في خضم احتفالات الدولة المصرية بثورة23 يوليو وهو اليوم الذي يوافق ذكري قيام الجيش المصري بالاستيلاء علي السلطة وماترتب علي ذلك من الغاء النظام الملكي والحياة البرلمانية وتأسيس الجمهورية ,يتضح لنا كيف قامت الدولة المصرية ومؤسساتها الثقافية المختلفة من تهميش للثورة الشعبية الأهم في التاريخ المصري ثورة 1919 وذلك لمصلحة يوليو ورموزها .البعض يعتبر يوليو انقلابا علي ثورة 1919 وموجاتها الممتدة حتي 1951 .
هذا الحديث ليس اجترارا لنوستالجيا اوبكاءأ علي أطلال بل هو اعادة ترتيب لأوراقنا التاريخية بعيدا عن سلطة دولة يوليو كما أنه ليس حديثا عن زمن نقي ناصع البياض او ترويجا لمقولات طبقية عن زمن الباشوات في مقابل زمن الرعاع كما يتردد اليوم بل حديث عن حركة سياسية نشطة ونضال وطني طوال نصف قرن اهالت دولة يوليو عليه التراب

ما قبل الطوفان

عام 1882 دخلت مصر بيت الطاعة الانجليزي وانطفأت جذوة الثورة العرابية .تم نثبيت توفيق علي العرش المصري بدعم انجليزي ثم يصعد عباس حلمي الثاني للسلطة خلفا له يحاول التقرب من الحركة الوطنية في البداية وتطمئن له الحركة الوطنية ليرتبط بعد ذلك مصيره بمصير الحزب الوطني الذي اسسه صديقه مصطفي باشا كامل

1907 عام الأحزاب

بدأت النخبة السياسيىة المصرية المتعلمة في الغرب الاتجاه للعمل الحزبي وظهرت العديد من الاحزاب والصحف المعبرة عنها لكن الحزب الوطني كان صاحب التجربة الأهم والأغني منذ الاحتلال وحتي الحرب العالمية الأولي.
كان الحزب الوطني صاحب الشعبية والتأثير الأبرز في تلك الفترة ويمكن اعتباره بمثابة التنظيم والكيان السياسي الأول المعبر عن قطاعات شعبية مهمة في مصر .توفي مصطفي كامل بعد التأسيس بشهور وصعد لزعامة الحزب صديقه محمد فريد ولم يختلف في سياسته عن سابقه بل تعرض للتنكيل الشديد.

جريدة اللواء

كانت جريدة اللواء صاحبة الصوت الأعلي في مصر في المطالبة بالاستقلال وجلاء الانجليز وفتحت ابوابها للكثيرين من المعارضين الشرسين للوجود الانجليزي في مصر.
تمكنت الماكينة الاعلامية للحزب الوطني بالاضافة لكاريزما الزعيم مصطفي كامل وخطاباته النارية في ازعاج السلطات الانجليزية وبدأت في التنكيل بالحزب وكوادره لكن الحزب وزعيمه استمرا في المواجهة واعتمد كامل بشكل كبير علي تخالفه مع الخديو عباس حلمي الثاني كما اعتمد علي علاقاته الدولية في اوروبا مما أدي الي شرح القضية المصرية واكتسابها الكثير من الأصدقاء في أوروبا.

الحزب الوطني والأقباط

يصنف البعض الحزب الوطني علي انه ذو ميول اسلامية حيث كانت تتلخص مطالب الحزب في الاستقلال عن بريطانيا والانضمام للدولة العثمانية .حتي أن الزعيم مصطفي كامل كان من أشد المعارضين لطروحات قاسم أمين وحارب بشدة طروحات حزب الأمة ذو الميول القومية المصرية والداعي للانفصال عن تركيا .هذه الأيدولوجيا ساهمت في تعزيز الحساسيات الطائفية في البلاد وبدأبعض الأعيان الاقباط في التكتل ضد الحزب وشنت جريدة المقطم هجوما شديدا علي الحزب وقياداته .في تلك الفترة جرت العادة أن يكون رئيس النظار أو رئيس الحكومة من الاتراك أو الأرمن أو الأقباط الي ان تولي بطرس غالي الحكومة وبدأ في اتخاذ قرارات مخالفة للاجماع الوطني مثل التفاوض علي تمديد امتياز قناة السويس.
شن الحزب الوطني هجوما اعتبره اليعض طائفيا ضد غالي أدي في النهاية الي قيام الحزب عن طريق أحد أعضاءه وهو ابراهيم ناصف الورداني باغتياله ظهر يوم 20 فبراير 1910 .
أدي هذا الاغتيال الي اشتعال البلاد وانتشرت المناوشات الطائفية ودعا البعض لأول مرة الي انفصال الأقباط وعقد المؤتمر القبطي الأول في أسيوط عام 1911.

أفول الحزب

ذكرنا أن الحزب الوطني كان ذو ميول
اسلامية عثمانية تحديدا لذلك ارتبط وجوده بالدولة العثمانية .هرب محمد فريد سرا الي المانيا وازداد حصار الانجليز للحزب . اشتعلت الحرب العالمية الأولي .انجلترا في مواجهة العثمانيين . وبدا أن هذا ليس زمن عباس او الحزب الوطني تم عزل الخديو ونفي لأسطنبول وأعلنت الحماية البريطانية وتحويل مصر لسلطنة ونصب حسين كامل سلطانا وحسين باشا رشدي أول رئيس للحكومة. فعليا انتهت تجربة الحزب الوطني بما لها أو عليها حتي وان استمر الحزب اسميا حتي عام 1953 ولكن اخنلف دوره وتأثيره وتجاوزت النخبة أفكاره ليبدأ عصر جديد من الأفكار والطموحات والوسائل في فترة مابعد الحرب
وللحديث بقية.