كثيرة هي تلك المعارك التي خاضها الأتراك و متعددة هي حروبهم عبر التاريخ لكن تظل حرب الاستقلال التركية 1919\1922 هي أقدس الحروب التي خاضوها و التي بها ضربوا المثل لكل الأمم التي تتعرض للإحتلال في كيفية الاستقلال بعيداً عن المفاوضات و مباشرةً باتجاه الوسيلة الوحيدة الحقيقية للنصر..المقاومة.

خلفية:

====

في الثلاثين من أكتوبر عام 1918 استسلمت الدولة العثمانية موقعةً هدنة مدروس لتعلن هزيمتها في الحرب العالمية الأولى و تبدأ انجلترا و فرنسات و ايطاليا و اليونان تفعيل هدنة مدروس التي انهت الحرب علناً بينما سراً ينفذون بنود معاهدة سانت جان دي مورين التي قسمت تركيا العثمانية بينهم لتبدأ قواتهم في اقتحام الغرب الازميري عبر اليونان و تحتل فرنسا و انجلترا اسطنبول و تتوغل ايطاليا في الجنوب الغربي و يتوغل الأرمن في الشمال الشرقي و تسيطر فرنسا على الجنوب وسط سكوت السلطان و رفضه لفكرة المقاومة لايمانه باستحالتها و لخوفه من فقدان العرش لصالح ولي عهده لو اوم أو دعا للمقاومة و بهذا باتت أراضي الأناضول هي الوحيدة التي لم تحتل و منها بدأ الجنرال مصطفى كمال دعوته للتصدي للقوات المحتلة و بدأ في تجميع فلول الجيش المشتت و ضم آلاف المتطوعين اليه لينتقل السلطان لموقف الخيانة العلنية و يبدأ في تجميع ميليشيات للمرتزقة تتحالف مع الاحتلال لقتال المقاومة مع تكفير كل من ينتمي اليها وسط فتوى من شيخ الاسلام عبد الله درزادة بقتل مصطفى كمال و من معه بتأييد شيخ الاسلام مصطفى صبري ، مع هذا استطاعت قوات الثورين الاتراك هزيمة الارمن و القوات الفرنسية و الايطالية و اجبارهما على تحييد وقفهما و الانسحاب الجزئي ثم الكلي مما رفع الروح المعنوية للأتراك لكن كانت حكومة ويد جورج المتطرفة مصرة على سحق الاتراك و تهجيرهم من اسيا الصغرى فأيدت توسع يوناني جديد لعجز انجلترا العسكري بعد الحرب العالمية الاولى و عدم قدرتها على مواجهة اي عمليات موسعة في اي نطقة خارج الجزيرة الانجليزية فزودت الجيش اليوناني بما يحتاجه ليقوم باجتياح كامل لأراضي آسيا الصغرى لكن تتوالى الهزائم ف معارك اينونو الاولى و الثانية ثم المعركة التاريخية السخاريا لتقف قوات الثورين بعدها عند موقف القوة و تصير الامور في حاجة لمعركة حاسمة نهائية تطرد اليونانين و تحرر كل أراضي تركيا و هنا كانت معركة دوملو بونار الخالدة

المعركة :

=====

 

رأى (مصطفى كمال) أن قواته التي أعدها خصيصاً للمعركة مطلقاً عليها اسم (الصاعقة) تيمناً بالسلطان العثماني (بايزيد) باتت مستعدة للمعركة الفاصلة فشرع في بناء خطة بارعة للتموية نسجها كالآتي:

 

*بهدوء قطع المواصلات بين تركيا و العالم الخارجي.

 

*أطلق شائعات أن الضباط الذين يعملون بالسياسة قاموا بانقلاب.

 

*نظم مسابقات رياضية مستمرة طوال الشهرين يوليو و أغسطس.

 

* في 20 أغسطس توجه إلى الجبهة كزيارة عادية و هناك أبلغ رسمياً (عصمت اينونو) و (فوزي قاشماق) قادة الجيش الميدانين بميعاد الهجوم يوم

26/8/1922.

