السّور المطلّ على مضيق الموت عام 1968، وقد نقش الألمان الغربيون عليه بالألوان

السّور المطلّ على مضيق الموت عام 1968، وقد نقش الألمان الغربيون عليه بالألوان

يضيء العالم عشرين شمعة في الذكرى العشرين لسقوط سور برلين في 9 نوڤمبر الجاري، وهو السّقوط الذي وحّد ألمانيا بعد ربع قرن من الانفصال، بل ووحّد العالم أجمع تحت سماء الحريّة والسّلام والرّخاء.

عندما تحتفل ألمانيا والعالم أجمع باحتفال الحريّة من 7 إلى 9 نوڤمبر من كل عام، فإننا لا نحتفل بسقوط مجرّد لسورٍ من تراب وأحجار، بقدر ما نحتفل مجازيًا بانقشاع زمن الشّيوعيّة البائد، والتي ترنّحت تحت وطأته دول المعسكر الشّرقيّ في عصر هو الأسوء بالنسبة لها، بل للعالم كله على الإطلاق، فقد شهد هذا العصر المظلم عدد ضحايا يقدّر بحوالي مائة مليون مدنيًا، وديكتاتوريّة فاحشة، ومعتقلات تحأرضيّة، وفقر مدقع، وتدهور اقتصاديّ، بالاضافة لتضخم المساحة التي يمارس عليها البطش والاستعباد كل يوم، مما جعل من تفكك هذا الاتحاد السّوڤيتيّ أمرًا لا محالة فيه.

قبل التفكك، كان انهيار سور برلين، أو السّتار الحديديّ، علامة كبرى ونهائيّة على انتهاء الحرب الباردة بانتصارٍ مظفر للحريّة الغربيّة، تبعه التفكك المذلّ لدول الكتلة الشرقيّة دولة في إثر أخرى. ومن ثمّ تحوّلت اقتصاديات الدول الشّرقيّة كلها للرأسماليّة، وهو التحول الذي نجني من وراءه الآن كل هذه الإنجازات العلميّة، والتطور التكنولوچيّ، والثّورة المعلوماتيّة.

أقامت جمهوريّة ألمانيا الديمقراطيّة (ألمانيا الشّرقيّة) هذا السور ليفصل بينها وبين ألمانيا الغربيّة، أو بين الشّرق والغرب، أو بين التخلّف والتحضّر، أو بين الشّيوعيّة والرّأسماليّة، وكان شاهدًا على ذروة الحرب الباردة التي تلت الحرب العالميّة الثانية. السّور الذي أقيم في برلين ليقسمها في أغسطس 1961. وبعد التدهور الاقتصاديّ الضخم الذي عاناه الألمانيّون الشّرقيّون والضغط الهائل الذي مارسوه على حكومتهم، والذي تمثّلت في خروج بمئات الآلاف في مظاهرات عارمة في لايبزيش وألمانيا الشّرقيّة كلها، مما أرغم حكومة ألمانيا الشّرقيّة على السّماح للشّرقيين بزيارة ألمانيا الغربيّة لأول مرة بعد منع استمرّ قرابة ثمانية وعشرين عامًا، في 9 نوڤمبر 1989.

قبل الانتهاء من بناء السّور، الذي بلغ طوله 96 ميلًا، والذي كان يحميه ثلاثمائة مراقبين مسلّحين، تمكّن حوالي ثلاثة ملايين ونصف من الفرار إلى الغرب. أمّا في أثناء سنوات تقييد الحركة والانتقال بين الألمانيّتين عبر مضيق الموت، فقد حاول قرابة خمسة آلاف ألمانيّ العبور، مات منهم مائة وستة وثلاثين. وفي المجموع فقد مات 1200 مواطنًا ألمانيًا طيلة فترة وجود السّور. بينما ظل كثيرون يهربون عبر شقّ الأنفاق، والمناطيد المنزليّة، والاختباء في السّيارات المارّة هروبًا من الشّرق المظلم.

إن هذه الليلة التي غيّرت مجرى التاريخ كله، كان تأثيرها مثل تأثير الدومينو الذي مسح كل الدول الاشتراكيّة في شرق آوربا واحدة تلو أخرى في ستة أسابيع، وقد وصل ذروته إلى انهيار الاتحاد السّوڤيتيّ في 1991، وتوحيد الألمانيّتين، الذي كان لابد منه، في ألمانيا الاتحاديّة يوم الثالث من أكتوبر من عام 1991، وهو العيد القوميّ لألمانيا اليوم. إن السّور كان مثل جبهة الصّراع المرير بعد الحرب بين الرّأسماليّة الغربيّة والشّيوعيّة الشّرقيّة.

وقف چون كنيدي أمام بوابة براندبورج، الفاصلة بين برلين الغربيّة والشّرقيّة والمطلّة على ساحة پوستدامر الشّهيرة، وقال “أنا برلينيّ؛” ليعبّر عن تضامنه مع برلين وشعبها ضد عدو الحريّة – المعسكر الشّرقيّ. ووقف في نفس المكان تقريبًا الرئيس العظيم رونالد ريجان عام 1987 متحديًا غريمه الرّوسيّ، ومباغتًا له، مصرّحًا، “مستر جورباتشوڤ، مزّق هذا السّور الآن!”

