أحداث كثيرة يمر فيها بلدنا. الناظر إليها من بعد يظن أننا نعيش صراعات متعددة قبائلية وعشائرية وإقليمية وطائفية ودينية وجهوية وإثنية وعقائدية حتى لم يبق صراع لم يتمثل على هذه البقعة، الصغيرة مساحة القليلة بالعدد السكاني الكبيرة بحجمها وثقلها ووزنها التاريخي والسياسي.

لم يعرف التاريخ مجتمعات تنزع إلى دمار ذاتها وإيذاء نفسها كما يحدث الآن في الأردن.

الغريب أنها كلها ظهرت فجأة وفي خلال أقل من عشر سنوات فهل كانت كامنة كالرماد ثم أثيرت أم أنها خلقت بفعل فاعل.

درسنا وقرأنا عن كثير من الأساليب السياسية سواء الدكتاتورية أو الإستعمارية مثل “جوع كلبك يتبعك” و”فرّق تسد” وأن”الجوع كافر” وغيرها الكثير إلا أنها جميعا ثبت إنهيارها أمام إرادة الشعوب فلا حاكم بقي ولا حكم دام ولا مستعمر استمر ولا شعب بقي عبدا لإحتلال أو دكتاتور.

في عام 1936 تخلى ملك بريطانيا عن عرشه لمجرد ارتباطه بفتاة من عامة الشعب هي الليدي واليس سمبسون ورفض رئيس وزراءه ذلك الحين ستانلي بالدوين اختلاط الدم الأزرق بالدم الأحمر. إلا أن الديموقراطيات أثبتت أن لون الدماء لا يختلف بين كل البشر. وأثبت التاريخ أنه لا يدوم أطول إلا الأقرب للناس في حاجاتهم وطموحاتهم وشؤونهم.

ما يحدث الآن في الأردن ليس رمادا كامنا بل هو بفعل فاعل. أياد تعبث وتهدف لغايات خبيثة. تفرقة عنصرية وتفرقة طبقية وخلق وليس إثارة لأحقاد اجتماعية. الناس في طبعهم اجتماعيون ومتآنسون. كثير من دول العالم أثبتت ذلك. أمريكا وأستراليا وألمانيا ونيوزيلاندا ودول كثيرة غيرها خالية من العرق النقي ومع ذلك تقدمت علميا وثقافيا وحضاريا وتوحدت واندمجت حتى ما عاد يفرقها عن بعضها سمة ولا ميزة ولا لون ولا لغة. ليست المسألة في الأردن خلاف على أرض ولا على أصول وعشائر، ليست المسألة خلافا على رياضة أو على منصب سياسي أو شركة. إنها أبعد من ذلك وأعمق. إنها أعمق في أهدافها ومراميها إلا أن الأسباب أكثر سطحية من أن نغوص فيها.

بغض النظر عن التزوير في الإنتخابات النيابية أو البلدية السابقة أو عدم التزوير فإن ما يجدر الإنتباه له أنه لا مصلحة أساسا للحكومة في جعل زيد فائزا وعمرو خاسرا ففي النهاية نعلم جميعا ومتأكدون مئة بالمئة أن ليس بينهم معارض حقيقيا للنظام وليس بينهم إنقلابي جديا فحتى المعارضون منهم هم أكثر موالاة من بعض أبناء النظام. النتيجة إذا أن التدخل في الإنتخابات ليس أكثر من زرع للفتنة وتقسيم للحمة الوطنية وإفساد للرابطة الإجتماعية والسياسية بين أهل البلد الواحد.

تصوير الأمور في بلدنا على أنها خلافات رياضية أو عرقية أو عشائرية هو عمل ممنهج ومقصود وخلفه دهاقنة سياسيون إلا أنهم دهاقنة في الغباء فهم لم يدرسوا تاريخ الشعوب الحقيقي. درسوا في جامعات أمريكا وبريطانيا ما يتوجب عليهم أن يفعلوه لكنهم لم يدرسوا التاريخ الحقيقي لثورات الشعوب التصحيحية. لم يدرسوا تاريخ الأباطرة والملوك والفراعنة الذين داستهم شعوبهم وجعلت أثارهم غيبا على عين وكتبت التاريخ الناصع للشعوب بأحرف من دم حيث حققت الإنجازات الكبيرة. لم يدرسوا ما علمته لهم الشعوب وما تركته من دروس ومن نسيهم التاريخ.

يحاول المسؤولون إظهار أحداث العنف الشعبي على أنها خلافت عشائرية على خلفية مقتل فلان أو حق فلان بحضانة ولد أو عزل فلان من منصب وفي الحقيقة ليس لهذا كله أي سبب أو إدعاء. لا يوجد سبب يدعو أهالي أي حي لحرق عمدان الكهرباء أو الإتصالات أو تكسير مبان أو تدمير ممتلكات عامة احتجاجا على قضية أو مطلب. الناس يميلون إلى البناء والكبار من العقلاء يعرفون جيدا الفرد منهم، البار ويعرفون الخارج عن الملة فيقربون البار ويعزلون الخارج بكل سهولة ويسر. قديما قيل الذي ليس له كبير فليشتر له كبير وواقع الحال يقول من ليس فيهم أزعر سنصنع منهم زعرانا. الجوع والفقر والبطالة والحسد والتفرقة والمحسوبية وهضم حق المستحق وإغراق النعم على غير المستحق كل ذلك كفيل بأن يخرج من هذه العائلة عاقا أو من تلك العائلة أزعرا و أكثر. أتحدى لو لم يكن من بين هذه الجموع أفراد كالأشباح يبدأون الأعمال التخريبية ويوجهونها من بعد ثم يتركون البقية للغوغائية الجماهيرية.

وعود على موضوع التزوير فأنا أفهم حاجة الحكومات لقليل من التزوير حين تشعر أن فلانا أحق منطقا وصلاحا أن يفوز إنما لا أفهم لماذا يتم التزوير للمهربين والمرتشين والجهلة والفاسدين وعديمي الثقافة ولو ترك الخيار للشعب فلا يمكن أن يختار أسوأ من بعض هؤلاء. إذا هناك قرار خفي بتفويز البعض من حثالة المجتمع ودمجهم بالخيرة على مبدأ تفاحة فاسدة واحدة تفسد سلة التفاح. بعض مبررات التفويز التي قيلت كانت مهزلة أكثر من عملية التفويز ذاتها فقيل أن الحكومة فوزته لأنها تخاف ممن ورائه الذين لو خسر مرشحهم وهو خاسر أصلا فسيقوم بعض الزعران من حوله بالتكسير والتدمير لذلك فالأولى شراء هدوءهم بتفويز رجلهم.

على صعيد الجغرافيا فنحن لسنا أكثر من دويلة وعلى صعيد الإقتصاد لسنا أكثر من شركة وعلى صعيد المجتمع لسنا أكثر من عائلة وعلى صعيد الثقافة لسنا أكثر من مدرسة وعلى كل الأصعدة لسنا أكثر من مجتمع واحد متجانس متوحد. عدونا واحد وهو جلي وواضح.

[email protected]