الإلحاد أو ما يمكن تعريفه بإنكار وجود الخالق أو الشك في وجوده أو إنكار قدرته على التدخل في حياة المخلوقات ليس مستحدثا وليس كما يدعي البعض أنه نتاج طبيعي للتطور الحضاري الذي توصل له الإنسان حيث أنه ارتقى بعقله وعلمه حتى تخطى مرحلة الدين وأصبح في غنا عنه بل ان الإلحاد قديم قدم الإنسان ذاته وتحدثنا عنه الفلسفات القديمة مثل فلسفة أبيقور اليوناني على سبيل المثال منذ أكثر من 2500 عام وهو من أطلق جملة (لا وجود للإله ولا إحساس بعد الوفاة الخير يمكن اكتسابه والشر يمكن اجتنابه) وكذلك فيثاغوراس الذي أطلق جملته الشهيرة (السماء موطن الحجارة).

وقد تعرض رجال الله على مر العصور للملاحدة ومنكري أهمية العبودية والخضوع لإرادة الخالق عز وجل والكثير منهم وصلتنا محاواراتهم ونقاشاتهم فزادت المؤمنين إيمانا وفتحت ابوابا لذوي الألباب أن يقرعوا باب رحمة الله ليلجوا إلى لجة بحر أحديته وطمطام يم وحدانيته.

فقط أحببت أن أستعرض مواقف اعشق قرائتها دوما وأشارك من يحب أن يطلع عليها الإطلاع

أولهم موقف حدث بين الإمام جعفر الصادق حفيد الرسول محمد نبي المسلمين وبين أحد الملاحدة المصريين في زمانه:

كان اسمه عبد الملك وسمع عن الإمام جعفر الصادق فخرج إلى المدينة ليقابله فلما وصل المدينة وجد الإمام قد ذهب ليعتمر بمكة فلحق به وقابله عند الطواف

فسأله الإمام ما اسمك قال أنا عبد الملك فسأله وما كنيتك قال أبو عبد الله فقال الإمام له:

((فمن هذا الملك الذي أنت عبده؟ أمن ملوك الارض أم من ملوك السماء؟ وأخبرني عن ابنك عبد إله السماء أم عبد إله الارض؟

فقال له الإمام عندما أفرغ من الطواف نتحدث !))

وعندما فرغ الطواف قال له الإمام:

أتعلم أن للارض تحتا وفوقا؟ قال: نعم، قال فدخلت تحتها؟ قال: لا، قال: فما يدريك ما تحتها؟ قال: لا أدري إلا أني أظن أن ليس تحتها شئ، فقال الإمام: فالظن عجز، لما لا تستيقن؟ ثم قال له الإمام: أفصعدت السماء؟ قال: لا، قال: أفتدري ما فيها؟ قال: لا،

قال الإمام: عجبا لك لم تبلغ المشرق ولم تبلغ المغرب ولم تنزل الارض ولم تصعد السماء ولم تجز هناك فتعرف ما خلفهن وأنت جاحد بما فيهن وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟ !

“تعليق”

في الفقرة السابق يتحدث الإمام مع شحص ينكر وجود الإله وهو نوع من الملحدين مختلف عن “اللا أدريين” ولكن يكما الإمام حواره معه من منطلق الحوار مع اللا أدريين


قال الزنديق: ما كلمني بهذا أحد غيرك، فقال عليه السلام: فأنت من ذلك في شك فلعله هو ولعله ليس هو؟

فقال الزنديق: ولعل ذلك، فقال عليه السلام: أيها الرجل ! ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم ولا حجة للجاهل يا أخا أهل مصر !

تفهم عني

“فإنا لا نشك في الله أبدا أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان فلا يشتبهان و يرجعان، قد اضطرا ليس لهما مكان إلا مكانهما، فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلم يرجعان؟ وإن كانا غير مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا والنهار ليلا؟ اضطرا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر، فقال الزنديق: صدقت، ثم قال: عليه السلام يا أخا أهل مصر إن الذي تذهبون إليه وتظنون أنه الدهر إن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردهم وإن كان يردهم لم لا يذهب بهم؟ القوم مضطرون يا أخا أهل مصر لم السماء مرفوعة والارض موضوعة لم لا تسقط السماء على الارض، لم لا تنحدر الارض فوق طباقها ولا يتماسكان ولا يتماسك من عليها؟”

انتهت الرواية


هذا النوع من الكلام مارسه الإمام مع ذلك النوع من الناس الذي قد نسميه لاأدري agnostic حيث يلفت الإمام النظر إلى قضية هامة جدا وهي أنه “لا حجة لمن لا يعلم على من يعلم”، يعني الشخص الذي يظن أو لا يدري يجب ألا يكون متيقنا من شيئ.

