ذلك الساحر الكبير الذي أهوى الكتابة في شئونه التاريخ و الذي يثير لي ملاحظات كثيرة لا تعد و لا تحصى من أصدقائي الذين يطالبونني بالعصرنة و المواكبة بدلاً من التأريخ في الكتابة  لكن مع هذا أجد نفسي منجذباً لتلك الصفحات النادرة الدقيقة المنسية و اليوم ميعادنا مع صفحة أول جمهورية و أول نظام علماني في الشرق الإسلامي..جمهورية أذربيجان الشعبية الديموقراطية.

يثار الإعتقاد دوماً أن تركيا أول جمهورية و أول علمانية في الشرق الإسلامي لكن الحقيقة أن أذريبجان كانت أول تجربة حقيقة ناجحة سبقتها محاولة لم تنجح في بنغازي لتنتقل المحاولات إلى آسيا و بالتحديد أرض الأذريين أذربيجان .

بعد تتالي السلطات الإسلامية الأموية و العباسية و سيطرة تركية قبلية (ليست عثمانية) تلتها فترة حكم مغولية ثم فترة سيادة صفوية نجحت إلى حد كبير في تحويل الأغلبية الساحقة من الأذريب للمذهب الشيعي إستقرت الاوضاع طويلاً قبل ان تسقط أذربيجان عام 1813 في اليد الروسية  و تكتمل السيطرة عام 1828 تماماً في نهاية السلسلة المحتلة لأرض الأذريين و تصير مقدراتهم بيد السلطة الروسية الأورثوذكسية ..

مع قيام الثورة الشعبية الروسية في أكتوبر 1917 و تحولها الحاسم اللاغي للإمبراطورية الروسية خرجت مناطق القوقاز كاملةً من سيطرة الروس لتنشأ محاولات للإستفادة من الوضع الجديد كان أبرزها إنشاء ما عرف بإسم (جمهورية القوقاز المتحدة) التي ضم أرمينيا و جورجيا و أذربيجان في 24 من فبراير عام 1918 لكن للإختلافات الدينية و العرقية  تم الإنفصال التدريجي مع توترات سياسية بينهم خصوصاً مع اعلان الجمهورية الإتحادية الحرب على الدولة العثمانية في إطار الحرب العالمية الأولى و حدوث مذابح متبادلة بين العرقيات المختلفة داخل الإتحاد الهش و التي أدت لمقتل عشرات الآلاف من المسلمين و المسيحيين لتستقل جورجيا في 26 من مايو 1918 و تليها أذربيجان  و أرمينيا ليعلن نهائياً إنتهاء العهد الإتحادي في 28 من مايو 1918 و تظهر الى الوجود في نفس اليوم جمهورية  أذربيجان الشعبية الديموقراطية و عاصمتها مدينة غانجا .


يمكننا القول أن هذه الجمهورية المنسية في كتاباتنا عن الجمهوريات التقدمية الأولى و النظم العلمانية في البلاد الإسلامية كانت قد ضربت النموذج الأول في النجاح الكامل في التحديث كالآتي:

-1- في 5 ديسمبر 1918 إفتتاح البرلمان الأذريبي المنتخب الجديد.

-2- تأسيس وزارات حديثة على الغرار الأوروبي مكونين من تكليف المجلس المنتخب .

-3- تأسيس الجيش الأذريبي و إعداده بصورة جيدة.

-4- إعطاء الحقوق الكاملة للمرأة و مساواتها بالرجل في كافة الشئون بما فيها حق الإنتخاب في أول حالة من نوعها بالشرق الإسلامي و سبقت تركيا و امريكا و فرنسا في هذا.

-5- إنشاء منظومة تعليم مدني مستقل متطور مرتبط بالعلوم الحديثة الغربية العصرية.

-6- إنشاء النظام المالي الحديث و تنظيمه في إطار حديث معتمد على علوم النظم السياسية الإقصادية الحديثة.

-7- وضع نظم البريد و الجمارك الحديثة المرتبطة بمؤسسات الدولة العصرية .

-8- الإعتراف بالجمهورية دولياً في 12 يناير 1920 من المجلس الأعلى للحلفاء كإقرار غربي بالدولة الجديدة.


