جديدة في الشرق الأوط دمجت فيها الأراضي التابعة لها و كان السودان جزء من ذلك المشروع حيث تم ضم الاقليمين اداريا الى إقليم إداري واحد مما أجج الشعور لدى الجنوبيين ذوي الغالبية الساحقة المسيحية و الوثنية الذين لم يشاورهم أحد في قرار الضم الإداري لتتصاعد المشكلات داخلياً حتى عقد اتفاق فبراير 1953 الذي أعطى حق الاستقلال للسودان لتزداد المشكلات لعدم توضيح طبيعة العلاقة بين مصر و السودان و الشمال و الجنوب السودانيين لتبدأ في السودان و قبل الاستقلال عن مصر رسميا بشهور في أغسطس 1955 حرب أهلية بين الجنوبيين بقيادة جوزيف لاجو ضد الشمال الرسمي انتهت في مارس 1972 بإتفاقية أديس أبابا بحل رسمي سياسي دون حل حقيقي ينهي المشكلات بين الشمال و الجنوب لتستمر المعاهدة حتى العام 1983 حين تفجر الوضع بعد تقسيم الرئيس النميري للجنوب لأقاليم ثلاثة و فرض الاحكام الاسلامية على السودان كله وسط ارتباك في توضيح طبيعة الأحكام بالجنوب فتأسست الجبهة الشعبية لتحرير السودان و بات جون قرنق قائد الجنوب  في الحرب لتستمر الحرب الاهلية الثانية من 1983 الى 2005 حيث أنه و في نيفاشا تم توقيع اتفاق السلام بين الجنوب و الشمال الذي ضم نصوص عديدة كان أهمها منح استفتاء لتقرير المصير لجنوب في يناير 2011 و هو الحدث الذي بات المنتظر المتخوف منه.

كان التدخل الغربي بالبعثات التبشيرية و الامداد بالسلاح للجنوبيين هو و ما يقابله من الطرف الاخر تماماً بمخططات الاسلمة و الامداد للحكومة بالسلاح أهم  عوامل الانفجار المتزايد المستمر الى اليوم و لسنا الان متكلمين للبكاء على الماضي بل لتوضيح ما حدث و الاعتبار للآن و المستقبل فقط فما يهم هو التحرك السريع بواقعية قبل أن يزداد اللبن انسكاباً.

إستقلال الجنوب أمر حتمي لا بد منه لا بد من تفهمه و التخطيط لتعامل مع آثاره كان لا بد أن يبدأ منذ سنوات و هو ما لاأتصور أنه حدث فهناك عدة نقاط لا بد من حسمها في شئون ما بعد الاستقلال ..

*أولا الاتفاق لم يحدد مصير أبيي المتنازع عليها و لم يوضح الحدود النهائية بين الشمال و الجنوب مما يفتح الباب أمام حرب جديدة محتملة .

*ثانياً  العلاقات الجنوبية مع الدول العربية فعلى الرغم من التواجد العربي و بالذات المصري عبر مشاريع انمائية إلا أن التواجد محدود بشدة مقارنةً بالتواجد الغربي الاوروبي و الأمريكي بالاضافة لتواجد اسرائيلي حاضر منذ عقود.

* ثالثاً مسائل الجنوبيين في الشمال و الشماليين بالجنوب فالإتفاقية لم تحدد مصيرهم و لم تمنع التواجد مما قد يفتح الباب أمام تبادل للسكان على غرار التبادل الباكستاني الهندي أو التركي اليوناني مما يستتبعه من مشكلات جديدة لم نفكر فيها بالمرة .

* رابعاً الوضع الجنوبي المرتبط بمصر خاصةً و العرب عامةً حيث ستمثل تلك الدولة نفس خطورة من ارتباطات تضر بالامن القومي العربي و المصري و بالنيل المار من أراضيهم فهذه المسألة حساسة لا تحل بل يتم التعامل معها فقط فهو أمر لا نملك التخلص منه بمعطياتنا الحالية فماتقدمه اسرائيل مثلا لا نقدر على تقديمه نحن العرب سياسياً على المستوى العالمي و في مسائل التسليح و غيرها و بالتالي فالأمن القومي متعارض بيننا و بينهم و الحل غير ممكن لكن يمكن التعمل معه و التخفيف منه.

إن أحاديث الجنوب كثيرة و لا يمكن أن نتحدث في الماضي و نعتبر أننا نبحث في المشكلة فالماضي لا مرد له و لا امكانية لتعديله و الحاضر لا بد من مراقبته و العمل في اطاره فلا يجب أن نساير تلك النبرة العجيبة العاطفية المرتبطة بالماضي المتشنجة بالعاطفة فقط المتحدثة عن مؤامرات (مع التحفظ فالمؤامرة حين تحدث لا تنبت  الا في أرض الفشل و العجز و لسنا أطفال ليتم اقتيادنا فالمؤامرة فعل من طرف قابله التقصير من طرف آخر) فالحدث السابق مزحة  اهدار وقت لا أكثر.

من الان فلنعمل و نفكر و نستغل ثرواتنا و قدراتنا الكاملة و نضع المصلحة وحدها كمحددة للمسار و نتفهم الحاضر دون بكاء على الاطلال و نسير للجنوب معتمدين على المعلومات و التحليلات الموثقة القديرة بعيداً عن التسرع و التملل من القراءة فلننظر للجنوب لأول مرة نظرة الوعي بالمصلحة  لعبة الأمم التي لا تبقي و لا تذر و لنتذكر أن هذا ليس الموضوع و ليست المشكلة بل هي مرحلة و جزئية جديدة \ قديمة و نقطة تحول في أحاديث الجنوب.