الإنسان الكيتش
RANIA MUSA EL TAHIR·WEDNESDAY, JUNE 13, 2012

أّذكر يوم ذهبت لمعرضٍ تشكيلي، سألوني: لما نويت عودة بيتنا باكراً؟! وأجبتهم: لم تناديني أية لوحة!. مع أن الأعمال ليست سيئة مجملاً!. لا يشبه هذا التصرف، تصرفات متطفلي الثقافات، الذين يتكالبون على تدشينات المعارض والحفلات والندوات وغيرها من المحافل والفعاليات، التي حين يدخلونها، يطيلون النظر لدرجة مملة. يحملقون بتركيز ويجهدون أمخاخهم. إلى أين يريدون الغطس؟!. لأنهم يعرفون أنهم ملحوظون يبالغون في إبداء الإهتمام.
بعد الإنتهاء من المهمة، يجتمعون مع جماعاتهم.
المعرض بالنسبة لهم حدث اجتماعي، ومكان للإلتقاء، يضعون مكاياج ويغدقون صاحب المعرض إطراءاً.
إتقان الأدوار فن لا يحذقه إلا قليلون ومع تمرينات الإختلاط بالأوساط الأدبية والفنية، ينجح هؤلاء فيما يفشل فيه عباقرة زهدوا في الإحتفاء وابتعدوا عن الأضواء.

يقول شاعر مصري إسمه شوكت المصري عن الأصدقاء:
أصدقائي الذين لا أعرفهم
ناشطون في ال “فيسبوك”
مستيقظون في مدوناتهم الصاخبة
يختزلون العالم في دفتر ألكتروني
لا يجاوز راحة اليد
ويشبهون أولاد الذوات في أفلام الأبيض والأسود
أصدقائي الذين لا أعرفهم
يعرفون كيف يبتسمون ببراعة
لقراء الصحف والعابرين
في حفلات توقيعهم
يتابعون الدوري الإنجليزي
ويتندرون بنسيان أحدهم
اسم مخرج حفلة “بريتني سبيرز” الأخيرة
لكل واحد منهم ثلاث بطاقات sim
واحدة للعمل وأخرى للعائلة
وثالثة ليست لي

ويقول عن أصدقائه الذين يعرفهم
يعرفون عن الشعر ما ليس يعرفه سواهم
وينثرون رماده ما لم يحترق به سواي

ويصل إلى
أصدقائي الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم
يجمعهم مكان وحيد
يتشابهون فيه حتى التناسخ
ووحدي أستطيع فض اشتباكهم داخلي
لكنني لا أريد.

(1)
كتب ميلان كونديرا: عن الكيتش: (هو شيء آخر مختلف عن مجرد عمل فني ردئ. هناك الموقف الكيتش والسلوك الكيتش. إن حاجة الإنسان الكيتش إلى الكيتش، تعني حاجته أن يرى نفسه في مرآة الكذب المجملة, وأن يتعرف في هذه المرآة على نفسه برضا مؤثر).

كلمة كيتش تعادل كيشة بالعامية السودانية، عامية شعب تأثر بالمستعمر في أخذ بعض الكلمات وحتى الشتائم!. وكذلك تأثر به المستعمر في أخذ بعض الكلمات. وهذا يورد في مقال منفصل.

كذلك كتب كونديرا (هو موقف ذاك الذي يود أن يجلب الأنظار وينال إعجاب أكبر عدد من الناس وبأي ثمن. إنه ترجمة بلاهة الأفكار الجاهزة إلى لغة الجمال والوجدان).

يقول المفكر عبد السلام بنعبد العالي:من يتكلم عن الموسيقى لا بد أن يستحضر الصمت كمكوّن أساسي لكل معزوفة، لا بد أن يستبعد من أجل ذلك كل ضجيج وصخب، فلا يقرن الفكر بالضرورة بالمواسم والمهرجانات، ولا بعقد الندوات وتنظيم المؤتمرات، ولا برفع الشعارات وإصدار البيانات، ولا بتسليم الجوائز وإقامة الإحتفاءات، ولا بالتسابق نحو مكبرات الإذاعات ومنابر التليفزيونات، ولا بالتناحر من أجل أخذ الكلمة والإستحواذ على المعاني والإستئثار بحق التأويل وادعاء).

