تنويه : هذا المقال/البحث يعتمد علي فكرة القولبة (stereotype) ، وهي فكرة بسيطة قد لايصح دائماً تطبيقها بالقوة علي الإنسان ذو الطبيعة المعقدة والمتغيرة بالطبيعة.


وذلك لايمنع أن تتأمل معنا تلك الخاصية المدهشة التي يتمتع بها الحيوان ويبتكر فيها الانسان فيضفي عليها من فلسفته وتجاربه مايجعل معرفتها ضرورة والجهل بها خطيئة كما سنرى …




فى المنافسة والمتنافسين .. أو نظرية التنافس 



هَيهاتَ أَن يَقوى عَلى مَنافِسٍ         في حُبِّ ذاتِكَ أَو يَفوزَ مُعاكِسُ

لا وَالَّذي لَكَ في جَمالِكَ حارِسٌ         كَم جالَ في مَيدانِ حُبِّكَ فارِسُ

بِالسَبقِ فيكَ إِلى رِضاكَ سَبَقتَهُ

عبد اللطيف الصيرفي 1841 – 1904

ناظم من الاسكندرية



التنافس حقيقة يجب الاعتراف بها. يمكننا أن نعتبر التنافس مبرر للتطور وفي الحياة نجد الإنسان أبداً لا يتوقف عن تطوير ذاته أو تحطيم غيره إذا توجب. لايعني ذلك أن الإنسان لابد أن يأذي غيره في غمار تنافسه ولكن النظرة التحليلية للواقع تؤكد وجود تلك الرغبة في الإنسان. وأعلم بأن للتنافس صور وحالات , وأضعف صور التنافس هو اللهو وأقواها القتل وسفك الدماء , ومابينهما التسابق على الخيرات. من المهم أيضاً أن نأخذ في الاعتبار قصر الحياة وبالتالي اعتماد الإنسان علي استغلال الوقت والأهم استغلاله أسرع من الآخرين وهذا أوجب أن ينشأ مبدأ التنافس. وللتنافس تفسيرات وتحليلات عديدة وفى التراث الاسلامي نجد هناك تمييز بين التنافس والحسد فمبادئ الإسلام تنهي عن الإيذاء الحسي أو النفسى بينما تشجع علي التنافس فى الخيرات، بعض علماء الأنثربولجي يقول بعدم وجود تنافس بالضرورة في جميع المجتمعات الإنسانية، بينما قد نفسر نظريات داروين في كتابه أصل الانواع علي نظرية المنافسة التي تؤكد أن البقاء كان دائما للأصلح والتنافس كان حقيقة لا مفر منها بل ضرورة من أجل البقاء. ونحن هنا لا نتساءل هل يولد الإنسان وبداخله رغبة في التنافس أم لا. بل نحن بصدد تحليل أعمق وأدق لاختيار الإنسان لأسلوب حياته. الاختيار الذي ليس بالضرورة ناتج عن اختيار واعي بل قد يكون غالبا غير واعي أو كما يسميه علماء النفس subconscious

في الحالتين رأينا أن نقولب الاتجاهات النفسية والاختيارات الفلسفية التي يختارها المنافس – أو لا يختارها – ولاحظنا أن اختيارات الفرد دائما تنحصر إما في المنافس الشريف، المنافس للمنافسة، المنافس اللامبالي أوالمنافس اللامبالي الناضج.

المنافس الشريف  (م.ش.)

 

وَعِندي مِنَ التَسليمِ لِلَّهِ وَالرِضى        إِذا عَرَضَ المَكروهُ لي ما يُعَزّينـي

وَحَسبي فَإِنّي لا أُريدُ لِصاحـِبٍ         قَبيحاً وَلا أُعنى بِما لَيسَ يَعنينــي

وَإِنّي أَرى أَن لا أُنافِسَ ظالِمـاً         وَأُرضي بِكُلِّ الحَقِّ مَن لَيسَ يُرضيني

