منذ تأسيس الدولة الحديثة وتقاسم الجغرافية بين الأمم العظمى وقعت كثير من الأمم تحت حدود دول حديثة نشأة ، لم تكن موجودة أو بعضها كانت موجودة ولكن غير هذه الحدود.

ومن بينها الشعب الكوردي الذي أصبح مصيرها بمرتبطة بمصير أربعة دول شرق أوسطية بين عربية، فارسية و تركية.

وقبل أن ادخل ضمن موضوعي عن الدولة الكوردية و مدى واقعيتها و أسبابها أو كما بدءت أن ابدء بسرد تاريخي للأحداث كما عرفتها أو بالأحرى كما أفتهمتها عبر مطالعاتي للواقع الكوردستاني و العراقي ( كوني أعيش و عشت ضمن حدود الجغرافية للدولة العراقية).

العراق حالها كثير من الدول تتكون شعبها من مجموعة من أثنيات و قوميات و طوائف، و أقرب هذه التكوينة الأجتماعية المختلطة كما يسميها السياسييون ” موزائيك العراقي الجميل ! “، هم ” إيران، تركيا، لبنان، وأفغانستان و الهند “، و كثير أيضاً منها دول عظمى.

هذا الموزائيك الجميل هو أكبر لعنة للشعوب المغلوبة على أمرهِ، لعدد من الأسباب،  منها فقدان نص قانوني أو دستوري يحمي الأثنيات غير التي بالسلطة، وكانت الشعب الكوردي منذ عقود من تأسيس الدولة العراقية في صراع دائم على أثبات هويتهِ السياسية و الأجتماعية و الثقافية و حتى الأقتصادية ” حقيقةً لم يكن لها أقتصاد يحتذى بها “.

منذ عقود أخيرة من القرن العشرون المنصرم، بدءت ثورات و حملات سياسية و عسكرية للشعب الكوردي للدفاع عن الحقوق القومية و تأسيس كيان سياسي مستقل حالهِ حال بقية الأمم الأخرى كالعربية، و الفارسية و التركية وحتى الأنجليزية و الطاجيكية و الباكستانية أيضاً.

لكن أكثرها قوة و تنظيماً فشلت أمام جحافل الجيوش الدولة المنظمة تحت حدودها، لأسباب عدة منها عدم أهتمام الرأي العالمي و الأسلامي ( هنا أقول أسلامي بالذات لأنه في ينادي بأسم الأنسانية ولكن لم يهتم بمعاناة شعب أحترق تحت الغاز؛ و سأشرح فيما بعد) و العربي لموضوع حقوق الشعب الكوردي.

الشعب الكوردي طالب و يطالب بأبسط حقوق وهو الأعتراف كشعب يعيش على هذا الكوكب ولاأكثر و لاأقل، و لكن لم يجد آذانٌ صاعية لمطالبهِ كما يطالب اليوم الشعب الفلسطيني بحقوقهِ المشروعة لأعلان دولتهِ العربية الأسلامية في أرضهِ.

في العراق الكورد حالفهم الحظ عبر التوازنات الجديدة التي ظهرت عام 1990 عندما أحتل  بغداد الكويت، وتغيرت الأحوال من حالٍ الى حآل، و مما مهد طريق أمام الكورد بطرح جميع مشاكلها وخلافاتها الى مابعد تأسيس، وتوحيد الصف القومي الكوردي أمام الصف البعثي العربي، وتغليب الأنتفاضة على جنسية العراقية و بناء أسس الدولة و فتح شهية الدول  العظمى في الأقليم.

لكن في سنة 1992 بد أجراء أنتخابات برلمانية شعبية ديمقراطية في الأقليم، قرر المجلس الوطني المنتخب النظام الفدرالي ضمن الحدود العراقية هي الحل الأمثل للشعب الكوردي، لكن مع بقاء حق تقرير  مصير رهن الوضع الراهن و مدى قابلية المقابل.

بقيت فكرة الدولة الكوردية راسخة في أذهان الشعب و بدأت ينمو تدريجياً، و تصبح الخيار الوحيد للخلاص و بناء دولة مؤسساتية و ديموقراطية ” حتى وإن كانت عكس ذلك “، وطالبت الشعب بأعلان دولة كوردية ضمن حدودها الجغرافية الحالية، مع ضم المناطق المتقطع منها كــ ” مدينة كركوك و كافة الأقضية والنواحيها، مدن ضمن مدينة موصل كــ مناطق شيخان، التي تسكنها الكورد من الديانة الإيزيدية، و مدنتي خانقين الى قضاء بدرة وجسان تابعة لمحافظة ميسان جنوب شرق العراق”.

في المقابل رفضت القيادات السياسية فكرة أعلان دولة كوردية قبل آوانها، لأسباب عدة منها عدم جهوزية الفكرة أو كما يسميها السياسيون ” عدم أستواء الطبخة “، و طالبت الشعب بتقبل الفدرالية كونها أكثر فائدة منها للدولة الكوردية المستقلة.

