أعشق الهند كطبيعة جميلة وحضارة كبيرة، وأتذكر جيدا المهاتما غاندى كشخصية فريدة قادت الكفاح السلمى للهند حتى استقلالها، فنال احترام العالم كقدوة فى نيل الشعوب حريتها بدون عنف، وكيف ثابر وامتنع عن الطعام حتى أشرف على الموت كى تتوحد كل طوائف الهند تحت لواء الدولة المدنية، والتى بفضله ومن بعده أصبحت الآن من الدول السريعة النمو الاقتصادى فى العالم وتبوأت مقعدا وسط الدول الكبيرة، فنال غاندى ليس فقط احترام كل أفراد الشعب الهندى ولكنه نال حبهم لدرجة العشق لشخصه المتواضع النبيل حتى بعد وفاته بقيت روحه كرمز لوحدة الشعب الهندى.

كيف تغلبت الهند على الطائفية التى كادت أن تعصف بها، هذا موضوع يطول شرحه، ولكنى سأذكر تجربة بعينها أهديها إلى المسئولين عن التعليم الأساسى فى بلادى، هذه التجربة لمدرسة بالهند اسمها “نيو ايرا” او بالعربى “العصر الجديد” وهذه المدرسة بنيت منذ عام 1945، وعدد طلابها الآن يربو على الألف ويفدون إليها من المناطق المحيطة بها ومن أجزاء عديدة بالهند وبها طلاب من كل الجنسيات من دول العالم المختلفة وكل الأديان.

هذه المدرسة يملكها زوجان لم تشأ القدرة الإلهية أن ينجبوا أطفالا فسخرا كل وقتهما لتعليم وتربية الأطفال واعتبروا أن كل طفل أو طفلة فيها هو ابن أو ابنة لهم فى هذه المدرسة واتخذا من البداية شعارا للمدرسة “نحو عالم أفضل”.

ورغم قلة الموارد المالية لديهم فى البداية، لكن طموحهم كان بعيد النظر عالمى الفكر بأن تصير المدرسة نحو العالمية، وهذا الشعار كان لتطبيقه عمليا مع الطلاب سر نجاح هذه المدرسة التى أحدثت منظومة جميلة لتعاون الطلاب مع بعضهم البعض ومع المجتمع المحيط بها.

أعلنت المدرسة هدفها بصراحة وهى تقديم تعليم على مستوى عالمى من خلال مواد دراسية أكاديمية تتحدث دوريا، بجانب الاعتناء بالأخلاق والعيش المشترك من خلال منظومة مبادئ وقيم يسير عليها الطلاب، بحيث يتخرج منها فى النهاية طلابا إلى المجتمع المحيط لديهم روح الخدمة لكل البشرية وليس الهند فقط.

أولا كانت مهمتهم التعليمية ليس فقط نقل المهارات للطلبة للحصول على العلوم واللغات المختلفة ولكن أيضا للحصول على التعليم الوجدانى والروحانى، بنات وأولاد على السواء يتلقون تعليم و تدريب ينمى قدراتهم ومواهبهم ليجعلهم قادرين على التشاور مع عائلاتهم ومجتمعاتهم ودولهم وعالمهم على الأرض باعتبار أن الأرض وطن واحد والبشر جميعا سكانه، وأن الوحدة فى التنوع والتعدد، وأن المحبة هى سر الوجود، ونبذ جميع أنواع التعصبات بالكلية، هذه المبادئ معلقة على جدران المدرسة يقرأها التلاميذ يوميا ويستوعبونها ويطبقونها.

ثانيا بث روح السعى لتطوير شخصيات الأطفال ذاتيا علميا وأخلاقيا إلى الأفضل باعتبار أن التعليم ليس مجرد إصدار تعليمات يستقبلها الطلبة فى المدارس، ولكن هو عبارة عن بيئة كاملة يعيش فيها الإنسان بداية من العائلة والحى والمجتمع ككل.

