- عاد بالمساء كعادته، ممتلئا بهموم مقهى الحي..ظهره منحني وكأنه مثقل بكيس الحكايا ..عيناه متعبتان وكأنهما كانتا تتجولان بعقد حياة أصدقائه المتقاعدين … “علي”الذي تخلت عنه زوجته ،وغادرته إلى بيت والديها ..وهو يبحث عن طريقة لاسترجاعها..”محمد” ..صديقه “الغول” ذاك الذي كان يضرب له ألف حساب بالبيت والشارع، فقد هيبته مذ اعتكف مقهى “المتقاعدين” وانضم للقائمة قطا لا يجيد “المواء” حتى ..و…”سعيد” ..و…. لم تفلح رقعة الشطرنج باحتواء حياة “مصطفى” اليومية الرمادية،بعد التقاعد ولا حتى كأس الشاي “المنعنع” “المكشكش” مثل زبد البحر، وكأنه يشاركه غليان أفكاره وهمومه ..بصمت ..! عاد كما ذهب..مثقل الحياة منهكها ، يسرد في طريقه حكايته على الشارع “المحفر” يقتسم معه المعاناة…كأحمق يتأمله المارة بأسف ،ممتعضين من غدر الزمن ! غرفة تحتويه مساء ،يقتسمها وزوجة لا تكف عن الصراخ وأدواتها المطبخية، تستقبله ب”مغرفة” تحية عسكرية مسائية وعبارتها الشهيرة : -وغي بقى علاش جاي..ولا بات نت حسن !.. وتضيف بنبرة لا تقل عن الاولى قساوة : -جبتي شي حاجة ولا جاي طويل !؟ را مبقى عندنا والو ! يرفع “مصطفى” رأسه بخيبة رجل جرد من كرامته يوم تقاعده ،فيجيبها بدمعة متحجرة،تعاند الوقوع حفاظا على ماتبقى لديه من بقايا إنسان ..! تختفي الزوجة داخل المطبخ وهي تواصل صراخها، ويعلو صوت تلفاز بزاوية الغرفة الوحيدة.. يتشاجر على آلة تحكمه، ثلاثة أطفال يعلو صراخهم..يعلو…..ويعلو..ويزداد الألم برأس الأب مصطفى وسط الضجيج ..يستند على وسادة مهترئة بركن مقابل،يتأمل الأطفال، و”المغرفة” بيد زوجته، يتأمل الحساء الذي هرى معدته، ..يمد رجله فتصطدم بالمائدة …. يشعر برغبة كبيرة بالبكاء.لكن أين والمنزل “غرفة” يجتمع فيها كل أفراد أسرته. .أبالمرحاض يبكي أم بالشارع ! كل ما يحتاجه مكان فارغ يقلب فيه أمعاء معاناته،فيسترخي بعد التقيؤ … استدار نحو الجدار،وامتدت يده بارتجاف،تخفي دمعة متسللة ،طبعت على خده جمرة أحرقت قلبه الذي لم يجد بعد مكانا شاغرا ..يمد بقاياه عليه !

رشيدة محداد