أكبر صدمة حضارية أصابنى بها الأسرائيليين كانت حينما شاهدت لأول مرة فيديو زيارة السادات للكنيست الأسرائيلى عام 1977 … المشهد الذى علق فى ذهنى و لم أستطع نسيانة ، لم يكن مشهد السادات أو أحد مرافقيه ، و لم يكن أحد السياسيين الأسرائيليين المشاهير و المحترمين … المشهد الذى أثر فىّ هو حجم الجموع التى تزاحمت حول الكنيست لترحب بالرئيس المصرى … كنت أعلم أن هناك أنصار للسلام فى أسرائيل ، لكنى لم أكن أتوقع أن أرى ألوف البشر ، جميعهم يرتدون الملابس البيضاء و الوردية ، و يحملون الزهور ، و يقفون فى الشوارع بالساعات ليحيوا رئيس الدولة التى حاربتهم قبلها ببضعة سنوات … حميمية الأستقبال المذهلة ، و منظر ضباط الشرطة الأسرائيلية و هم يقومون بدورهم فى تنظيم الحشود المرحبة بالرئيس العدو- الصديق ، كانت من بين المشاهد التى غيرت حياتى … يومها سألت نفسى : هل أذا جاء ألينا فى مصر مسئول أسرائيلى يدعم السلام ، هل سيجد نصف هذا الترحيب من المصريين ؟
لا أنكر أنى أشعر كثيرا بالذنب تجاة قراءى المصريين ، الذين صدمتهم حين قلت أنى برو-أسرائيلى ( مؤيد لأسرائيل ) ، و أصدمهم بأستمرار بمواقفى الداعمة للسياسات الأسرائيلية بأستمرار … أشعر بالذنب لأنى لم أشرح لهم أسباب مواقفى هذة ، و لم أطلعهم على ما أعرفة عن جيراننا الأسرائيليين ، ثم أطلب منهم أن يتفهموا موقفى و يتقبلونى بكل تسامح … موقف صعب ، أعذرهم عليه
نفس الشعور بالذنب أشعر به تجاه الكثير من قراءى الأسرائيليين ، الذين ألاحظ الدهشة و عدم التصديق فى تعليقاتهم … فمنهم من يظننى مجنونا غير واعى بأبعاد ما أقول ، و منهم من يظننى فخ مخابراتى لخداع الشعب الأسرائيلى فى أطار الشعور بالمؤامرة الكبرى على الشعب اليهودى … هم أيضا معذورون ، لأنهم أيضا لا يعرفون دوافعى و أسبابى التى بنيت عليها مواقفى السياسية

هذا المقال هو محاولة منى ، لشرح الأسباب المنطقية التى جعلتنى مؤيدا لأسرائيل . الأسباب التى تجعلنى حريصا على دعم أستمرار دولة أسرائيل فى الوجود ، و الأسباب التى تجعلنى مؤيدا لعلاقات كاملة و حقيقية بين الشعب الأسرائيلى و سائر شعوب المنطقة

فى الحقيقة ، دعمى لأسرائيل ليس هو دعما لأسرائيل ذاتها ، بقدر ما هو دعما للقيم التى تمثلها دوله أسرائيل فى المنطقة … فالقضية ليست أن هذا يهودى و ذاك مسلم ، و ليست أن ذاك عربى و هذا عبرى … القضية فى نظرى أن هذا ديموقراطى و ذاك أستبدادى ، و هذا ليبرالى و ذاك شمولى … و بالتالى فأنحيازى لأسرائيل هو أنحياز لقيم الديموقراطية و الحداثة التى تمثلها أسرائيل – شئنا أم أبينا – فى المنطقة

و سأحاول هنا أن أسرد بنوع من التفصيل ، بعض النقاط التى ستوضح وجهه النظر التى أطرحها

