منذ صغري وانا متهم بالأديان والفلسفات كنت دائما شغوفا بمعرفة عقائد الناس والاطلاع عليها وعندما اشتد عودي تحول الشغف من مجرد فضول إلى بحث عن الحقيقة فكنت اطلع على عقائد الناس من منظور باحث عن الحق لا ناقد أو مصدرا لأحكام مبدئية شأن الكثيرين، لكنني أعترف انني لم اكن على علم بأي شيئ عن البهائية حتى وقت قريب، فعمري الآن يقارب الثلاثين واكاد اجزم ان كل ما كنت اعرفه عن البهائية حتى عمر السابعة والعشرين ينحصر في أنهم اناس يعبدون شخص يسمى البهاء ويحجون في إسرائيل

ولكن حدث ان ثار الكلام حول البهائيين وكعادتي وجدت نفسي متفرغا فترة طويلة للغوص في عقائدهم وقراءة كتبهم والتحاور معهم على الشبكة العنكبوتية.

وأريد التحدث الآن عن أربعة محاور أساسية تدور في فلكها أغلب تساؤلاتي

المحور الأول: المهدوية والوعد الإلهي:

يؤمن أتباع الديانات الكبرى الثلاثة بل وأيضا بعض الديانات الأخري بفكرة المهدي الموعود أو المخلص المنتظر فالكل متفقون تقريبا بأن شخصا سيأتي ليحقق العدل المنشود ويخلص العالم من الشرور وهو الذي سينجح في تحقيق وصايا الأنبياء وأحلامهم وطموحاتهم، ولسنا طبعا بصدد الحديث عن هذه الأطروحة في حد ذاتها ولكن علينا أن ننطلق منها لأنها القاعدة التي تبني عليها البهائية عقائدها وأفكارها.

يؤمن البهائيون بأن علي محمد رضا الشيرازي الملقب ب(الباب) هو المهدي المنتظر الذي بشرت به الروايات الاسلامية ويؤمنون كذلك أن الميرزا حسين علي نوري الملقب ب(البهاء) هو المسيح الموعود والمخلص المنتظر.

حين قرأت هذه النقطة وبعد الإطلاع على الكثبر ممايقوله البهائيون حول هذا الموضوع أصابني نوع من الإحباط حيث أنه من الصعب على شخص أن يتقبل في زماننا هذه بكل ما فيه من مرارة وأسى أن المخلص الموعود قد ظهر فعلا منذ 150 سنة ومات وترك تعاليمه، فالمعروف أن فكرة المخلص مبنية على فكرة تطبيق العدل لا الدعوة إليه فكل الأنبياء أقاموا تنظيرا للعدل ولكن سرعان ما كان ينحرف عن مساره بعد وفاة النبي ومن المنتظر أن يكون الموعود هو الذي يأتي (ليملأ الأرض عدلا ونورا كما ملأت ظلما وجورا) كما يقول النص الإسلامي، أما أن يتحول الأمر إلى وصايا من جديد وبعد الموعود ننتظر وعدا جديدا بانتشار العدل وندخل في سلسلة لا متناهية من الانتظارات فهو من أشد ما يبحبط المستضعفين في الأرض

كما أنه من العجيب أن العالم قبل ظهور الموعود (البهاء) كان حقا أفضل وأجمل من العالم بعده، فبعد ظهور البهاء وموته قامت الدول الإستعمارية بغزو الدول المستضعفة وتسخيرها لمصالحها ، وبعده أيضا قامت حربان عالميتان مات فيهما ملايين من البشر ظلما وعدوانا، وبعده أيضا استحوذت قوة عظمى في العالم على مقدرات الشعوب وعاثت في الأرض فسادا، وبعده أيضا تحولت المنطقة العربية (التي ظهر بها الموعود) إلى أسوأ مناطق العالم تخلفا ورجعية وديكتاتورية وسلطوية

وكأن لسان حال المؤمن سيقول (أحقا يا إلهي هذا هو الوعد الذي كنا ننتظره؟؟ أحقا قد ظهر المخلص الذي وعدتنا به ومات وهذا هو حالنا؟؟)

وكأن لسان حاله أيضا (أحقا يا إلهي سننتظر بشارات أخرى على لسان من بشر به أنبياؤك؟؟ وأحقا لن يظهر أحد من رجالك لمدة ألف عام جديدة؟؟؟)

أظن أن فكرة المهدوية قد تشوهت كثيرا ولو كان البهائيون يؤمنون أن البهاء نبي مرسل وليس هو المخلص لكان الأمر أخف وطأة بالرغم من أن البشر لا يحتاجون إلى أنبياء في زماننا وإنما يحتاجون إلى تطبيق كلام  الأنبياء الذي لم يطبق أصلا.