مكان السّور يعجّ الآن بالحياة الغربيّة المتكاملة من مبانٍ فخمة، ومنظمات، وشركات خاصة، وأماكن جذب سياحيّ عالميّة، لمعاينة المنطقة المتنازع عليها سابقًا، والتي كانت أرضًا حياديّة بين البلدين والمعسكرين على السّواء.

إن كان التوحيد السّياسيّ والجغرافيّ قد تمّ بنجاح باهر، فإن الفصل السيكولوچيّ مازال كبيرًا، وهو ما يتضح في الانتخابات المحليّة، حيث يعطي الغرب أصواته لليمين المحافظ، بينما يصوّت الشّرق للشّيوعيين السّابقين والاشتراكيين والخُضر، بفارق ضئيل، هو ما مكّن الأول من تشكيل الحكومة الائتلافيّة في الانتخابات الفيدراليّة الپرلمانيّة الأخيرة.

لك أن تتخيّل شخصًا يبلغ من العمر ثلاثين عامًا في أثناء السّقوط، حيث كان لم يرَ في حياته كلها الجانب الآخر من ألمانيا، وقد استيقظ يوم 10 نوڤمبر، وبإمكانه الآن أن يرى ألمانيا الغربيّة، بعد أن اعتاد على منظر السّور مثلما اعتاد على هواء ألمانيا الشّرقيّة الملوّث بالديكتاتوريّة والدماء والفساد والاحتلال السّوڤيتيّ. إن السّور لم يكن يخترق برلين في الواقع فقط، بل كان يجري في تلابيب عقل أيّ مواطن ألمانيّ، سواء كان من هنا أو هناك، ولذا فسقوطه لم يكن باليسير، حيث اعتاد الجميع وجود سور فاصل يخترف برلين عرضيًا، وعلى مدى ما يقرب من المئة ميل، لمدة ثماني وعشرين سنة متواصلة.

يسمّي المؤرخون والصّحافيون والألمان عامةً يوم التاسع من نوڤمبر، يوم الحسم، أو “Schicksalstag”، فهو اليوم الذي شهد نهاية ثورة 1848 بإعدام روبرت بلوم وفشل الثّورة، وسقوط الملكيّة والانقلاب على الملك ڤيلهام في ثورة نوڤمبر 1918، ومحاولة الحزب النازيّ الفاشلة للانقلاب على الحكم عام 1923، وفي عام 1938 في نفس اليوم تم الاعتداء على أرواح وممتلكات اليهود الألمان، ومات 1300 يهوديًا، حيث كانت ليلة هذا اليوم، الليلة الكريستاليّة، هي البداية التاريخيّة الواضحة للهولوكوست ومعسكرات الاعتقال فيما بعد، ومن ثمّ عام 1989، وهذا ما نحن بصدده، سقوط سور برلين.

صاحب سقوط السّور منذ عشرين عامًا جوًا احتفاليًا أدى لمرور الشّرقيين للغرب، والعكس، احتفالًا بفتح الحدود مرة أخرى. وهي الاحتفالات الصّاخبة التي تبعها في السّنين التالية عدة حفلات موسيقيّة ضخمة احتفالًا بانتصار الحريّة الغربيّة أخيرًا على السّوڤييت. وهي ما ستكرره برلين هذا العام، حيث من المفترض أن تنظّم برلين احتفالًا ضخمًا بمناسبة مرور عشرين عامًا على انهيار أول أحجار السّتار الحديديّ، وقد دعت أنچيلا ميركل بدورها، وهي سكرتيرة سابقة للجنة الدعاية بالاتحاد الشّيوعيّ الشّبابيّ في ألمانيا الشّرقيّة وقد تحوّلت بعد ذاك لمحافِظة وعضوة في الحزب المسيحيّ الديمقراطيّ وانتُخبت للمستشاريّة، قيادات العالم أجمع لحضور احتفاليّة الحريّة يوم 9 نوڤمبر الجاري في برلين، حيث من المؤكد أن نسمع الهتافات مجددًا بعد كل هذا الوقت مازالت تردد “Wir sind das Volk!” أو “نحن الشّعب!”

* الصّورة مرخّص بتداولها وفق رخصة چنو للوثائق الحرّة.

ميديا ذات صلة:
- الفيلم الألمانيّ “النفق”.

- حفل روچر ووتر برلين 1990.

- قاد ليونارد بيرنستاين، الموسيقيّ الألمانيّ الشهير، أوركسترا ضخمة تمشاركة عازفين من الألمانيّتين والمملكة المتحدة وفرنسا والاتحاد السّوڤيتيّ والولايات المتحدة، يوم 25 ديسمپر 1989، وقدّموا حفلًا ضخمًا للسمفونيّة التاسعة الخالدة لبيتهوڤن بتغيير بسيط لعنوان العبارة الرّابعة، باستبداله من “قصيدة للمرح” “An die Freude” إلى “قصيدة للحريّة” “An die Freiheit”.

- ريح التغيير – ذا سكورپيونز.