1- السياسة – أسرائيل هى أكبر و أقدم الديموقراطيات فى المنطقة
النظام السياسى فى أسرائيل هو النظام البرلمانىنظمت أول أنتخابات شعبية فى 25 يناير 1949 ، ليبدأ الكنيست الأول ، و الكنيست الحالى هو الكنيست الثامن عشر فى تاريخ أسرائيل … طوال هذة الفترة ترأس دولة أسرائيل 9 رؤساء ، بداية من الرئيس شيم ويزمان ( 1949 ) حتى الرئيس الحالى شيمون بيريز ( 2007 ) … و كل كنيست جديد كان يأتى بحكومة جديدة فى أسرائيل ، أى تقريبا 18 حكومة أسرائيلية فى 60 عام ( تقريبا حكومة جديدة كل ثلاث سنوات و ثلث ) … و فى كل مرة تمر الأنتخابات الأسرائيلية بسلاسة ، بلا أنقلابات مسلحة ، بلا أدعاءات بتذوير الأنتخابات ، بلا نتايج أنتخابية من نوعية ال 100% و ال 99.9%
فى ال 60 عام الأخيرة ، بينما حكم أسرائيل 18 حكومة مختلفة ، حكم مصر 6 رؤساء ( الملك فاروق ، الملك أحمد فؤاد ، محمد نجيب ، عبد الناصر ، السادات ، مبارك ) … الثلاثة الأوائل تركوا السلطة نتيجة أنقلابات أو حركات عسكرية ، و الرابع ( عبد الناصر ) ظل على عرشة حتى الموت ، و لو لم يكن مات لكان سيظل حاكم مصر إلى يومنا هذا ، هذا بغض النظر عن أشاعة موته مسموما … و الخامس السادات خرج من السلطة مقتولا … و السادس باقى فى منصبة منذ 30 عام ، ولا نعرف وسيلة لأخراجة من السلطة … ففى الوقت الذى تبادل فية حكم أسرائيل 18 حكومة ديموقراطية ، حكمنا 6 أشخاص ، لم يصل أيا منهم للسلطة من خلال أنتخابات ، ثلاثة منهم تركوا الحكم مجبرين بقوة أنقلاب ، و أثنين خرجوا من مناصبهم بالموت ، و السادس نبحث عن وسيلة لأخراجة من السلطة لمدة 30 سنة بدون فائدة … أعتقد أن المقارنة واضحة

يمكن لأى منا أن يفتح أى خريطة للشرق الأوسط ، و لن يبذل مجهود ليكتشف أن أسرائيل هى أعظم ديموقراطية فى المنطقة … الشرق الأوسط لم يعرف نظام ديموقراطى سوى أسرائيل حتى الغزو الأمريكى للعراق فى 2003 … فتركيا و أيران لديهم ديموقراطيات مشوهه ، فأيران تمنع العالمانيين من الترشح فى الأنتخابات ، و تركيا تمنع التيارات الدينية من الترشح فى الأنتخابات ، فما فائدة الأنتخابات أذا كان المشرع قد سبق و أختار للشعب أيديولوجية حكامة ؟ … بعد أيران و تركيا ، لا يتبقى فى المنطقة من أنظمة ديموقراطية غير لبنان و العراق ، و الأثنان ديموقراطيتان حديثتان ، العراق بعد الغزو الأمريكى فى 2003 ، و لبنان بعد ثورة الأرز فى 2005 ، و كلاهما ديموقراطيات مشوهه بسبب التقسيمات الطائفية التى تسيطر على العملية الأنتخابية … و باقى دول المنطقة هى إما ممالك بدوية ( مثل المملكة العربية السعودية و قطر ) ، أو شموليات عسكرية ( مثل سوريا و مصر و السودان و ليبيا ) … كل هذا يجعلك لا تجد فى المنطقة كلها نظام ديموقراطى حقيقى سوى أسرائيل
بل الأبلغ من كل هذا … ديفيد بن جوريون ، الذى يعتبرة الكثيرين مؤسس دولة أسرائيل … هو من أعلن أعلان أستقلال دولة أسرائيل ، و شغل منصب الرئيس المؤقت لدولة أسرائيل لمدة يومان فقط ، ليسلم رئاسة الدولة لرئيس الدولة الأول شيم ويزمان … ديفيد بن جوريون لم يتحنط على كرسية كما يفعل الرؤساء المسلمون و العرب ( القذافى فى السلطة منذ 41 عام ، و يسعى لتوريث الحكم لأبنه ) ، بالعكس ديفيد بن جوريون تنازل عن السلطة أكثر من مرة … فعلى الرغم من كونة رئيسا للحكومة الأسرائيلية فى الفترة ما بين عامى 1948 و 1954 ، إلا انة خرج من السلطة فى عهد الكنيست الثانى ليخلفة موشى شاريت فى الفترة ما بين 1954 و 1955 ، ثم عاد بن جوريون ليرأس الحكومة الأسرائيلية بعدها … و طوال حياة بن جوريون ، كان يشغل مناصب كثيرة ، و يتركها بعدها بفترات قصيرة فى تبادل سلمى و سلس للسلطة … فمن منكم رأى رئيسا عربيا يتنازل عن منصبة لهذا الشكل السلس ؟ فما بالكم و أننا نتحدث عن شخص يكاد يكون هو مؤسس الدولة ذاتها … أذا كان عبد الناصر ، لمجرد أن أستطاع السيطرة على ضباط أنقلاب 52 ، نسب لنفسة نجاحات أكبر من حجمة بمراحل ، و بقى فى منصبة 16 عام … و حسنى مبارك ، الذى نسب لنفسة نصر أكتوبر كله ، بقى بحجة هذا النصر ثلاثون عاما فى رئاسة الجمهورية … فما بالكم بمؤسس دولة يترك رئاستها بعد يومين ، و يترك رئاسة الحكومة بعد 6 سنوات ؟ … ألا تستحق ديموقراطية مثل هذة ان نعطيها أحترامها اللائق ؟