فليس من حقه أن ينكر وجود الإله لأنه اساسا لا يعلم الإله، وكما نقول أن البينة على من ادعى فعليه إثبات خلو الكون من الله أو يعترف بجهله وعدم علمه واحتياجه لمعرفة الاخرين ليوصلوه إلى العلم

وقد يقول قائل إننا في زماننا نزلنا تحت الأرض وصعدنا إلى السماء فأقول إن كلام الإمام خاص بأهل زمانه ولكن لسان حاله قد يقول لأهل زماننا “”لم تذهب أبعد من القمر ولم تصور إلى بعض أطراف المجموعة الشمسية وكل هذا قطرة ماء في محيط لا متناهي أنت تعجر عن ادراكه ثم تجحد ما في هذا المحيط كأنك اطلعت عليه كله وأدركته”"

مثل آخر يخص اللاأدريين

ضرب الإمام جعفر الصادق مثلا في موقف أخر

لو أن شخصا لا يعرف شكل الدينار أصلا وأتيته بكيس مملوء بالأشياء فقال لك أنه لا يوجد في الكيس دينار فلن تقول له ببساطة سوى إنك أصلا لا تعلم شكل الدينار وصفته فكيف تقول أنه غير موجود وانما عليك معرفة شكل الدينار وصفته والبحث عن ماهيته ثم لك أن تقول ببينة اذا كان موجود في الكيس أو ليس في الكيس (وهو ما سيأتي تفصيله في الموقف الآخر).

الموقف الآخر هو مع نوع آخر من الملحدين الذين يتبنون نظريات شبه مكتملة عن عدم وجود الخالق بل و أزلية الكون:

جاء ابن أبي العوجاء (أحد منظري الإلحاد في زمانه) إلى الإمام جعفر الصادق

فسأله الإمام أولا: مصنوع أنت أو غير مصنوع؟ فقال بل أنا غير مصنوع !

الرائع الان حقا هو سؤال الإمام التالي حقا في منتهى الروعة سأله الإمام:


صف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون؟

فبقي مليا لا يحير جوابا وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول طويل عريض عميق قصير متحرك ساكن كل ذلك صفة خلقه

فقال الإمام:

فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك مما يحدث من هذه الامور !!

ثم قال ازيدك وضوحا

“أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر فقال لك قائل: هل في الكيس دينار فنفيت كون الدينار في الكيس، فقال لك صف لي الدينار وكنت غير عالم بصفته هل كان لك أن تنفي كون الدينار عن الكيس وأنت لا تعلم؟ قال: لا، فقال: أبوعبدالله عليه السلام فالعالم أكبر وأطول وأعرض من الكيس فلعل في العالم صنعة من حيث لا تعلم صفة الصنعة من غير الصنعة”

فسأله ابن أبي العوجاء سؤالا آخر:

ما الدليل على حدث الاجسام؟

فأجاب الإمام برائعة جديدة بشكل منطقي وعقلي

“اني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا وإذا ضم إليه مثله صار أكبر وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الاولى ولو كان قديما ما زال ولا حال لان الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث وفي كونه في الازل دخوله في العدم ولن تجتمع صفة الازل والعدم و الحدوث والقدم في شئ واحد”

رحل ابن أبي العوجاء ولكنه لم يهدأ له بال فعاد في العام التالي مرة اخرى إلى الحج فسأله الإمام عن سبب مجيئه فقال:

عادة الجسد وسنة البلد ولننظر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة؟

فختم الإمام حواره بالجملة الخالدة

إن يكن الامر كما تقول ((وليس كما تقول)) نجونا ونجوت وإن يكن الامر كما نقول ((وهو كما نقول)) نجونا وهلكت.

انتهت الروايه

واختم بموقف للإمام علي بن موسى الرضا

جاءه رجل منهم يسأله عن الله فلما حدثه الإمام عن الله قال له الملحد:

“”أنه لا شئ إذا لم يدرك بحاسة من الحواس؟”"

فقال الإمام:

ويلك لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته؟ ! ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا بخلاف شئ من الاشياء.

“أي أننا حين تعجز حواسنا عن إدراك كنهه عز وجل نعتبر ذلك من صميم أحديته وصمديته واثبات أنه واجب الوجود وخالق الكون لأنه لو أدركته حواسنا كان ذلك ينقص منه واذا انتقص فهو ليس إله”