منذ فشل محادثات كامب ديفيد عام 2000 بين منظمة التحرير الفلسطينية و”إسرائيل” التي جرت على أرضية اتفاقية أوسلو، ظهر بشكل واضح أن عقدة أي تسوية شاملة لا تأخذ بحق العودة للاجئين هي تسوية ناقصة لن ترى النور. إذ إن الحلول الوسطية للقضايا الجوهرية الأخرى كالقدس والمستوطنات، وتقسيم القدس بين عربية ويهودية، وإخلاء معظم المستوطنات مع إبقاء كتل تضم لحدود دولة “إسرائيل” مع تبادل للأراضي تتبع لسيادة الدولة الفلسطينية، هاتان النقطتان وعلى أهميتهما أقل تأثيراً وخطورة من قضية حق العودة، إقراره وتفعيله، علماً أن المجتمع الإسرائيلي ككل، ومن موقع أيديولوجي يهودي متطرف يلتقي إيجاباً مع التيارات المسيحية المتطرفة برموز أميركية معروفة والتي تسمى «المحافظون الجدد» والذين يدعمون عدم تقسيم القدس وإخلاء المستوطنات.

ما تقدم يفسر الرفض الإسرائيلي لكل قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحق العودة للاجئين الفلسطينيين والتي اتخذت تباعاً منذ العام 1948 والقرار 194 وحتى يومنا هذا مروراً بقراري 242 عام 1967 و338 عام 1973 من حيث التأكيد على إيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين. وعندما ربطت الشرعية الدولية القرار 273 عام 1949 أي الموافقة على قبول عضوية “إسرائيل” في هيئة الأمم المتحدة بقبولها قرار التقسيم للعام 1947 (القرار 181)، ذهب بن غوريون نحو قبوله ليدخل تحت مظلة الأمم المتحدة، وهو الأهم، ومنذ ذلك الوقت رفضت “إسرائيل” كل القرارات الخاصة بحق العودة.

أيضاً لا بد من العودة إلى مسارات التسوية والتي بمحصلتها جرت تنازلات وتعديلات على هذا الحق المشروع، حق العودة، ففي مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، لحل الصراع العربي /الفلسطيني – الإسرائيلي، تشكلت مجموعة العمل حول اللاجئين (واحدة من خمس مجموعات) برئاسة كندية قاطعتها سورية ولبنان، ثم “إسرائيل” التي قاطعت إحدى الجلسات الموسعة عام 1992، كما انسحبت من اجتماع جمع الشمل العائلي الفلسطيني في العام نفسه، وأوقفت الجامعة العربية مشاركتها في هذه اللجان، وكانت آخرها في جنيف عام 1995.

أما اتفاقية أوسلو المشؤومة، في أيلول (سبتمبر) 1993، فاعتبرت موضوع اللاجئين قضية مؤجلة إلى مفاوضات الحل النهائي، ثنائياً بين السلطة الفلسطينية و”إسرائيل”، ذلك يعني أن السلطة الفلسطينية تجاوزت حدود سلطتها عندما همشت أو أخذت مكان منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلة الشعب الفلسطيني داخل وخارج الوطن المحتل وبرنامجها السياسي، إلى جانب تغييبها أيضاً لكل قرارات الشرعية الدولية واختزلتها بما يتم الاتفاق عليه مع “إسرائيل”! إلى جانب أن البند 12 من اتفاق أوسلو أقر تشكيل لجنة رباعية تضم مصر و”إسرائيل” والأردن و”إسرائيل”، لإيجاد تسوية أيضاً تشمل لاجئي العام 1967 (بعد حرب حزيران).