*قبيل الهجوم و في إحدى المباريات اجتمع بالقادة الكبار و أخبرهم تفصيلياً بالخطة التي سيتم تنفيذها.

 

*حرص على إرسال قوات شكلية إلى (أسكي شهر) قبيل المعركة مباشرة لاجتذاب انتباه اليونانيين بينما القوة الضاربة عن منطقة (دوملوبونار) قبالة (أفيون).

*في يوم 25\8\1922 أقام حفل ساهر جمع فيه الجنرالات الكبار جميعاً و ظل يرقص و يمرح حتى أتى منتصف الليل ليطمئن اليونانيون عبر جواسيسهم بأن كل شئ متجمد حتى انتصف الليل فانتقل هو و الجنرالات إلى مقر القيادة.

في مقر القيادة و عيناه شاخصتان إلى الجبهة كان (مصطفى كمال) يتذكر ما حدث منذ ثلاثة أعوام حين هبطت قواتهم إلى أزمير منتهكين الأعراض قاتلين كل من يقابلوه طاردين الأتراك من ديارهم بلا ذنب جنوه.

..

و قبل الهجوم بدقائق توجه (مصطفى كمال) إلى الجنود مذكراً إياهم بما فعله العدو منذ ثلاثة أعوام واصفاً اليوم بأنه ليس يوم الحرب..بل (يوم الحساب)

و دقائق تلو الأخرى ثم يقول:

(أيها الجنود لا أقول إلى أزمير بل أقول إلى البحر الأبيض).

 

 

بدأت المدفعية منذ فجر 26\8\1922 في توجية ضرباتها المفاجئة على القوات اليونانية المتمركزة في (أفيون) ساحقةً الخطوط الأمامية لليونانيين مكبدةً قوات المشاة لديهم 50% قتلى و جرحى و في نفس الوقت كانت خمسة فيالق من الفرسان تتقدم إلى ما خلف الخطوط اليونانية و تقطع خطوط التلغراف و السكة الحديدية الحديثة قاطعةً الاتصال بين (أفيون) و أزمير ليأتي الصباح و قوات الصاعقة التركية تكتسح خطوط القتال اليونانية شاطرةً الجيش اليوناني إلى شطرين مبيدةً نصفه على الأقل وسط مفاجأة شاملة جمدتهم في أماكنهم و من لا يموت منهم بقذائف المدفعية يلق مصرعه برصاص القوات المتقدمة بينما مقر القيادة في أزمير لا يملك أدنى فكرة عن الصورة هناك بفعل قطع الاتصالات

.

جاء يوم 27\8\1922 ببداية جديدة مع قصف مركز من القوات التركية على خطوط اليونانيين المتراجعة لتنقسم خطوط اليونانيين إلى قسمين كما الأمس أعمل فيهم الأتراك القتل و الأسر بحيث عانت خطوطهم انهيارا تاماً ليستمر الانسحاب إلى الخلف عشرات الكيلومترات دون أن تعلم القيادة في أزمير ما يحدث فتضاربت الخطط بين القيادة و القوات المتراجعة مما أي لإرتباك هائل وسط صفوفهم أدى لفتح مزيد من الثغرات في خطوط اليونانيين استغلها الأتراك جيداً لتبدأ موجات هروب واسعة للجنود اليونانيين و الضباط من الجبهة وسط إضطرابات شاملة زادت من خسائر الجيش اليوناني

.

أتى يوم 28\8\1922 استمرت عمليات الهجوم التركي على الخطوط اليونانية بضراوة بحيث تضاربت خطط اليونانيين فتم رسم خطة لهجوم مضاد ثم سحبها و إعطاء أوامر مختلفة و متضاربة بينما القوات مهلهلة و تتراجع بعنف و ارتباك و القوات التركية تتقدم بثبات مستغلة الموقف المضطرب لهم

.

و جاء صباح 29\8\1922 لتحاول قوات اليونان شن هجوم مفاجئ على جبهة الأتراك لفتح ثغرة إلى (دوملوبونار) وسط قتال ضارٍ لم يؤدي إلا للمزيد من الخسائر في الصفوف اليونانية لتقوم القوات التركية بهجمات مفاجئة علي صفوف اليونان المتراجعة لتصنع فيها فجوات هائلة و خسائر متوالية طوال الليل

.