2- العمل و الأنتاج – الأسرائيليين بنوا دولة كاملة من الأبرة للمفاعل النووى فى أقل من 50 عام
أسرائيل بشكلها الحالى ، هيا دولة حديثة الوجود فى المنطقة … أسرائيل القديمة التى انتهت فى القرن الأول الميلادى ، لا تعنينى فى مقالى هذا … أسرائيل الحالية بدأ الشعب اليهودى فى وضع أساساتها منذ ما لا يزيد عن قرن من الزمان … بنوا المزارع و المدن و المصانع ، و كل هذا ليس دولة … أول ظهور لدولة أسرائيل كان بعد أنتهاء الأنتداب البريطانى عن هذة المنطقة ، و لهذا فان عمر دولة أسرائيل يبدأ تقريبا منذ عام 1948 بغض النظر عن ان بدايات هذة الدولة تم وضع أساساتها قبل ذلك بعقود
أستطاعت أسرائيل ، و أستطاع الشعب اليهودى ، فى أقل من 50 عام ، بناء دولة قوية متكاملة تغطى كافة نواحى الحياة … فقد أقام الشعب اليهودى دولة مؤسسات كاملة ، بها فصل كامل بين السلطات ، بها نظام سياسى برلمانى من أفضل النظم السياسية فى العالم ، و برلمان يقوم بدور رقابى و تشريعى متميز ، و قضاء نزية و محايد حاكم أكبر السياسيين فى أسرائيل بنزاهه لم يشكك فيها أحد … و ما نقولة عن السياسة نقولة عن الزراعة و الصناعة و السياحة و التكنولوجيا
هنا أن أقدر قيمة الأبداع مع الزمن ، فنحن المصريين الذين نتفاخر اننا أبناء حضارة عمرها أكثر من 5 آلاف عام ، إلا أننا لم نستطيع بناء مفاعل نووى واحد ( أسرائيل لديها تقريبا 4 مفاعلات نووية ) ، و حينما فكرنا فى أنشاء مفاعل نووى سلمى ، بدأنا البحث عن شركات فرنسية و بريطانية لتتولى عمليه أنشاؤة ، و حتى يومنا هذا لازالت البيروقراطية المصرية تعطل قيام المفاعل النووى المصرى الأول … نفس الشئ يقال عن الأقمار الصناعية ، ففى الوقت الذى تقوم فية أسرائيل بتصدير الأقمار الصناعية الخاصة بالتجسس للهند ، لم تستطع مصر تصنيع أقمارها الصناعية بنفسها و أشترتها من شركات فرنسية … و فى الوقت الذى تقوم فية أسرائيل ببيع الأسلحة لروسيا ( وريثة الأتحاد السوفيتى ) ، تقوم المصانع الحربية فى مصر بصناعة البوتاجازات و السخانات التى لا ترضى حتى المستهلك المصرى … و العاملون فى مجال الصناعة يعلمون جيدا كيف أن هناك صناعات بأكملها لا توجد فى الشرق الأوسط كله ، إلا فى أسرائيل
كمصريين يجب أن نعترف بالفجوة التكنولوجية التى تفصلنا عن أسرائيل … يجب أن نعترف أن هناك شعب ( و إن أختلفنا معه ) ، إلا أن هذا الشعب يقدس العمل و الأنتاج و الأبداع ، شعب لا يسمح للبيروقراطية و الفساد بتعطيل مسيرة تقدمة … شعب تجاوز صعوبات مستحيلة مثل القلة السكانية و حالات الحروب المتواصلة و العزلة بين جيرانه و التضارب العرقى و الثقافى ، و صنع حضارة و دولة متكاملة . بينما معظم دول المنطقة تعيش فى سلام متواصل و مع ذلك تغرق فى الكساد ، و تعيش على أستيراد غذائها و ملابسها و أحتياجاتها الأساسية ، و يحكمها مجموعة من اللصوص بينما أغلب شعوبها مشغولة بالقات و الحشيش و الدين