وثالثا ولأن العائلة تلعب دورا أساسيا بصفتها أساس المجتمع فى تعليم أطفالها القيم الروحانية والأخلاقية، ويقف الوالدان مثلا أعلى لأطفالهم، ويعلّموا أطفالهم روح التشاور والتعاون واحترام جميع أفراد المجتمع، وبذلك يعد الشباب للتعايش فى مجتمع سلمى عالمى، لذا كان على المدرسة أن تحدث اتزانا مع عائلات الطلاب لكى ترسخ فى الأطفال هذه المفاهيم.

وكان على مٌدرسة كل فصل دراسى أن تقوم بزيارة عائلات الأطفال بمنازلهم وتشرح لهم رؤية المدرسة وتطلب منهم مساعدة المدرسة فى تطبيق ما يتعلمه الأطفال بها وتتكرر الزيارات باختلاف العائلات وقدرتهم على تطويع ظروفهم ليكونوا عونا لأبنائهم واعتبار هذا الطفل عضو مشارك فى هذه الأسرة وليس بطفل يلهو.

والمدرسة تقيم دوريا مسابقات رياضية للطلاب ومهرجانات يشارك أحيانا بها الأسر والأطفال لديهم أجندة مدرسية بها كل الاحتفالات التى يحتفل بها الهنود سواء أكانت أعيادا قومية وكذلك كل الأعياد الدينية لكل الطوائف بالهند، فيهنئ الأطفال بعضهم كلّ فى يوم عيده، بل ويتشاركون فى أخذ نبذة عن هذا العيد فيشب الأطفال يعرفون كل شىء عن عقائد الآخرين.

وفى يوم الأحد وهو يوم عطلة يذهب الطلاب بملابس المدرسة يزورون إحدى دور العبادة الكثيرة الموجود بالهند، وقبل الدخول يستمعون جيدا لتعليمات القائمين على المكان ثم يدخلون بكل احترام وبكل هدوء رغم اختلاف العقيدة للبعض، من هنا يتعرف الطفل الصغير على دور عبادة المختلف عنهم دينيا ويألف لهم، وبالتالى لا يستطيع أحد أن يثير الفتنة بين الطلبة.

وأخيرا لدمج الأطفال مع المجتمع الذى يعيشون فيه فتحت المدرسة باب التطوع لعمل عام يخدم المجتمع، فكل طالب يذهب يوم واحد كل شهر للمساهمة فى أحد المشاريع التنموية التى ترعاها المدرسة ومنها إنشاء وتوصيل خطوط المياه النظيفة للقرى الفقيرة والمساهمة فى تطويرها، ويقبل عليه الطلاب بكل حيوية وبهذا تكون المدرسة قد أسست فيهم روح خدمة المجتمع.

أثناء أحداث العنف الطائفى والذى حدث منذ سنوات عديدة بين المسلمين والهندوس نظم الطلاب وعائلاتهم بكل أطيافهم مسيرة رافعين مبادئ المدرسة ومنادين بالسلام لكل الهند، وفى إحصائية عن مناطق التوتر الطائفى بالهند وجدوا أن المنطقة التى بها المدرسة لم تشهد أى أعمال عنف وذلك نتيجة تعليم الـأطفال منذ الصغر وممارسة هذه المبادئ مع عائلاتهم بصورة فعلية أدت إلى حالة من التناغم والمحبة وعدم التعصب وبالتالى السلام الاجتماعى بالمنطقة.

أتمنى أن يزور وفد من وزارة التعليم المصرية هذه المدرسة ليطّلع على ما يقومون به من فاعليات ترسخ مفهوم العيش فى عالم واحد فى سلام بل وتهيئة الطالب لخدمة المجتمع أينما وجد.

هذه المدرسة بمقاطعة بنشجانى ولها موقع على الإنترنت يمكنكم زيارته، وأكرر مرة أخرى محو التعصبات الدينية يبدأ بالتعليم والتربية فى آن واحد.