هكذا مثلت الجمهورية الجديدة أول نموذج تحديثي حقيقي بالمنطقة قبل النماذج التركية و المصرية و الإيرانية و باتت المنظومة الجديدة التعليمية و الإدارية و الصحية و السياسية و الثقافية بالكامل منتمية للمنظومة الغربية العصرية في تحول كبير من تلك النظم القديمة الخاضعة للهيمنة الروسية إلى الصورة الأذرية الخاصة الجديدة و هنا لا بد من ذكر حقيقة هامة ان هذا النموذج العلماني الفريد المنفصل عن غيره من الأنظمة و التجارب الشرقية تم تجاهلة لأسباب عدة اهمها قصر مدة حكمه حيث بدأ في 28/5/1918 و انتهى في 20/4/1920 و بالتالي كانت الفترة القصيرة سبب لقلة الكتابات عنها كذلك كان إنطوائها تحت لواء السوفييت سبب لتجاهل تاريخها التحديثي القصير و التعامل معها في إطار الصورة السوفيتية فقط و على كلٍ كانت التجربة واحدة من أهم مراحل التطوير بالشرق و التنمية المستمرة فيه و بدء مرحلة المطالبة بالاستقلال من الهيمنة الأجنبية مع العصرنة و التحديث الكاملين .


كانت الفترة التالية للتأسيس عصيبة جداً حيث نشأت ما تعرف بالحرب الأذرية الأرمنية التي كانت جزء من آخر مراحل الحرب العالمية الاولى وسط دعم عثماني للأذريين و دعم إنجليزي للأرمن إنتهي بمذبحة بشعة قام بها العثمانيين عن طريق وحدة (جيش الإسلام ) العثماني بقيادة( كيلجيل نوري) باشا ضد الأرمن في 15 سبتمبر  1918 كرد على مذبحة سابقة من الأرمن ضد الأذريين في مارس 1918 أسقطت آلاف الأذريين ليسقط  على يد العثمانيين ما لا يقل عن 15000 أرمني و تحويل باكو المتنازع عليها بين الأرمن و الأذريب لعاصمة لأذريبجان و مع سقوط العثمانيين و اعلانهم الإستسلام في الحرب العالمية الأولى في 30/10/1918 تحولت القوة العثمانية إلى قوة إنجليزية حلت محلها  بناءً على مقررات هدنة مدروس لتستمر الإضطرابات الداخلية وسط تصاعد النفوذ الشيوعي لدرجة نشوء تنظيم شيوعي مستقل بجزء من جنوب أذربيجان سقط سريعاً و إن بقى أنصاره مستعدين للعمل لصالح أي تدخل شيوعي روسي لاحقاً و تلا هذا انسحاب القوة الإنجليزية  في 19 أغسطس 1919 ليبدو الطريق مفتوح للمزيد من الإضطرابات و نفوذ روسي قادم  ،  بالفعل إندلع القتال بعنف بين أرمينيا و أذربيجان حولمنطقتي ( كاراباخ و ناجورني) المتنازع عليهما لليوم طوال 1919 و 1920 ليستمر التدهور السياسي  الداخلي وسط تصاعد شيوعي  إلى أن جد جديد كان كالشبح و ظهر مجسداً كل المخاوف.


كانت الحرب الأهلية الروسية قد إنتهت بفوز الجيش الأحمر الشيوعي على الجي الأبيض المناصر للنظام القديم المدعوم غربياً و بدأ لينين في النظر لأرض أذربيجان  معتبراً أن ثروات الطاقة في باكو لا غنى عنها لمستقبل البلاد الجديد ليتوجه الجيش الأحمر لأذربيجان في 25 إبريل و يدخل باكو في 27 إبريل 1920 مستغلاً أزمتها السياسية الكبرى بعد استقالة خامس حكوماتها ووجود الجيش الأذري في كاراباخ لمواجهة الأرمن و تم الأمر بسهولة وسط تأييد و دعم البلاشفة الأذريين المواليين للروس البلاشفة ضد القوميين الحاكمين للدولة الأذرية من تأسيسها عام 1918 الى وقتها  ،  منشئين دولة الجمهورية الأذربيجانية الإشتراكية السوفيتية في 28 إبريل 1920 واجه الروس إنتفاضة كبرى من القوات و المواطنين الأذريين في مايو 1920 ليسقط عشرات الآلاف من الشهداء قبل أن يستقر الوضع للروس و الشيوعيين الأذريين و تصبح رسمياً جمهورية سوفيتية في 13 أكتوبر 1921 و في 12 مارس 1922 صارت جزء من الإتحاد السوفيتي الجديد لتنتهي دولة الأذريين المستقلة و تظل حتى 18 اكتوبر 1991 جزء من دولة السوفييت إلى أن أعلنت الإستقلال في التاريخ السابق لتعيد تأسيس نفسها من جديد على النمط القديم الذي أدخلها التاريخ بوصفها الجمهورية الإسلامية الأولى و العلمانية الأولى في العالم الإسلامي.