هنا تظهر سؤال هل الدولة الكوردية ستنجح ضمن حدودها الحالية ؟

وكم ستكون واقعية مع رفض كل من إيران وسوريا و تركيا لهذه الدولة؟

لو أعلن اليوم الدولة الكوردية و ضمن حدودها التأريخية التي أوضحناها سابقاً، نرى تسارع الدول على الأعتراف بها و قد نرى مشاهد ومقالات مضحكة منهم، كأبسط مثال بأن الشعب الكوردي هم أولى بتأسيس دولتهم و لهم الحق في أختيار دولتهم و كيفية العيش فيها… وهلم كثير من مدح و خطابات قد تكون نصفها واقعية و لكن هذا هو السياسية في العصر الحديث.

قد أكون مخادعا لو قلت إن تركيا العدو اللدود للشعب الكوردي و عكسها صحيح أيضاً ستكون أول دول باعترافها بدولة الكوردية الحديثة النشأة، وليس من أجل سواد عيونهم بل من أجل مصالحها الأقتصادية التي تعمل في أراضي كوردستان، و تربح من وراءها مليارات دولارات منذ عام 1992.

نعلم جيداً بإن كبرى شركات العابرة للقارات تتحكم بالدول و ليس حفنة  من السياسيين، وهذه الشركات ترى مصالحها أكثر ما تراه العامة من الشعب، وتستطيع أن تصيغ السياسة الخارجية وفق مصالها الأستثمارية و الربحية، و همها حفاظ أستثماراتها وربحها حتى لو كانت ضد مصالها القومية و الوطنية.

واليوم كوردستان تحتضن حوالي خمسة الآف شركة عملاقة وعابرة للقارات تستثمر في الموارد الطبيعية كــ” نفط و الغاز” و بين سياحة و بناء البنية التحية، تصوروا لو أعلنت دولة كوردية و فرضت حصار من قبل اربعة دولة مجاورة للكورد جواَ و بحراَ وبراً، الأ تموت هذا الدولة الحديثة النشأة؟ بكل تأكيد ستموت وليس كأي موت بل أشرها و أقبحها ايضاً.

لكن بوجود خمسة الآف شركة أستثمارية تربح من وراءها مليارات دولارات و القوانين الأستثمارية تحمي مصالحها من أي ضرر، ستبقى ساكتة حيال هذا الوضع؟، فطبعا لا بل همها الوحيد حماية مصالحها الأستثمارية و ثانياَ حماية مواردها وطرق نقلها.

العراق ستكون من الآوائل الدول تعترف بكوردستان وليس من أجل سواد عيود الكورد، بل وفق بروتوكولات سياسية و ” تهديدية “، وأقتصادية، نعلم اليوم بغداد تمر بأزمة سياسية و أقتصادية و فقدان المصداقية بين فئاتهِ كافة.، وهذه العوامل تؤثر لصالح الكورد وفق منطلق الجرائم التي اقترفها الدولة العراقية بحق شعب كوردستان عبر عقود من السنين، مما يؤدي الى دفع تعويضات مالية و سياسية. كما فعلها المان في زمن النظام الهتلري ضد اليهود، مما قيدوا بدفع تعويضات أجبارية ، غير تعويضات أخرى نفسية و أجتماعية .

وليس فقط ستكون كوردستان دولة مستقلة في الجسد ( الوطن العربي الكبير)، الذي درسناه في الجعرافية العربية منذ زمن البعيد، بل هناك كثير من دول ستنشأء بعد او قبل الكورد منها، جنوب السودان، و الدارفور، وصحراء الغربية، مما يقلص حجم الوطن العربي و يظهر موقعها الحقيقي على الخارطة العالمية.

حسب وثائق الأتفاقيات الدولية و الأممية لكل شعوب العالم لها الحق بأختيار دولتهِ الخاصة و العامة، و لكن الأمم المتحدة وقعت تحت تأثير الدول العظمى، و طمرت كثير من الحقائق التأريخية و الجغرافية لصالح مصالحها الأقتصادية و الجيوبولوتيكية العليا. و حتى أتفاقية لوزان و فرساى يحق للشعب الكوردي بتأسيس دولتهِ على أرضهِ.

للشعب الكوردي ثقافته الخاصة و لغتهِ و تراثهِ و أرضهِ تختلف كلياً عل باقي الأمم المجاورة لها أو القريبة منها، و من أختيار بين الأنفصال أو الأتحاد، كما أشار اليهِ رئيس أقليم كوردستان السيد مسعود البرزاني في مؤتمر الثالث العشر للحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي يتزعمهُ.

لكن المؤسف بعد ذلك هو ردود أفعال و تصريحات غير مسؤولة و غير دقيقة عن هذا الشعب، و أرتباطهِ بعمالة لأسرائيل و كل تهم جاهزة للأفكار المضادة لهذا الشعب.