أبو العتاهية



المنافس الشريف هو الرجل الطيب بصورته التقليدية (Stereotype) بكل براءته وسذاجته. المنافس الشريف يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ويقبل الهزيمة بصدر رحب. أن تكون منافساً شريفاً معناه أن ترضي بهزيمتك إذا رأيت منافسك يستحق أن يفوز. بل أن تنصره إذا فزت أنت على غير وجه حق. المتنافس الشريف يفكر في الآخرين أكثر من نفسه وليس يعني هذا بالضرورة أنه يستمتع بتعذيب نفسه، ولكنه لا ينفي أيضا وجود العديد بعض الجوانب الماسوشية عند الذين يفضلوا اختيار التنافس الشريف. المتنافس الشريف عملة نادرة وفى ندرتها تكمن أزمتها. أغلب الناس تستغل المنافس الشريف وهو بذلك يواجه الكثير من الإحباط الناتج عن صدقه. مشكلة م.ش. أن غالبية الناس تحبه ولاتحترمه. وهو يواجه العديد من النقد الذاتي ولكن عند فوزه لايجد مانع من التفاخر وقد يجد رضاء داخلي غير محدود. نتيجة الألم الذى يتعرض له م.ش. قد تؤدى الى تغير قوى فى الشخصية وتغيير فى الفلسفة، يتبعها تغيير فى النفس لينحدر إلى إحدى الخانات الثلاثة الآتى ذكرها.

المنافس للمنافسة (م.م.)

إذا لم أنافس في هواك ولم أغر        عليك ففيمن ليت شعري أنافس

فلا تحتقر نفسي وأنت حبيبها         فكل امرئٍ يصبو إلى من يجانس

الظاهري

 

وهي فلسفة حب المنافسة لذاتها وللذتها. ففي تلك الحالة يشعر الفرد بالرضا فقط عندما يشعر بحالة المنافسة وعنما يفوز فالمنافس للمنافسة لا يرضي إلا بالفوز ويكرر العملية حتي يصل الي مايريد. والفوز عند المنافس للمنافسة لايعني بالضرورة أن ينتصر فمن الممكن أن يكون النصر من نصيب الخصم ولكن المنافس في تلك الحالة يكون قد فاز بمتعة الصراع والمشاكسة. نجد الكثير من الأطفال يمتلكون تلك الطبيعة؛ فالرغبة في المنافسة والصراع موروثة فيهم. وقد تتبني بعض النساء هذه الفلسفة. وتكون تلك الطبيعة أو الفلسفة ليست بالضرورة حباً في الصراع بذاته، بل قد تأتى كرد فعل للملل. المنافس للمنافسة شخصية تراجيدية وتتكرر في الأدب مثل شخصية حميدة فى رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ أو سالومى أوسكار وايلد.

نلاحظ في الأدب الشعبي أهمية تنافس الرجال من أجل الحصول علي رضا المرأة أو رضا المسؤول عنها. فالتيمة الشهيرة تقول بأن الأقدر علي خوض الصراع هو من يفوز بالمرأة في النهاية. ففي قصة عنتر بن شداد نري صراعه واقتتاله من أجل الفوز برضا حبيبته وفي القصص والملاحم الشعبية الشاطر حسن وغيرها نجد دائما أهمية الصراع الذي يثير الانتباه. ومن ذلك لا نستبعد ترسب تلك القيمة في الوعي الجمعي لدي المرأة كونها جديرة بأن يُنافس عليها بحيث يتحول عدم الصراع إلى خطأ لابد من تصحيحه. فى تلك الحالة المرأة إن لم تجد من ينافس عليها قد تلجأ لاحداث هذا التنافس والصراع بنفسها فتكون في تلك الحالة هي المنافس وهي الجائزة، ولن ترضي عن الرجل حتي ينتصر عليها.

هذا بالنسبة لرغبة المرأة في التنافس ومحبتها له. وقد نجد أيضا من لديه رغبة في التنافس لمحبته في إيجاد علاقة هي أقرب للكراهية التي لا يمكن الاستغناء عنها بينه وبين منافسه. ولانتعجب من انتشار تلك الثقافة التي للوهلة الأولي قد لا نفهمها بالتفكير المنطقي فهي كما يطلقون عليها في اللغة الانجليزية (Counterintuituve). فنجدها في أفلام الأطفال متمثلة في الشخص الشرير الذي لا يرضي القضاء علي خصمه لأنه بذلك سيفقد متعة أكبر وهي متعة تكرار منافسته. فالقط لايأكل الفأر كما يقولون ولكنه يتسلي بمشاكسته واللعب معه وبه. وقد يذهب المنافس بأبعد من ذلك الي تقدير منافسه واحترامه بل وأخذ فترات راحة يستطيع فيها أن يستعيد قواه او حتي يناقش قضاياه بكل منطق مع غريمه! فهي حالة حب أبعد ما تكون من الحب و حالة كره أدني ماتكون من البغض. وقد نفسر تلك الطبيعة أو الفلسفة بأن المنافس قد بني جزءاً كبيراً من شخصيته علي حقيقة وجود صراع بينه وبين منافسه. فعندما يكره م.م شخصاً فهو يقضي ليله ونهاره يتصور هذا الصراع ويهيىء نفسه له وبتكرار ذلك يحدث ما يسميه علماء النفس (Triggering) وبذلك ينوم الانسان نفسه مغناطيسياً لدرجة أنه لا يتخيل حياته بدون وجود منافسه ويصبح اختفاء هذا المنافس لأي سبب أشبه ما يكون بانفصال حبيبين او مايسميه المتحدثين بالإنجليزية (Heart break!) فبموت فكرة المنافس يموت جوهر الشخص. ونختتم بأن حالات المنافس للمنافسة كثيرة وغريبة فعلاً للوهلة الأولي ومع ذلك فهي تحمل قدر من المتعة لصاحبها قد يساوي نفس القدر الذي قد يتراءي للناس من عدم جدوتها وقلة نفعها. وهى تتساوى فى ذلك مع الشهوات الحيوانية كالزعامة والانتقام وهى فى ذلك كمثل النار التى لايمكن إطفاءها , تحرق صاحبها ومن يقترب منه