3- الثقافة – أفضل جامعات فى المنطقة
أسرائيل لديها 8 جامعات … أقدمهم الجامعة العبرية فى أورشليم ( القدس ) التى تأسست عام 1918 ، أى بعد جامعة القاهرة ب 10 سنوات … فأذا أستثنينا الجامعة المفتوحة فى أسرائيل ، و التى تأتى متأخرة فى الترتيب العالمى ، فأن باقى ال 7 جامعات تأتى بين أفضل 500 جامعة على مستوى العالم ( أحيانا تتأخر جامعات بار أيلان و حيفا بضع أرقام بعد ال 500 فى بعض التصنيفات ) … بينما تشغل الجامعة العبرية فى أورشليم ترتيب ال 77 على مستوى العالم ، بما يجعلها أفضل جامعة فى الشرق الأوسط
إلى وقت قريب لم تكن هناك جامعة عربية واحدة بين أفضل 500 جامعة على مستوى العالم ، و إلى يومنا هذا لا توجد جامعة مصرية أو عربية فى قائمة أفضل 200 جامعة على مستوى العالم ، بعد أن أستطاعت بعض الدول العربية دخول قائمة أفضل 500 … الطريف فى الأمر ، أن الجامعات المصرية بدأت تبحث عن تصنيفات أقل شهرة عالميا ، او تصنع بأنفسها ترتيب للجامعات على مستوى العالم ، لتستطيع أن تضع نفسها فى قائمة أفضل 200 أو أفضل 500 … و قد كان بالأولى للجامعات العربية ، أن تبحث فى أسباب فسادها و أنهيارها ، و تقوم بأصلاح و تطوير نفسها ، بدلا من اختلاق تلك التقييمات المزيفة
لن نتعجب أيضا حين نعرف أن أسرائيل هيا أكثر دولة فى العالم تنفق على البحث العلمى( بالنسبة للدخل القومى ) … فأسرائيل تنفق حوالى 4.7% من انتاجها الوطنى GDP على البحث العلمى ، و هو رقم ضخم جدا أذا علمنا أن الولايات المتحدة الأمريكية تنفق فقط 2.6% من أنتاجها المحلى على البحث العلمى …. ماذا تنفق الدول العربية على البحث العلمى ؟ … أجمالى ما تنفقة أسرائيل سنويا على البحث العلمى ، يفوق ما تنفقة جميع الدول 22 الأعضاء فى جامعة الدول العربية على البحث العلمى