نعود أيضاً لأيار عام 1996، عام مفاوضات الحل الدائم، والتي تأجلت، مروراً بواي ريفر إلى مذكرة شرم الشيخ (أيلول 1999) التي أقرت بوجوب تشكيل لجنة تضع إطار عمل لحل قضايا الوضع النهائي، فالانتفاضة الثانية عام 2000 لتغيب كل تلك التفاهمات والصفقات. لكن على طريق أوسلو الذي جرت محاولة اشتهرت بوثيقة جنيف – البحر الميت – بتاريخ 1/12/2004، التي تصيغ مسودة اتفاقية الوضع الدائم، وسميت وثيقة بيلين – عبد ربه، الأول وزير عدل إسرائيلي سابق والثاني وزير إعلام فلسطيني سابق، وبالضرورة الاثنان لا يخرجان عن موقف مؤسستيهما الرسميتين وإن كانا خارجهما. فشطبت حق العودة، ليصبح على اللاجئين اختيار سكن دائم، أمامهم خيارات، أما العودة لدولة فلسطين، أو الاندماج في دولهم المضيفة أو الهجرة إلى دولة ثانية (أوروبية أو أميركية) إلى جانب التعويض المادي عن أراضيهم.

ما تم تقديمه تاريخ وثائقي، فيه الإيجابي والسلبي، حيال موضوع اللاجئين.

مؤتمر منظمة «إيباك» والتوطين:

منذ أن تم تناول موضوع إنشاء الدولة الفلسطينية وللمرة الأولى بشكل مباشر، وبعد مئة عام من الصراع، تقدمت “إسرائيل” نحو أهدافها المعلنة، في المقدم منها إفراغ القضية الفلسطينية من مضامينها الوطنية، أي الحقوق الوطنية، ومنها الأهم، حق العودة، وبذلك يطوى الملف الجوهري من على طاولة المفاوضات، فما تبقى لا خلاف عليه.

عقدت منظمة «ايباك» – ممثلة اللوبي اليهودي الصهيوني في أميركا مؤتمرها السنوي الخمسين (16 أيار 2003) وفي ذروة الانتخابات الأميركية طالبت بوش بالضغط على الدول العربية لشطب حق العودة وتوطين اللاجئين في دولهم، وفي 19 تموز (يوليو) 2004 وقف أبو عمار أمام مراسلي الصحف والتلفزة العبرية وأعلن أنه يتفهم ضرورة أن تكون «”إسرائيل” دولة يهودية الهوية والطابع»، وأعلن أيضاً «أن اللاجئين الفلسطينيين بمعظمهم لن يعودوا»!

أبو عمار بتصريحيه حاول الاقتراب من السيناريو الأميركي الإسرائيلي معتقداً وجوب فك حصاره من خلاله، كما أن شارون (رئيس وزراء “إسرائيل” السابق) بذات الاتجاه اعتقد أن الانسحاب الأحادي الجانب من غزة (المخادع والكاذب، لذر الرماد في عيون فلسطينية ودولية) مفتاحه للهروب للأمام من أزمات دولته الداخلية والخارجية.

أيضاً في دورة المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في الجزائر عام 1988 أعلن أبو عمار قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه بذلك أنهى العمل ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية، برنامج الإجماع الوطني للشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه. وانطلق بعد ذلك في التسوية السياسية المشؤومة أوسلو، وخلق سلطة وطنية فلسطينية على قياسه في غزة والضفة الفلسطينية المحتلتين، وغيّب كل مؤسسات منظمة التحرير لصالحها، بانتظار استحضارها عندما يريد غطاء شرعياً لقرار ما أراد تحقيقه.