المنافس اللامبالي (م.ل)

وهو الذي يري أن لا شىء جدير بالمنافسة عليه. ولذلك نجد المنافس اللامبالي يستبعد فكرة قيام منافسة من الأساس. فهو كالمنافس الشريف سماحة وإن كان لايفعلها عن قصد. وذلك أن المنافس اللامبالي لايجد مشكلة في أن يتفوق أحد عليه أو يتفوق هو علي أحد ففي الحالتين يهتم فقط بإنجازه هو فقط. المنافس اللامبالي قد يكون متوحد وهو في ذلك لاينظر إلا إلي أمامه إذا قارناه بالمنافس للمنافسة الذي يلاحظ كل التفاصيل ويرى بمنظور عرضي. قد يتبني الإنسان هذه الفلسفة إذا كان مشغول البال أو مهتم بأشياء كثيرة فهي تشغل باله وقد لا يلاحظ وجود أي نوع من المنافسة المفتعلة عن قصد فقط لأنه مشغول بأشياء أخري هي أهم بالنسبة له. وقد يجاري منافسه في اللعبة التي يمارسها فهو في ذلك مهتم أن يتركه في حاله حتي يتفرغ لأشياء أخري تهمه. مشكلة المنافس اللامبالي أن الناس لايفهموه. هو دائما مكروه وإذا قام أحد المنافسين للمنافسة بتحديه يكرهه وقد يحتقره لعدم استطاعته منافسته نتيجة عدم إدراكه لوجود منافسة قائمة ولذلك سرعان ما يمله منافسه. لايستطيع المنافس اللامبالي فهم سبب إساءة أغلب الناس له ويجد في ذلك الكثير من المعاناة التي قد يألفها بمرور الزمن ويعتبر معاملة الناس له نتيجة لسبب مركب في نفسه وإن كان في ذلك لم يبتعد كثيراً عن الحقيقة. وقد يستمر في الانحدار فيصل الي أسفل الدرجات من إذلال نفسه من أجل أن يتفرغ تماما للأشياء الأخرى التي تهمه في حياته وتشكل بالنسبة له كل شيء. ليس معنى ذلك أن كل المنافسين اللامبالين عديمي الكرامة أو ماسوشيين ولكنه لعدم فهمه قد ينحدر إلي عقدة مركبة تؤدي الي نهاية تراجيدية لا دخل له فيها إن كان قد أحدثها نتيجة عدم فهمه أو إدراكه لمبدأ المنافسة. وقد يصبح الأمر مُهلك إذا كان منافسه من النوع الثاني الذي يعشق المنافسة كذاته ويقدسها كحياته.. فالمنافس للمنافسة يحتقر الغير قادر علي المنافسة، وليس هناك أقل قدرة على المنافسة من الذي لا يفهمها أصلاً. بل وقد يتساءل منافسه لماذا لا يقبل أن ينافسني ويزيد هذا من كراهيته له لاحتقاره لطبيعته الخمولة الغير معدة للتنافس؛ فالمنافس اللامبالي بالنسبة له هو خطأ لابد من تصحيحه. وكم يتمني المنافس للمنافس أن يغير المنافس اللامبالي، كم يتمني أن يدافع عن نفسه ويقوم ببعض المنافسة! فهما طبيعتان مختلفتان تخالف يولد التنافر كإتحاد الماء بالنار.