منذ اعوام تم نشر أحصائية تقارن بين معدلات الثقافة و القراءة بين دول العالم … المواطن الأسرائيلى يقرأ فى المتوسط 40 كتاب سنويا ، بينما كل 8 مواطنين مصريين يقرأون كتاب واحد سنويا … معنى هذة المعلومة أن ما يقرأة أسرائيلى واحد فى 10 أعوام ، يحتاج المواطن المصرى ل 3200 عام لكى يقرأ نفس الكمية …. فارق كبير حينما تقارن بين دولة العلم و التكنولوجيا ( أسرائيل ) ، و بين الجهل المستشرى فى الدول الناطقة بالعربية

4- حقوق الأنسان – أعظم مساحة حريات فى المنطقة
لى صديقة أسرائيلية من أصول عربية … فوجئت بأنها رجعت من مدرستها مبكرا فى أحد الأيام ، فظننتها مريضة … سألت عليها لكى أطمئن على صحتها ، فأخبرتنى أنهم ( فى أسرائيل ) فى شهر رمضان يسمحون لطلبة المدارس العربية بالرجوع مبكرا ( مراعاة لصوم رمضان ) … الصدمة الحقيقية أننى لا أنسى كيف ظللت طول حياتى فى مصر يتم أجبارى على أن أجتاز أمتحاناتى أيام أعيادى الدينية ( فترة أعتناقى بالمسيحية ) … فالمسيحيون المصريين الذين يعيشون فى مصر منذ بداية التاريخ ( بغض النظر عن تاريخ تحولهم للمسيحية ) لازالوا حتى اليوم هدفا لتعنت المسئوليين الحكوميين الذين يتعمدون أجبار الطلاب المسيحيين على أجراء أمتحاناتهم فى أيام الأعياد ، أو اليوم الذى يلى العيد …. هذا هو الفارق بين أوضاع الأقليات الدينية فى مصر و أسرائيل
أسرائيل – على عكس ما يظن العرب – لديها مستوى عالى من حقوق الأنسان لا يوجد فى أى دولة عربية … فأسرائيل مثلا لا توجد لديها عقوبة الأعدام ، ولا أى عقوبة بدنية أخرى … فى الشرق الأوسط كله لا يوجد إلا تركيا لا تطبق حكم الأعدام ، و بعض الدول توقفت عمليا عن ممارستة دون تقنين ذلك ( المغرب – تونس – الجزائر ) ، فى الوقت الذى لا تزال فية الكثير من الدول الأسلامية ( مثل أيران و السودان و السعودية ) تطبيق العقوبات البدنية مثل الجلد و قطع الأيدى و الرجم … ما يقال عن الأعدام و العقوبات البدنية ، يمكن قولة عن حقوق الطفل و المرأة ، و حرية الرأى و العبير … أسرائيل لا يوجد لديها خانة ديانة فى البطاقة الشخصية … أسرائيل هيا الدولة الوحيدة فى الشرق الأوسط التى يستطيع فيها المثليين تنظيم أنفسهم فى تنظيمات حقوقية … أسرائيل هيا الدولة الوحيدة فى الشرق الأوسط التى يستطيع فيها الملحدين تكوين تجمعات إلحادية قانونية ، و نشر أفكارهم الإلحادية بكل حرية … أسرائيل هيا الدولة الوحيدة التى يمكنك أن تكون مواطنا فيها ، و مع ذلك لا تعترف بحقها فى الوجود ، و فى نفس الوقت لا يتم سحب الجنسية منك أو سجنك أو حتى رفع أعانة البطاله عنك … أسرائيل هيا الدولة الوحيدة فى الشرق الأوسط التى يستطيع فيها الأعلام نشر فضائح للجيش ( تذكروا فيلم روح شاكيد ) ، و هيا الدولة الوحيدة التى يمكن أن يقوم تليفزيون الدولة الرسمى بنقد دين الأغلبية بكل بساطة و دون أن تعلق المقاصل لأحد