” امتلاك” الحقيقة. وكل ما من شأنه أن يحول دون الإصغاء إلى نبضات الحياة، وذبذبة الأشياء و” حفيف اللغة” بحسب وصف رولان بارت، فيه اشارة للكيتش ونقيضه.

(إنها ارتعاشة المعنى التي أسأل عندما أصغي لحفيف اللغة، اللغة التي هي طبيعتي أنا إنسان الحداثة)

(2)

كتابتي الآن جاءت بناءاً على رغبة أحد الفنانين التشكيليين، بعد أن حدثناه عن مقالاته وعن رسالة أحد الفنانين الكبار إليه بعدم اليأس حينما لا يجد استجابة من المتلقي في تلك المنابر، فهذا قد يكون من دلائل إمتياز ما يكتب مما يجعل القارئ في حيرة في كيفية الإضافة أو تناسب الإختيار الفني والمجهود المبذول في البحث والمزاج العام في تلك المنابر!. حينها الكلام أزلف إلى مقارنة بين المثقفين والمثقفاتيين.
(3)

برز مصطلح “المثقف” لأول مرّة في نهايات القرن التاسع عشر في مقال لإيميل زولا بصحيفة L’Aurore

ثم تذبذت هوية المصطلح. شخصياً أعتقد أننا بحاجة لترجمات أكثر عملية في قواميسنا إلى العربية. العالم يستحدث كثير من الكلمات ويرمي غيرها في حركة سريعة والترجمة المتاحة لنا لمجهودات قديمة نوعا ما. مثل كلمة “green” الإنجليزية والتي تعني الإنسان الصديق للبيئة في زمن الإحتباس الحراري والتلوث البيئي هذا. كذلك الحال مع كلمة cultured. هي مهذّب تارّة ومثقف تارة أخرى!.

نظن أن المثقف هو من يملأ رأسه بمعلومات دوماً ولكن يصدف أن نجد بروفيسور في إحدى الجامعات العريقة لا ينطبق عليه الوصف بينما بائعة حليب على قارعة الطريق تستوفيه بطريقة تعاطيها مع الحياة والناس وسلوكها الراقي المعافى. ويبدو لي من مثل هذا الشكل إلتبس علينا التهذيب وغزارة المعرفة في هذا الوصف الذي نترجمه من عدة لغات مردها فيه اللاتينية.

كما في رأيي البسيط، ليس كل قارئ مثقف ولا حتى كل قارئ قارئ!. كذلك للقراءة فضيلة علاجية، قد تكون دواءاً للتعامي عن المحيط والتصرف بتغافل مقصود.

(4)

مع ذكر التقدمية وإختلافها عن الإنحلال الرجعي من الواقع المحيط بشكل لا يستند لأي حس فني رائد ونظرتي للتقدمية حسب دراسة الواقع بالنسبة لمجتمعاتنا وثقافاتنا بتنوعها، أتساءل إن كنت أعرف كيف بإمكان الإنسان أن يعيش بلا رفض أو موقف بإمعية سمجة!؟ مع كل الهوائيين، وبلا تمييز أو تحفظ.

ما هذه الذاكرة التي قد تكون بلا مرجعيات تسند المضامين والأفكار؟
وماذا يفعل الوعي في حالات الببغائية؟ هؤلاء أليست لديهم تساؤلات محيطة بالحياة الشخصية أو الإجتماعية أو السياسية؟.

المبرمجون ليست لهم قوانين، كما نعتقد. فالقوانين ضرورة نهضة وتطور تسنها الحضارات والحياة العكسية لحياة العشوائية والإنسان البدائي القديم.

التعليب والإنغلاق في أتموسفير ضيّق لابد أن يضع خيال المعلَّب في هذا العالم الفقير في أدوات التقدم، داخل تلك الكينونة الهزيلة والبؤر الحرجة الناتجة عن غفلة وضيق أفق. ووحده الجاهل لا يتساءل أو يتورع عن التشدق بما يظنه مميز ولا يخشى ردود الأفعال.

وبالنفاق وحده نمد أجل السطحية على حساب العمق وتتشيأ الأشباح.
من الذي ينسخ الإمعات وما الذي يلتبس علينا؟!.
أتساءل، ما دور العجز التربوي من كبت أو ترهل أو إساءة إستغلال مساحات الحرية في واقع كهذا؟!

لست ديكارتية جيدة ولكني أرنو إلى المسألة الأكثر تعقيداً وتركيباً بشيء من التأمل، عن بُعد أكثر اتساعاً، ولا أدعي إمتلاكي الحلول. لكنه وبطبيعة الحال، أي علاج يبدأ من ملاحظة العلّة.