المنافس اللامبالي الناضج (م.ل.ن)

سمعت منه أنه لايؤمن بالحرب ولا يعترف بعظمة قيصر وأعوانه , ولايرى فى النصر مجدا ولا فخرا , وكأنه نسى أن تلك طبيعة البشر منذ خلق الناس , وكأنه لا يعلم أن الناس يحب أن يغلب أقواهم أضعفهم , وأن ذلك أمر لابد منه . وسمعته يقول إن الذين أمر بمحاربتهم ليسوا أعداء له , فهو لا يعرفهم ولم يؤذوه فى شئ , وأن القتل لايسوغه الا الدفاع المباشر عن النفس , وإن مايراه القواد سببا يجعل قتل الجندى يقتل غيره ويقتله غيره لايعد مسوغاً لجريمة قتل الأبرياء.


محمد كامل حسين – قرية ظالمة

فَلَو عَلِمَ العِلمَ المُنافِسُ في الَّذي        تَرَكتُم مِنَ الدُنيا لَهُ لَم يُنافَسِ

ابو العتاهيه



هي حالة متقدمة من المنافس اللامبالي وهو في ذلك يختلف فقط في حقيقة معرفته وإدراكه لوجود منافسة قائمة. المنافس اللامبالي الناضج موهوب ويستطيع بسهولة قراءة الناس ومعرفة نواياهم ومع ذلك فهو لا يرغب ولا يهتم بالمنافسة. قد يرجع ذلك إلي عدة أسباب منها شعوره بعدم جدوي المنافسة نتيجة لضعف الخصم، فهو في ذلك قد يعتقد إنه بمنافسته لخصم أضعف تقليل من قيمته، قد يحدث العكس فيكون المنافس أقوي من اللازم، وهذه هي المرتبة الأدني في الـ م.ل.ن.

أحد الأسباب الأخري قد تكون انشغال الفرد بشئ معين يرغب في تحقيقه أو نتيجة لقلة الوقت المتاح لديه، وهو في تلك الحالة يكون وصل درجة عالية من التوحد والتفاهم مع النفس تغنيه عن أي رغبة في المنافسة. كما يحدث مع الإنسان الذي يفقد الرغبة في الجنس أو الطعام أو النوم لسبب نفسي أو روحي أو عضوي. وجدير بالاشارة هنا أن م.ل.ن يدرك تماماً وجود منافسة لكنه لايتدخل وهذا ما يميزه عن الـ م.ل أو المنافس اللامبالي. طريقتي المفضلة للتعبير عن سلوك الـ م.ل.ن هو صوت داخلي يقول :

“لا أرغب في اللعب”!!

تجدر الاشارة بأن هناك مجتمعات كاملة تأخذ بمبدأ الـ م.ل.ن مثل مجتمع الزوني (zuni) بولاية أريزونا الذين يفضل التعاون على المنافسة ويمنع أفراده من إتخاذ هذا السلوك. فاذا كنت عضو في تلك الجماعة واشتركت في تلك المسابقة للجري التي يقيمونها فلا تتوقع أي مدح أو تشجيع إذا كنت الفائز، ومن الأفضل ألا تحاول الفوز مرة أخري لأنك في تلك الحالة ستثير غضب القبيلة وقد يكون مصيرك الطرد. هو مجتمع يمكننا أن نفهم في النهاية أنه يقدر علي المشاركة لكنه يحث علي التواضع أكثر من عدم مبالاته بالمنافسة، بل هو عدو لها.

إن المنافسة والصراع الإنسانى شر لا مفر منه: ” كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ” سورة البقرة :216 ، وقد يكون ضرورة عند البشر كالاحتياجات الطبيعية ومن هنا جاء التعبير القرآنى الرقيق: “وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ” سورة البقرة : 251 , وقد يرجع ذلك في النهاية إلي قلة الوقت والرغبة في الوصول إلي أكبر إنجاز في أقل وقت ممكن إذا أخذنا في الاعتبار كثرة المتنافسين أساسا. في كتابه “فن الحرب” سن تسو يأكد علي أهمية أن تقضي تماما علي منافسك لحد إبادة كل مناصريه حتي لا تقوم له قائمة. ولكن للحرب قواعد أخري تتعدي حدود المنافسة إلي حدود الوحشية والغباوة القصوي التي لا حدود لها، والأمر القرآنى واضح مع ذلك

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” سورة البقرة:190″

والضمير الإنسانى هنا هو الفيصل , وهو المرشد والمعين.



.Ethics come first

 

سامح إبراهيم

[email protected]


الآن ….

أیّ المنافسين أنت؟