لو كانت العلاقة بين الكورد و اليهود بشكل خاص و أسرائيل ” كدولة ذات سيادة و كيان ” بشكل عامل، لصالح الدولة الكوردية المستقبلية أو أقليمية، فمرحباً بهذا العلاقة و مالضير في ذلك؟ اليس لأسرائيل سفارات و قنصليات في كثير من البلدان العربية ” التي تنادي بأسم الأسلام”، الم يقتل شعب بأبشع طرق بأسم الدين الأسلامي الحنيف، و سميت عمليات الأبادة على سور قرآنية!.

أين كانت المؤتمر الأسلامي والدول الأسلامية و الشريعة الأسلامية و حتى الغير الأسلامية،  عندما كانت شعب كوردستان تهتك أعراض نساءهِ و يقتل أطفالهِ الرضاع لكونهم أكراداً، الأيقول القرآن الكريم ” العين بالعين و السن بالسن والبادي أظلم”!، لقد ذبح الكورد ونفيت و شرد الآف منها لا أقول ملايين لكي أكون أكثر واقعية، اليس من حقنا أن نطالب بدماء شهداءنا و دماء أخواننا؟.

الم يهدي الأديان السماوية كافة بأختلاف أسماءها أهداء الأنسان الى النور وابشار الناس بالخير والتقوى، هل هذا التقوى الذي حصلنا عليهِ من الدين الأسلامي، حاشا فالأسلام بريء منهم، ولكن ماذا تقول لنظام يحكم بأسم الدين و هو بعيد كل البعد عنها.

أشرت في مقالاتي السابقة على هذا الموقع بأن كوردستان تتجهة نحو أقتصاد واعد في المنطقة، و في المستقبل قد تتأسس الدولة الكوردية ليس وفق خلافات سياسية أو مشاركية، بل قد تكون سببها الأقتصادها الواعد أمام أقتصاد العراق المنهار داخلياً ودولياً.

اليوم كوردستان على بعد مسافة قصيرة من تأسيس دولة مستقلة، اليس الأجدر للدول المنطقة و العالم التحضر لهذا المفاجأة السارة للبعض و الغير السارة للبعض آخر، بين الحين والآخر تطرح فكرة الأستقلال و أنفصال عن العراق، و آخر استفتاء غير رسمي أجريت في عام 2005 تزامناً مع الأنتخابات التشريعية العراقية، والمفاجة كانت نسبة 3 بالمئة تطالب بالبقاء ضمن العراق، وفق شروط مسبقة و 97 بالمئة طالبت باستقلال التام و تدمير العراق سياسياً وأقتصادياً و أثقالهِ بالديون عبر تعويضاً كثيرة بحيث تكون نصف مشلولة أمام كوردستان، كما فعلت دولة كويت عام 1990 بعد أحتلال الثاني من قبل نظام البعث في العراق.

الكورد ليسوا كغيرهم من القوميات وخاصة العربية، لديهم حس القومي فوق أختلافات طائفية و مذهبية، و مشابهة بشكل تقريبى لليهود الذي لديهم حس التهويد أكثر من أنتماءهم السياسي في بلدان العالم، و هذا ليس أننا مع اسرائيل في كل شيء و نبني علاقة ” عدو عدوي صديقي “، بل أقول يجب الفرق بين اليهود وأسرائيل كدولة و كشعب، يوجد يهود في كثير من البلدان ومنها الأسلامية، ولكن لايوجد كثير من أسرائيل في البلدان الأسلامية، لأن الدولة تتمثل في سفارات و قنصليات، وللشعب لايتمثل بشيء بل بكونهِ شعوب أقلية أو أكثرية.

وأود أن اختم مقالتي بقول إن بقاء الكورد مرهون بمشاركتهم الفعلية في الدولة العراقية، و تلبية طلباتهم التي طالبوها منذ عقود، و العمل على تسوية كلفة مشاكل العالقة بين طرفي العملية السياسية ” حكومة المركزية و الأقليم “، أقل هفوة سياسية أو التفاف على أي مشروع يضر بالشعب  كوردستان قد يكون مردودهِ خطيرا على كل العراق و المنطقة بشكل عام.

قد تفتح العالم صفحة جديدة للمنطقة الشرق الأوسط كما يبدو، و تبدأء مشروع الشرق الأوسط الكبير قيد التنفيذ الذي أعده رئيس السابق للويلايات المتحدة الأمريكة، و نطون قد عبر مرحلة المفاوضات أو مساومات أو مزايدات على الوطنية، و لاتبقى شيء أسمه الوحدة أفضل من الأنفصال. كما تجري اليوم محاولات لأفشال مشروع أنفصال جنوب السودان عن شمالهِ من قبل حكومة الخرطوم.