لفيتور هوجو مقال على ‘لُو موند’ بعنوان:
feu contre la misere
*يمكنكم بحثه على “جوجل”

يقول فيه: (كيف نريد أن نبرأ من الشر إذا لم نحس الجروح التي خلفها فينا؟). يعيدني تساؤل الأديب، إلى كيتش ميلان كونديرا بعد إحساسي إن أحد منتجات “الكيتش” من مخلفات التمكين المؤدلج لسياسات حكم رجعي خانق.

Falling Man / Alberto Giacometti

________________

الإستعارات وإن كثرت تعبّر عن آرائي كذلك!.

(الآراء والأفكار توجد لدى الكثير من البشر ويختلفون في طرق ترجمتها وتوصيلها أو الإحتفاظ بها وفي زمانياتها وفي محالفة الحظ لتنشر تحت إضاءات).

وأستشهد هنا بمقولة قرأتها في جريدة أو مجلة لا أذكر، للكاتب المخضرم إزرا باوندكلي حين ورد: “أتفوّه بأقوال لا يجرؤ على التفوّه بها إلا قلة ضئيلة من الناس لأنهم لو فعلوا وقالوها, لهددوا مصادر دخلهم أو شهرتهم.قد أكون-ككاتب حر- غبياً وأبلهاً إذا استعملت الحرية التي أتمتع بها, ولكني سأكون وغداً ونذلاً إن لم أستعملها”

(5)

أرى أن لا شيء بلا قواعد. إشارات المرور .. مواعيد العمل .. وحتى الديموقراطية!.
لأنها نظام يقوم في أساسه على التنازع. فهي تفسح المجال للناس أن ينضموا للأحزاب المتنازعة ولكنها تضع لهم في عين الوقت قواعد واضحة يتنازعون عليها تبعا لها ثم تنتظر لترى.
لا تؤمن بالحجج المنطقية لأحد الأحزاب بل بكثرة الأصوات ولا أهمية للأدلة العقلية التي يحتج بها الخصوم. لقد ضربت الديموقراطية المنطق القديم ضربة لا قيام له بعدها. فليس في نظرها حق مطلق وباطل مطلق.

* أنظروا (وعّاظ السلاطين) د. علي الوردي

كذلك لعلي الوردي في كتابه مهزلة العقل البشري، وجهة نظرٍ، قال فيها: (كان القدماء يعتقدون بأن الأكثرية ليست دليلاً على الصواب. وقد دأب بعض الفلاسفة في الماضي إلى إحتقار العامة وإستهجان رأيهم في الأمور. فهم يعتبرون العامة كالأطفال أولي عقول سخيفة ومريضة.
وقد دعى ابن رشد إخوانه إلى اعتزال الناس وتكوين جماعة خاصة بهم بعيدة عن سخافة الغوغاء ودناءاتهم. ويظن ابن رشد أن الفلاسفة حين يكونون مجتمعا خاصا بهم يستطيعون به أن يسعدوا وأن يتعاونوا تعاونا تاماً في سبيل الفكر الخالص, فترقى البشرية بهم رقيا هائلاً على زعمه.
نسي ابن رشد أن الفلاسفة لا يختلفون عن غيرهم من الناس في طبيعتهم البشرية فهم لو اجتمعوا لتنازعوا وتناحروا ولعن بعضهم بعضاً كما يفعل العوام والسوقة تماماً.
يعتقد ابن رشد أن الفلاسفة إذا إختلفوا في شيء ردوه حالا إلى دليل العقل والحجة والمنطق فتفاهموا وخضعوا للرأي الذي يرونه معقولاً. إنهم على زعم ابن رشد, يستنيرون بنور العقل والمنطق وليس هناك سخافة أبشع من التي يقول بها ابن رشد وأمثاله من المفكرين الطوبائيين).

(6)

أجدني مقدِّرة بمدرسة كارل ماركس الترحيب بالإجتهادات ومحاولات الآخرين. ماركس كان مستبصراً وبطبيعة الحال منتبه جدا لدور التعددية. والشيء الذي يحيرني أن العداءات الشخصية يخلقها الشخص المميز حتى لو لم يك ناجحاً كفاية، من خلال العداء لمزاياه كذلك. إلا أنه -ماركس- كان له فقط أعداء فكر وتنافس علمي وفلسفي ولم يكن له عدو شخصي كما ذكر أنجلز في خطابه على قبر كارل ماركس:
(ولعله من المهم القول انه برغم خصوم ماركس الكثيرين، الا انه لم يكن له عدو شخصي واحد. وسيخلد اسمه الى الابد، وكذلك اعماله)
وهذا أفسره بقاعدة ‘الفعل و رد الفعل’.