المحور الثاني: النطاق الجغرافي:

في حديثي مع أحد البهائيين سألته “ما الذي يجعلني أؤمن أن المسيح الموعود هو البهاء وليس مثلا غلام أحمد القادياني الذي يدعي له أتباعه نفس ما تدعونه أنتم للبهاء؟؟” فقال لي ببساطة النطاق الجغرافي للظهور فغلام أحمد ظهر في الهند ولم يرد شيئا عن الهند في النصوص المقدسة ولكن ورد ذكر جبل الكرمل المدفون عنده البهاء في التوراة والانجيل

ولفت نظري هنا أنه أيضا النطاق الجغرافي لكل من الباب والبهاء بعيد عن كل النطاق الجغرافي للروايات الواردة بهذا الشأن فكل المسلمين رغم اختلافهم في كثير من الأشياء حول الموعود متفقين أنه سيظهر بمكة عند الكعبة ويبايعه 313 شخص يصبحون هم قادة جنده. ولكن صديقي البهائي قال لي أن الروايات والنطاق الجغرافي في النصوص يجب أن يحمل على معان رمزية؟؟؟ فالكعبة ترمز إلى القبلة وإيران هي قبلة العلم والعلماء والإسلام الأصيل، ولكن وبالرغم من الرمزية الشديدة الي ينتهجها البهائيون في التعامل مع النصوص يظل الآن نفس السؤال أعلاه بدون جواب لأنه من الممكن ايضا أن نفسر الروايات تفسيرا رمزيا لصالح غلام أحمد القادياني او اي غيره؟

المحور الثالث: الرمزية:

يؤمن البهائيين بجميع الأديان السابقة لهم وأكيد شأن غيرهم لن يؤمنوا بأي دين سيأتي بعدهم قبل ألف سنة من وفاة البهاء كما صرح البهاء بنفسه بذلك قبل وفاته، ويؤمنون بصحة الكتب الدينية وعدم تحريفها، ولكنهم حين يصطدمون بنصوصها التي قد تعارض عقائدهم نراهم يميلون إلى الرمزية، ومع انني شخصيا أميل إلى الرمزية في النصوص الدينية وأؤمن بها إلا أن البهائيين يستخدمونها استخداما مفرطا يحول الكتب المقدسة بالتدريج إلى طلاسم ككتاب الموتى عند الفراعنة فالباطنية الشديدة تؤدي إلى فقدان النص وضوحه وصراحته وتؤدي بالتالي إلى كثرة الإختلاف والخلاف حول معانيه، فهم قد حولوا الخلاص نفسه إلى فكره رمزية بل ويوم القيامة في حد ذاته إلى فكرة رمزية (لأنهم يؤمنون بأبدية الكون) بل انهم حولوا الأشخاص الواردة اسماؤهم في الروايات الدينية إلى رموز وكذلك الملائكة إلى رموز،

فيكون لسان حال المؤمن العامي البسيط (أنا لا أفهم شيئا؟؟؟؟؟؟) خصوصا في ظل أنهم مع هذا لا يؤمنون بفكرة وجود رجال الدين او المرجعية الدينية، ولك ان تتخيل الفوضى الدينية بنفسك

المحور الرابع: المرجعية الدينية:

تفاصيل المرجعية الدينية عند البهائيين طويلة جدا ولكن باختصار هم يعتبرون (بيت العدل الأعظم) الموجود في فلسطين هو المرجعية الدينية العليا وليس هناك رجال دين أو مؤسسات تقوم بتعليم العلم الديني ولكن بطريقة انتخابية تبدو من ظاهرها رائعة يتم وصول 9 أشخاص إلى بيت العدل، ومن هذا المنطلق يؤمنون بعصمة بيت العدل، بيت العدل ليس دار فتاوى ولا يتدخل في حياة الناس اليومية وشئونهم كالفقه الاسلامي والشريعة اليهودية، ولا يعتبر كهنوتا مقدسا كرجال الكنيسة المسيحية، فهم يؤمنون أن الدين كامل لا يحتاج إلى شروحات وكل الشروحات قام بها عبد البهاء (ابن البهاء) وشوقي أفندي (الرباني)

لكن التساؤلات هنا ماذا سيحدث عند الاختلاف حول معنى نص من النصوص؟؟ بل وحول معنى الفاظ شروحات شوقي افندي نفسها خصوصا بعد مرور السنين والتطور اللغوي والاحتياج إلى شرح الشرح؟؟

ماذا لو تخلل عنصر فاسد إلى بيت العدل او حدث اي خلاف بين التسعة أشخاص؟؟ فنحن نتكلم عن دين عمره سيظل ألف سنة وسينتشر بين كافة الشعوب والثقافات فبعد مائة سنة سيحتاج المصريين مثلا إلى ترجمة العربية الفصحى هذا ان كانوا لا يحتاجون إليها الآن أصلا؟؟