يعد المسلمون المشكلين ل99% من المواطنين علمانيون بدرجة كاملة حيث 15% منهم سنة و 85% شيعة وسط 7% فقط مؤمنين بدور الدين خارج دور العبادة و 93% ضد أي ربط بين الدين و الدولة و 4% ملحدين  وسط تصاعد للمد الوهابي السلفي هناك و إدارة علمانية كاملة للدولة.

و تظل أذربيجان أولى الجمهوريات و اولى العلمانيات..و تظل الجمهورية الأولى..الجمهورية المنسية
كانت الفترة التالية للتأسيس عصيبة جداً حيث نشأت ما تعرف بالحرب الأذرية الأرمنية التي كانت جزء من آخر مراحل الحرب العالمية الولى وسط دعم عثماني للأذريب و دعم إنجليزي للأرمن إنتهي بمذبحة بشعة للعثمانيين عن طريق وحدة جيش الإسلام العثماني بقيادة( كيلجيل نوري) باشا ضد الأرمن في 15 سبتمبر 1918 ليسقط ما لا يقل عن 15000 أرمني و تحويل باكو المتنازع عليها بين الأرمن و الأذريب لعاصمة لأذريبجان ، مع سقوط العثمانيين في 30/10/1918 تحولت القوة العثمانية إلى قوة إنجليزية بناءً على مقررات هدنة مدروس لتستمر الإضطرابات الداخلية وسط تصاعد النفوذ الشيوعي لدرجة نشوء تنظيم شيوعي مستقل بجزء من جنوب أذربيجان تلاه انسحاب الإنجليز في 19 أغسطس 1919 ليبدو الطريق مفتوح للمزيد من الإضطرابات و نفوذ روسي قادم بالفعل إندلع القتال بعنف بين أرمينيا و أذربيجان حول كاراباخ و ناجورني المتنازع عليهما لليوم طوال 1919 و 1920 ليستمر التدهور الداخلي وسط تصاعد شيوعي و أزمات سياسية داخلية إلى أن جد جديد كان كالشبح و ظهر مجسداً كل المخاوف.

كانت الحرب الأهلية الروسية قد إنتهت بفوز الجيش الأحمر الشيوعي و بدأ لينين في النظر لأرض أذربيجان  معتبراً أن ثروات الطاقة في باكو لا غنى عنها ليتوجه الجيش الأحمر لأذربيجان في 25 إبريل و يدخل باكو في 27 إبريل 1920 مستغلاً أزمتها السياسية الكبرى بعد استقالة خامس حكوماتها ووجود الجيش الأذري في كاراباخ لمواجهة الأرمن و تم الأمر بسهولة وسط تأييد و دعم البلاشفة الأذريين المواليين للروس البلاشفة ضد القوميين الحاكمين للدولة الأذرية من تأسيسها عام 1918 الى وقتها ، منشئين دولة الجمهورية الأذربيجانية الإشتراكية السوفيتية في 28 إبريل 1920 واجه الروس إنتفاضة كبرى من القوات و المواطنين الأذريين في مايو 1920 ليسقط عشرات الآلاف من الشهداء قبل أن يستقر الوضع للروس و الشيوعيين الأذريين و تصبح رسمياً جمهورية سوفيتية في 13 أكتوبر 1921 و في 12 مارس 1922 صارت جزء من الإتحاد السوفيتي الجديد لتنتهي دولة الأذريين المستقلة و تظل حتى 18 اكتوبر 1991 جزء من دولة السوفييت إلى أن أعلنت الإستقلال في التاريخ السابق لتعيد تأسيس نفسها من جديد على النمط القديم الذي أدخلها التاريخ بوصفها الجمهورية الإسلامية الأولى و العلمانية الأولى في العالم الإسلامي.

يعد المسلمون المشكلين ل99% من المواطنين علمانيون بدرجة كاملة حيث 15% منهم سنة و 85% شيعة وسط 7% فقط مؤمنين بدور الدين خارج دور العبادة و 93% ضد أي ربط بين الدين و الدولة و 4% ملحدين  وسط تصاعد للمد الوهابي السلفي هناك و إدارة علمانية كاملة للدولة.

و تظل أذربيجان أولى الجمهوريات و اولى العلمانيات..و تظل الجمهورية الأولى..الجمهورية المنسية.