أسرائيل وقفت بجانب كل ضعيف و مظلوم فى المنطقة … دول أفريقية لا نعرف عنها شيئا ، و أسرائيل ترسل لهم معونات بأستمرار … أهالى دارفور المسلمون ، الذين تعرضوا للأبادة الجماعية و الأغتصاب و التهجير على يد أخوتهم المسلمين من نظام البشير الإسلامى … أهالى دارفور هؤلاء هم الذين يهربون من خلال الأراضى المصرية ليدخلوا أسرائيل لينالوا حق اللجوء السياسى ، و يعيشون كبشر أحرار … ماذا فعل العرب و المسلمون للأكراد أو لأهل دارفور ؟ … كم مظاهرة خرجت فى مصر تضامنا مع أهل دارفور ؟ كم مظاهرة خرجت فى مصر تضامنا مع الأكراد ضد المجرم صدام حسين الذى قتل ألوف الأكراد بدون ذنب ؟ … نحن المصريين لم نكتفى بالصمت ، و لكننا قتلنا السودانيين و سحلناهم و عذبناهم فى وسط شوارع الجيزة أمام أعين الجميع بلا رحمة … كل هذا و أهل دارفور مسلمون ، و الأسرائيليين يهود ، و لكن الدولة الأسرائيلية تتجاوز حدود العرق و الدين لتقف بجانب المضطهدون ، بينما العرب لا مانع لديهم من الصمت على ظلم أخوتهم بدون حتى مبرر منطقى لهذا الصمت ، بالضبط كما فعلوا حينما صمتوا حينما قام صدام بأحتلال الكويت ، ثم ثاروا و هاجوا و ماجوا حينما شاركت مصر فى تحرير الكويت من الأحتلال الصدامى … ألا يتسائل المصريين حول مشاعر أخوتهم الكويتيين حينما يرون هذة الأفعال ؟
منذ أشتعل ملف دول حوض النيل فى الشهور الأخيرة ، و بدأت أجهزة الدولة المصرية فى الترويج لسيناريو المؤامرة الأسرائيلية فى دول حوض النيل …. بالنسبة لى ، لأ أرى أى مؤامرة على الأطلاق … فالمصريين لم يسألوا انفسهم ماذا يعرفون عن أثيوبيا و ماذا قدموا لها ؟ … ماذا يعرف المصريين عن الفقر و الأمراض و الفياضانات و باقى الأمور الذى تعانى منها أثيوبيا ؟ لماذا لم يتعاطف المصريين مع أخوتهم الأفارقة الأثيوبيين فى مشاكلهم ؟ … أسرائيل تعاطفت مع أثيوبيا منذ سنوات طويلة ، و تقدم لها الكثير من المساعدات لتحاول مساعدة الشعب الأثيوبى فى التخلص من مشاكلة … فمن الطبيعى أن تكون هناك علاقات أسرائيلية أثيوبية قوية … و فى نفس الوقت من الطبيعى ألا يكون هناك ود متبادل بين المصريين و الأثيوبيين فى ظل الأستعلاء العنصرى الذى يتعامل به المصريين مع السود ( و أسئلوا النوبيين إن كنتم لا تعلمون ) ، و فى ظل تجاهل أنشغال المصريين بتمويل الحركات الأرهابيه فى أفغانستان و فلسطين و اليمن … فأذا كانت غزة أكثر أهمية بالنسبة للمصريين من أثيوبيا ، فلماذا يتضايق المصريين حينما يفقدون علاقتهم بأثيوبيا التى تجاهلوها أنسانيا لعقود طويلة ؟