بين مطالبة منظمة «إيباك» لبوش بفرض توطين اللاجئين في الدول العربية وتصريحات أبو عمار التي دعمت هذه المطالبة وأنقذت رأس شارون أمام المتطرفين اليهود والمستوطنين بتسليمه أن “إسرائيل” يهودية الهوية، نقف حائرين. إذ أن حوارات فلسطينية – فلسطينية جرت في رام الله وغزة (للعلم ما زالت مستمرة في دائرة مفرغة) بين الجميع للوصول لبرنامج إجماع وطني بالقواسم المشتركة تحت عنوان دحر الاحتلال وقيام الدولة المستقلة وعاصمتها القدس وإنجاز حق العودة للاجئين، وبين «إيباك» وتصريحات أبو عمار، قلبت الطاولة الفلسطينية رأساً على عقب حيث رفض الجناح العسكري للجبهة الشعبية المبادرة المصرية في 20/6/2004 ومعها أيضاً «حماس» و «الجهاد الإسلامي»، وهنا مع الملاحظات الكثيرة على المبادرة في حينها لكنها كانت مناسبة للفلسطينيين للتحاور والنقاش للخروج كما كان الشعب الفلسطيني يأمل ببرنامج وطني مقاوم مشترك بالحد الأدنى (كما في حوارات القاهرة 2005 والحوار الفلسطيني 2006 اللذين أسسا لبرنامج سياسي متوافق عليه من الجميع).

أيضاً تنفس شارون هواء هربه من تهمة الفساد، كما أطاح بوزيرين متشددين رفضا خطته للانسحاب التي تحظى بالدعم العربي الجزئي والأوروبي الأميركي، كما ضم لحكومته حزب العمل وشكل حكومة ائتلاف تدعم رؤيته المتطرفة للتسوية مع الفلسطينيين والعرب. فإذا بدأت المفاوضات السياسية اليوم، فـ”إسرائيل” ستواجه بالمبادرة العربية التي أقرت في قمة بيروت 28/3/2002 إلى جانب الأوراق التي عرضها نبيل شعث في حزيران (يونيو) 2003 و«خريطة الطريق» الدولية.

ولا يوجد داخل نصوص هذه الخطط ما يطالب “إسرائيل” بالاعتراف بحق العودة أو تحقيقه، وتكتفي بإيجاد «حل عادل»، وأن يقوم هذا الحل على قاعدة القرار الأممي 194 وأن يكون الحل متفقاً عليه بين الطرفين.

بداية عام 2001 كانت محادثات طابا بين “إسرائيل” والفلسطينيين وشكلت لجنة مصالحة وإعلان مبادئ لحل مسألة اللاجئين ومن قراراتها التالي: «أولئك اللاجئون الذين يرغبون في العودة إلى منازلهم والعيش بسلام مع جيرانهم سيسمح لهم بذلك في أقرب وقت ممكن». كما أنه ينص «أولئك الذين لا يرغبون في العودة يستحقون التعويض لقاء أملاكهم، وفقاً لقواعد القانون والعدل الدولي».

في المقابل، رفضت وزارة الخارجية الإسرائيلية هذا التفسير معللة ذلك (تحليل قانوني موجود على موقعها على الأنترنت) بأنه لا يوجد أي ميثاق دولي أو قرار للأمم المتحدة بما في ذلك القرار 194، يقر بأن للفلسطينيين الحق في العودة إلى «الأراضي السيادية لدولة “إسرائيل”»، كما أن البروفيسورة روت لبيدوت من الجامعة العبرية (مستشارة في وزارة الخارجية سابقاً ومثلت “إسرائيل” في لجنة تحكيم مسألة طابا بين المصريين والإسرائيليين)، أعلنت أن القرار لا يعترف بالحق، بل يوصي بالسماح للفلسطينيين الراغبين بالعودة إلى منازلهم. واختيار التعبير SHOULD في سياق هذا السماح وليس SHALL هي الإشارة إلى توصية غير ملزمة. كما أن مضمون القرار 242 هو الأرض مقابل السلام. وعلى رغم ذلك، لم يمنع هذا التفسير الحكومات الإسرائيلية من تحويله إلى المرجعية بالنص الاإنكليزي وبالتفسير الإسرائيلي لحل الصراع ليكون: «النزاع حول أراضٍ محتلة».

” إسرائيل” بذلك حاولت فرض التفسير المذكور ليتماشى مع نقطتين مركزيتين: مكانة الأماكن المقدسة اليهودية وعلى رأسها جبل الهيكل (الحرم الشريف) وحائط المبكى.

إلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى داخل “إسرائيل”:

بالتتابع قدم سري نسيبة وزياد أبو زياد (الأول حمل ملف القدس بعد فيصل الحسيني والثاني محام شغل منصب وزير شؤون القدس في السلطة الفلسطينية) لأبو عمار هاتين النقطتين في مدينة بروج البلجيكية حيث انعقد منتدى الشرق الأوسط التابع لجامعة كاليفورنيا – لوس أنجليس، شارك فيه إسرائيليون أغلبهم من مركز يافي للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب، وإلى جانبهم شخصيات عامة وأكاديمية من فلسطين والأردن وإيران والولايات المتحدة.

في المسألة الأولى:

وضع زياد أبو زياد تصريح المبادئ على طاولة المشاركين في اللقاء (نشرته صحيفة «هآرتس») واقترح: منح الحرم الشريف وحائط المبكى مكانة NO MANS LAND أي لا تفرض عليهما أي سيادة كانت. ويفترض أن توضع إدارة الحرم الشريف تحت إشراف دولة فلسطين، أما إدارة حائط المبكى فتوضع تحت إشراف “إسرائيل” (للعلم أن البروفيسورة لبيدوت حاولت وتحاول منذ سنوات تسويق هذه الفكرة داخل أوساط نخبة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين وفي لقاءاتها أيضاً مع قياديين من السلطة الفلسطينية إلى جانب صانعي القرار في “إسرائيل”).

في المسألة الثانية لحق العودة:

قامت مجموعة زياد أبو زياد متجاوزة قرار الجمعية العمومية رقم 194 وقيدت هذا المبدأ واقترحت حق العودة من خلال عودة اللاجئين إلى حدود الدولة الفلسطينية الجديدة التي ستقام في الضفة الغربية وقطاع غزة وكل الأماكن التي ستسلمها “إسرائيل” في إطار معادلة ما يسمى تبادل المناطق، وجاء الرد الإسرائيلي حول هذا الاقتراح كالتالي: «من الممكن اعتبار ذلك تنازلاً عن حق العودة إلى أراضي “إسرائيل” «السيادية»! وهنا أورد نصاً إعلان المبادئ الذي أعلنه زياد أبو زياد: «مشكلة اللاجئين الفلسطينيين تحل وفقاً لقرار الجمعية العمومية رقم 194، ولكن… كل اتفاق أو حل في هذه المسألة يحرز فقط من خلال المفاوضات وبموافقة الطرفين».

هاتان النقطتان أو الحقان الفلسطينيان، الأماكن المقدسة واللاجئون، بمعنى أدق القدس الكبرى وحق اللاجئين في العودة إلى أراضيهم، دار ويدور حولهما الصراع ليس حديثاً بل قبل اتفاقية أوسلو وبعدها إلى جانب الأمن والحدود والسيادة الكاملة للدولة الفلسطينية وإزالة المستوطنات، لتأتي بعد ذلك وثيقة جنيف بين بيلين وعبد ربه في 1/11/2003 لتكمل مهمة تفاصيل الحل النهائي للصراع، وتوجها أبو عمار يوم 19/6/2004 بالتسليم «بيهودية دولة “إسرائيل”».

لقد شهدنا قديماً وحديثاً محاولات تفكيك العقد الفلسطينية من وقف الانتفاضة الأولى والثانية والسعي لإجهاض ما تبقى من المقاومة. وهنا لا يمكن عزل الدور الأوروبي السلبي في إطار التنسيق الدائم مع أميركا باتجاه السيناريوهات المفترض تسويقها لقيام تسوية جزئية تؤجل الاستحقاقات الوطنية لمستقبل يكتنفه الغموض إلى جانب إلغاء قرارات الشرعية الدولية واختزالها بالمبادرات والتفاهمات والأوراق التي تسوق الحلول الجزئية الأميركية والإسرائيلية.