في يوم 30/8/1922 بدت قوات الأتراك واضحةً و هي تتقدم تجاه القوات اليونانية المتراجعة مما دفع قادة الجيش اليوناني لطلب التراجع للغرب إلا أن قائد الجيش أصر على مواصلة القتال إلا أن تقارير رجاله السريعة من أرض المعركة أكدت استحالة الصمود أمام القوات التركية التي تتقدم سريعاً تجاههم فأمر بالعودة إلى الغرب و التراجع ناحية ساحل البحر المتوسط إلا أن الوقت قد كان مضى و لحقت بهم القوات التركية و قطعت عليهم الطريق للغرب و حاصرت الجيش اليوناني من الجانبين لتدور إشتباكات كبرى لعب فيها سلاحي الفرسان و المدفعية دوراً أساسياً في إلحاق خسائر كبرى بالقوات اليونانية لتستمر المجزرة حتى الفجر في 31/8/1922ليُظهر النهار مدى الخسائر الفادحة في الصفوف اليونانية مما أدى لتشتت القوات بأكملها هاربين إلى الغرب بحياتهم تجاه ساحل البحر المتوسط و أمر قائد الجيش بالتخلي عن كافة الأسلحة الثقيلة و المعدات العسكرية لتسريع الفرار إلى المياة لتنتهي العمليات رسمياً في هذا اليوم

.

أتي يوم 1\9\1922 ليستسلم آلاف من الجنود و الضباط و القادة اليونانيين إلى القوات التركية منهم القائد العام اليوناني و مساعده وسط ذهول عارم من النصر المذهل الذي حققته القوات التركية و خسارة اليونان الكارثية التي لم يسبق لها مثيل وفي خلال أيام كانت أزمير بالكامل مستعدة لاستقبال القائد (مصطفى كمال).

جاء يوم 12\9\1922 و (مصطفى كمال) يتقدم جنوده في المدينة وسط أرتال السيارات العسكرية المدرعة و المكشوفة وسط هتافات سكان المدينة الجنونية الذين لم يصدقوا أنفسهم بعد ثلاث سنوات من الاحتلال و العار أن ينتهي كل شئ في أيام و يعود المجد التركي كما كان إبان العهد العثماني القديم منذ قرون. ..

 

شهادات:

=====

يقول محمد فرقان من أهالي أزمير:

كنا منذ سنوات نحيا وسط الجيش اليوناني الذي لم يجعلنا نأمن على شرف نسوتنا و حياتنا فكنا نقض اليوم و نحمد الله على الحياة التي مازلنا نحتفظ بها و اليوم في أيام قليلة فط حدثت المعجزة و رأينا جنود الكماليين الأبطال يدخلون أزمير فنعم الرجلمصطفى كمال باشا.

يقول فتحي صطفى قازن:

اليوم رأيت نور الله من جديد بعد سنوات الظلام في أزمير اليوم نصلي لله لهذا النصر و هزيمة جيش اليونان الصليبي.

تقول فاطمة نجدت من أزمير:

مات زوجي على يد جند يوناني و اليوم أنا أرى كثير من جنودهم يفرون من الكماليين فكأني أرى زوجي يبتسم بعد موته

أعقاب الحرب:

========

حاولت اليونان المواجهة من جديد بعد سحق جيشها و قتل و اصابة 15000 من جنودهم و أسر الآلاف المؤلفة و من ضمنهم كبار قادة اجيش الا ان ظروفها لم تسمح بذلك فاضطرت هي و انجلترا لاعلان طلب الهدنة ليتم توقيع هدنة مودانيا في 11\10\1922 و يتم عقد مؤتمر لوزان في العام التالي و فيه اعترفت دول الاحتلال الاوروبي بالهزيمة و انسحبت في اغسطس 1923 اخر قوات البحرية الانجليزية من اسطنبول بعد ان كانت فرنسا و ايطاليا قد انسحبوا من عام كامل و اليونان قد نفذت الانسحاب قبل المؤتمر و هكذا تحررت تركيا بقوة السلاح و بالمقاومة.