5- السياسة الخارجية الأسرائيلية مبنية على المصلحة مش على العنصرية
الأصل فى الأمور ، أن السياسى هو شخص أختارة الشعب لتحقيق مصالحهم ، و ليس لتحقيق وجهات نظرة الأيديولوجية الخاصة … هذا بالطبع لا ينطبق على السياسيين العرب الذين وصلوا للحكم بالدبابات ، و لكنه بالطبع ينطبق على أسرائيل
فحزب الليكود مثلا ، و الذى يتهمه العرب بأستمرار بأنة حزب يمينى متطرف ، هو ذات الحزب الذى قام بتحدى أيديولوجيتة فى فتره قصيرة جدا ، و وقع أتفاقية السلام مع مصر ، و قام بإرجاع سيناء بأكملها بدون مقابل تقريبا ( بأعتبار حق أسرائيل فى الملاحة فى المضايق الدولية حق و ليس منحة ) … لا يسأل المصريون أنفسهم : كيف يكون حزب متطرف و يقوم بعقد أتفاقية سلام ( رغم انة يسيطر على كل سيناء تقريبا ) و يترك سيناء للمصريين بدون حرب ؟ … الفكرة أن الساسة يهمهم مصلحة أسرائيل ، أكثر من الأيديولوجيات النظرية …. و مصلحة أسرائيل أن تعيش بسلام وسط جيرانها … لو بدلنا المواقف وقتها ، و كانت مصر فى مكان أسرائيل ، لم تكن مصر ستتنازل عن شبر واحد من سيناء بالسلام ، بالضبط كما تفعل فى تمسكها بالأراضى السودانية التى تحتلها حاليا ( حلايب و شلاتين )
نفس الشئ يمكن قوله عن المفاوضات مع الفلسطينيين و السوريين و اللبنانيين … فالعرب ظلوا لعقود يرددون كلاما أبلها عن الأمبراطورية التى من النيل للفرات ، و لكن أسرائيل هدمت كل هذة الأطروحات العربية فى لحظة واحدة على مائدة المفاوضات ، حينما أمرت بتفكيك مستوطناتها فى غزة … يومها وقف الجيش الأسرائيلى بنفسة يباشر إجلاء المستوطنين الأسرائيليين من منازلهم التى بنوها فى غزة ، ليتركوها للفلسطينيين … فأذا كانت أسرائيل ترغب فى التوسع فى المنطقة ( الأيديولوجيا ) ، فلماذا فككت مستوطناتها فى غزة أو أنسحبت من سيناء ( المصلحة ) ؟ … هذا لأن السياسة الخارجية الأسرائيلية تغلب المصلحة على الأيديولوجيا
العكس موجود عند السياسيين العرب … فالسياسيين السوريين يعلمون جيدا أنهم بإمكانهم أجراء أتفاق سلام بسهولة مع أسرائيل ، و لكنهم لازالوا غير قادرين على تغليب مصلحة شعوبهم على أيديولوجياتهم الضيقة الرجعية … الأحمق وحده هو من يعذب شعب كامل من أجل أيديولوجيا حمقاء … فى نقاشاتى مع المسيسين السوريين ، لم يعطونى ردودا منطقية حول فكرة السلام مع أسرائيل ، كل كلامهم عبارة عن كلمات عبثية عن أن اسرائيل كيان صهيونى و ليست دولة ، و ان القضية هيا قضية فلسطين و ليست سوريا … هل انت مسئول فلسطينى أم سورى ؟ أنت مسئول سورى وظيفتك تحقيق مصالح الشعب السورى . فبأى ذنب تجبر الشعب السورى على الحياة فى حاله حرب متواصلة ( يلتهم فيها الجيش الجزء الأكبر من ميزانية الدولة ) لمجرد أن هناك أيديولوجيا تطلب منك أن تظل فى حالة حرب أبدية مع دولة تفوقك عسكريا عشرات المرات ؟
ما يقال عن السياسة يقال أيضا عن الثقافة … أسرائيل بها متطرفون أيضا ، كل دول العالم بها متطرفين … لكن الدولة الإسرائيلية لا تعرف أى نوعا من العبث الخاص بالغزو الثقافى و الحفاظ على الهوية القومية و البلا بلا … الأفلام العربية ( و المصرية تحديدا ) تذاع بأستمرار فى التليفزيون الأسرائيلى ، و يشاهدها الأسرائيليين بدون حساسية ، بينما نحن تتزلزل الدنيا عندنا أذا ما قام مركز ثقافى بعرض فيلم أسرائيلى يدعو للسلام بين الشعبين … اللغة العربية لغة رسمية فى أسرائيل ، و لديهم فى أسرائيل مجمع لللغة العربية مماثل لمجمع اللغة العربية الموجود بالقاهرة … لا ينظر الأسرائيليين للغة العربيه على أنها تهديدا لثقافتهم و هويتهم أو وجودهم ، بل يرون أن مصلحتهم فى التعايش مع جيرانهم … الشعوب العربية تفهم الهوية بمعادلة ” أنا موجود ، أذن أنت غير موجود ” ، بينما المصلحة تحتم أن يستمر كلانا فى الوجود ، و نتوقف عن محاوله محو الآخر من الوجود

