ربما لم يلمح كثير من جيلي المقابر في الجمعة الثانية من شهر رجب ، بل ربما الكثير لا يعرف أصلا أي ميزة لهذا اليوم او معنى يجعله مختلفا عن باقي الأيام، ولكن في الحقيقة هو مختلف في بلادنا

ففي هذا اليوم من كل عام تتحول “القرافة” والتي تعني بالمصرية (المقابر) إلى مدينة حية يسكنها الأحياء بزخمهم ومأكولاتهم ومشروباتهم وثرثرتهم وأطفالهم ، تتحول إلى حديقة عامة فعلا بكل ماتحمله الكلمة من معنى سوى اللون الأخضر ففي مقابر مصر لا يجود حشائش بل رمال وتراب

في هذا اليوم من كل عام تبدأ مع صلاة الفجر جموع الناس تتجه إلى المقابر نساء وأطفالا وشيوخا وشبانا وفتيات، كان في الماضي القريب تجد العربات الكارو في الشوراع جاهزة منذ الفجر ليستأجرها الناس فترى في كل عربة ربما عشرات يركبون فوقها وفي وجههم ابتسامة لا تجعلك تشعر لحظة انهم ذاهبين لزيارة الموتى.

وحاليا استبدلت العربات الكارو في الغالب بميكروباص او باص صغير وان كانت بعض المناطق الريفية والفقيرة المعدومة مازالت تستخدم الكارو.

يتجه الناس إلى المقابر وتقوم النسوة بفرش الحصر واعداد المتكأ الذي سيقضون فيه اليوم ، بعض الأسر تمتلك “حوش” وهو يعني مكان مغلق ملحق بالقبر له باب ويتمتع بخصوصية والبعض الاخر لا يمتلك فيفرشون فرشتهم امام القبر مباشرة، ويحضرون معهم الفاكهة والطعام والشاي، ويمكثون بجوار موتاهم يتحدثون ويثرثرون ويروون حكايات عن هذا الميت وتلك الميتة وعن يوم وفاة ذلك الرجل وماحدث به من أشياء تدل على انه ذاهب إلى الجنة كمثلا أن نعشه كان خفيفا سريع الحركة أو ان النعش التفت يودع أهله وا إلى ذلك من قصص نسمعها عموما بعد كل جنازة في مصر

لا ندري بشكل قاطع متى بدأت هذه العادة ولماذا في هذا التاريخ بالذات “الجمعة الثانية من رجب”، فالبعض يرى أنها من بقايا العادات المصرية القديمة والبعض يرى انها عادة من موروثات العصر الفاطمي

الذي أدركه بشكل قاطع ان هذا المنظر مألوفا عبر التاريخ المصري منذ أقدم العصور، فالقراقة أو المقابر عموما هي التي تروي تاريخ  بلادنا بالرغم من أن بلادا أخرى القصور والمباني والمسارح هي التي تروي تاريخها

فالعادة بالتأكيد لها جذور في مصر القديمة وبعد الإسلام أخذت طابعا في التقويم فقط ومن الممكن فعلا ربطها بالتاريخ الفاطمي لأن نصف رجب لا يحمل معنى أو مناسبة تاريخية ودينية سوى زيارة قبر الحسين في النصف من رجب المستحبة لدى الشيعة

وربما ليس الأمر هكذا!

أتمنى من منتجي الأفلام الوثقائية والمصورين توثيق هذا الحدث السنوي قبل ان يختفي كما يختفي في كل عام ملمح من ملامح بلادي، والجدير بالذكر ان محمد أحمد غزلان قام بعمل فيلم وثائقي عن هذا الحدث اسمه “طلعة رجب وزيارة الموتى”