(7)

إستند الطغاة المفيقهون في الأزمنة القديمة على منطق الحق المطلق ومتفيقهينا “الطغاة أيضاً” في هذا الزمان يشبهون القدامي لأنهم ليسوا منفصلين عن تأخر بلدنا سياسياً وإقتصادياً.

وحيث لا يمكننا نكران إرتباط البنى التحتية بالفوقية، لا يمكننا نكران عقدة الإنسان المقهور.

(8)

وبما أن العلماء اليوم يعتبرون التفكير كالإحساس محدود. فأنت لا تستطيع أن تعقل شيئاً إلا إذا كان ذلك الشيء داخل نطاق المفاهيم والمقاييس الفكرية التي تعوّدت عليها في محيطك الإجتماعي. والإنسان بهذا الإعتبار كالحصان الذي يجر العربات وقد وضع على عينيه إطار، فهو لا يرى من الأشياء إلا التي تقع في مجال إطاره.

يحضرني رأي، ت.س.إليوت شاعر ومسرحي فنان حاز نوبل ولكني لست إمعة دوماً وقد أكون مخطئة، أختلف معه في جدليته وليس تماماً، حين قال: 《خاتمة سعينا أن نبلغ حيث بدأنا ونعرف المكان للمرة الأولى!》.
أي نعم، نزداد علماً بجهلنا كما قالها الشافعي. وقالها الفيتوري: الغافل من ظن الأشياء هي الأشياء.

الوعي وإتساع الأفق وبعد النظر وكل حصائل التجربة تجعلنا نرى شيئاً مختلفاً تماماً.بعيداً عن تجريد وبرؤية لا تخلو من فلسفة، أقول أن البعض يموت وهو غارق في دوغمائيته. وأظنها خاتمة سعي الإنسان الصادق!!.

أغلب الناس مجبولين أن يروا الحقيقة من خلال مصلحتهم ولن يعترفوا بمخالِفتها ولو كانت كالشمس في رابعة النهار.

(9)

عطفاً على فلسفة هايدغر، (الالتباس
(equivoque)، فالإلتباس يحدث عند الإنسان عندما يصل إلى مرحلة من الإبتذال، حتى يصعب عليه التمييز بين الحياة الحقة الأصيلة والحياة المبتذلة.

إن الوجود الذي أطلق عليه هايدغر إسم (الوجود المبتذل) هو وجود الناس الذين لا يريدون العيش مع القلق، فيتملصون بكل وسيلة للإبتعاد عنه وعن قصده، فلا يهمهم تأكيد الذات أو تأكيد تفردهم أو معرفة ذواتهم. فهُم لا يتحملون متاهات القلق، لذا فإنهم يسعون إلى التخلص منه بالانغماس في الحياة اليومية الروتينية رافضين الخروج من عبوديتهم لها، مبتعدين عن أية محاولة تقودهم إلى البحث عن معنى الوجود أو البحث عن ماهيتهم الحقيقية.
فالسقوط عنده هو الهروب من القلق والعزل.

وطالما الأمر هروباً، فإن اللا حقيقة، إذن أولية وكل ما في الوجود يخضع للزيف والخداع “قبل أن يصير حقيقة”، أتوقع وجود أمانٍ خيّرة لدى المبتذلين هؤلاء، تضاء واعدة بالعمق والتصالح مع الذات والقوة والإستقلالية. إذ لا مفر من عملية المونتاج هذه.

__________________
وعندما يخرج صوتي
عالياً بذيئاً
من ساعة لساعة
طوال كل يوم
طوال كل ليلة
فربما يسمعني المسيح
وربما يشتم في دخيلتي
معالم الفضيلة

مايكوفسكي

=======================

** صورة الكاريكاتير للفنان وليد طاهر

*** أظنني مرحلياً مبتذلة وفقاً لتعريف هايدغر ولكنني لست نموذجاً للكيتش وأتوخى أن تعبث معي الحياة فأستسلم لأي نوع تكيتش.