خاتمة
المقارنات السياسية و الأجتماعية و الأنثروبولوجية بين المجتمع الأسرائيلى و المجتمعات العربية ، موضوع ثرى لا يمكن حصرة فى مقال واحد … أردت هنا فقط أن أوضح النقاط الرئيسية التى تميز المجتمع الأسرائيلى عن باقى المجتمعات التى تحيط به فى الشرق الأوسط …. و هذة الفروق هيا التى تفرض عليا أن أنحاز لحق دولة أسرائيل الكامل فى الوجود بسلام فى المنطقة ، و هيا نفسها التى تفرض عليا الوقوف بجانب أسرائيل كدولة ديموقراطية حداثية يعيش شعبها كمواطنين أحرار فى منطقة من العالم يعتبر فيها التفكير فى الحرية جريمة
بالطبع ، موقفى هذا لا يعنى أنى أتفق مع أسرائيل فى كل صغيرة و كبيرة ، ولا يعنى أنى أدعم أسرائيل فى أى موقف خاطئ تتخذة … فالأسرائيليين أنفسهم لا يتفقون على أى شئ ، بما فية حق دولة أسرائيل فى الوجود … فأذا كان لا يوجد مواطن أسرائيلى يتفق مع سياسة دولتة فى جميع المواقف ، فبالتأكيد لا يمكن أن يوجد داعم لأسرائيل يتفق مع السياسات الأسرايلية جميعها … أنا فقط أدعم حقوق دولة أسرائيل ، و أدعم الكثير من الخطوط العريضة فى السياسة الأسرائيلية ، لأنى متفهم لدوافعها و حيثياتها
و هذا بالتأكيد يعنى أن هناك نقاط أختلاف بينى و بين السياسات الأسرائيلية … منها على سبيل المثال الموقف الرسمى فى أسرائيل من السلاميين الأسرائيليين … فأنا لازلت غير قادر على تصديق أن الشعب اليهودى الذى عانى من الأضطهاد ما يقرب من 20 قرن بسبب معتقدة الدينى ، حينما يؤسس دولة يبدأ فى أضطهاد بنى شعبة بسبب معتقداتة الضميرية !!! … لا أنكر أنى شعرت بالخجل حينما تم أعفائى من الخدمة العسكرية فى مصر بعد أعلانى أنى لن اخدم بالجيش بسبب معتقداتى السلامية ، بينما زملائى السلاميين فى أسرائيل فى السجون الأسرائيلية … هذة نقطة تحتاج للمراجعة فى السياسة الإسرائيلية
* ملحوظة : معظم المعلومات الواردة فى هذا المقال ، تم وضع مصادر لها من خلال روابط … فأرجو الضغط على الروابط و الأطلاع على المصادر ، لتكوين صورة أوضع للحقائق الواردة فى هذا المقال

موضوعات ذات صلة

كتب أنصح بقراءتها

روابط تهمك
أسرائيل الحضارة و التاريخ – موقع أسرائيلى يشرح بعض الأمور الخلافيه
شبكة الشرق الأوسط – موقع يصحح الكثير من المفاهيم المغلوطة