حين سُئِل  هيدجر عن أرسطو قال: ولد أرسطو.. عاش.. مات وتبقى لنا أعماله، وحين سُئِل نيتشه عن الإله قال:لقد مات الإله، وبين الجملتين يكمن الارتكاز على فعلي الموت والعمل، فربما قبل كل موت هناك عمل يجب أن يسبقه او يصاحبه، إنه الأثر لاستحقاقية الموت، موت الإله تطلب بالضرورة كونه حيا فلا موت دون حياة تسبقه، حيا على مستوى الوعي الفردي أو الجمعي، حيا على مستوى الوجود الملموس أو المتخيل، حياة الإله إيمان به وموت الإله إيمان به كذلك، وجود الإله إيمان به وإنكار الإله إيمان به بشكل ما، لكن نتائج وجوده وحياته أو إنكاره وموته تظهران كمردودان في الحياة التي أختارها وفق احتياجي وما يمليه عليّ الواقع المعيش.

ربما تكون حياة الإله في البشر، يسكنهم ويسكنوه، امتداد للنوع الإنساني، التفاف حول الموجودات، خلود الإله مكتسب من استمرارية الحياة، من العمل المبدع، من التـطور الخالق. ربما حياة الإله في تعاليمه المقدسة، في أعماله الكاملة –تسمى كذلك إن ثبت موته يقينا- السمائية، في صلاحية قيمه وشرائعه وشعائره مكوني أي دين، موت الإله قد لا يعني موت الدين، انزع من الدين قدسية الوحي الرأسي، جدوى الثواب والعقاب، بعض الغيبيات والخرافات والكرامات، يبقى لك المكونات الثلاثة ويتحول لدين أرضي كالبوذية والمانوية، إذن فصمدية الدين قد تختلف عن صمدية الإله ومنه فإنكار الإله والإلحاد به قد لا يؤثر على ثبات الدين من هذا الجانب، سيصبح الدين أشبه بمجموعة من التمارين الروحية الصوفية للارتقاء بالوعي والفهم للعالم، ستنزع عنه القدسية، سيصبح إنساني أكثر..سيصبح أرضي أكثر.

موت الإله لم يؤثر على استمرارية العالم، العالم كساعة مالبرانش التي ملئت مرة واحدة ليستمر عملها إلى اللا منتهى. ظهر الإله في أمراض الناس، في مجاعات الشعوب، في الأوبئة والزلازل، في البراكين والأعاصير، في العشور والزكاة والنذور، في الأضاحي الحيوانية والبشرية وفـقا لشريعة الذبح والحد والقصاص، ولم يظهر في ابتسامة طفل يعلب مع حيوانه الأليف، نراه حسبما وأينما نريده، نحن نحتاجه ونوجده، الله موزع على البشر بالتساوي، وجودهم وجوده، ربما هو الكون ككل، وكل فعل سترى فيه الله، موت الله غيابه عن العقول، عدم الحاجة له، التخلي عن سلعه الدينية المرسلة عبر سدنة هياكل الوهم المقدس، الخير والشر، والحق والباطل، والصواب والخطأ يختلف وضعهما وفق مركزية الفاعل ونسبية نظرته، وسواء وجد الإله أو لم يوجد، أو تغلغل الدين في الحياة أو اندرس وصار نسيا منسيا يظل الإنسان محب للحياة عاملا على رقيه والنهوض بكل فعـل حر.