يعتبر ميشال فوكو الجنس الدين و السياسة من أكثر تابوهات المجتمع شراسة و إنغلاقا. و يذهب في تحليله هذا إلى أن تجليات تلك المواضيع في الخطاب لا تكون بأي معنى مباشرة و ظاهرة للعيان إلا من خلال رموز و رسائل مشفرة. و لعل أكثر هذه المحرمات الرافضة لكل محاولة خوض جدي في تفاصيلها هو الجنس. و الأمر يرجع لعدة أسباب، يمكن ذكر أهمها و هو أسبقية تكون التابو الجنسي على الديني و السياسي و الذي يتمثل في تحريم الأم و الزواج الداخلي حسب كلو ليفي شتورس.

لا شك أن تاريخ الجنس من أكثر المواضيع التي يفضل تركها في الدرج السفلي للعلوم الإنسانية، و ذلك للإحراجات التي يتسبب فيها البوح بحقائق تخص هذا المبحث للعموم. خصوصا إذا تحدثنا عن ممارسات كانت تعتبر في العصور القديمة مؤسسات إجتماعية و ثقافية تجد موطئ قدم و تتسم ببداهة تجعل منها أفعال تأسيسية في المجتمع، مثل ”البيديراستي ”.

يعود اصل كلمة بيديراسيتي إلى الأصل اليوناني ” paiderastia” و التي تعني حرفيا ” حب الأطفال ”. و تشير هذه الكلمة إلى علاقة حميمة تجمع بين رجل بالغ و طفل عادة ما يكون عمره بين العاشرة و السادس عشر. تغير مدلول الكلمة حسب الثقافات و التطور التاريخي للمجتمعات، إلا أن هذه العادة مورست في أغلب ثقافات العالم القديم من شمال الأرض إلى جنوبها.

بدأت ممارسة هذا النوع من العادات في اليونان القديمة خلال القرن السادس قبل الميلاد. حيث تعتبر هذه العلاقة مؤسسة تعليمية و طقس عبور بالنسبة للطفل ” pais” من الحالة السلبية الأنثاوية إلى الحالة الإيجابية الذكرية التي يساهم العاشق ”erastēs” فيها تطويرها لديهم.
كان معظم الرجال في اليونان يتخذون أطفالا كمعشوقين و هم متزوجون في نفس الوقت من نساء و لهم أطفال بدورهم. و مثلت هذه العادة أمرا محمودا بالنسبة للطبقات العليا. و منع منعا كليا من ممارسة هذا النوع من العلاقة بين العبيد و الأحرار في المقابل.

إمتدت هذه النوعية من العلاقات إلى الجمهورية الرومانية، لكن بدأت تفقد طابعها التعليمي و الإجتماعي و منع بالإضافة إلى ذلك ممارسة أي نوع من أنواع العلاقات الغرامية أو الجنسية مع الأطفال الأحرار. و إتجاه الأمر إلى إستغلال الدنيا من قبل الأسياد لتطوير ممارسات جنسية أخرى كاللواط الفمي ”irrumtion”.
قبل الإنقلاب الأخلاقي الذي أحدثه أوغسطين, لم يكون مفهوم المثلية الجنسية الحالي أمرا معروفا، بل لم تشهد روما في قوانينها اي تسامح مع لواط رجل حر لرجل حر أو طفل حر. و إنما كان لواطة العبيد من بالغين أو الأطفال يبرز مكانة إجتماعية و علاقة قوة و سلطة تجاه الطبقات الدنيا. حيث كانت الأعراف الرومانية تعتبر اللواط في الأست sodomie أو اللواط الفمي أمرا فاضلا . و لا ضرورة بأن يكون السيد مثلي جنسي حتى يقوم بذلك. إذ كان يقول لعبده ” te paedico ” اي الوطك أو ” te irrumo ” اي أملأ فمك بقضيبي.

أما البيديراسيا عند الفرس فكانت موضع جدل في أصلها ، حيث يدعي هيرودوت أنهم تعلموا هذه الممارسة من عند اليونان، لكن في المقابل يذهب بلوتارك أنهم يعرفونها قبل أي إتصال ثقافي بين الحضارتين. و تم العثور على عدت أدلة تؤكد وجود هذه الممارسة عند عدد من شعوب شمال أوروبا وسطها و شرقها مثل celtiques, thraciens gaulois.

أما في العصر بعد الكلاسيكي فالأمر كان أكثر وضوحا خصوصا في أسيا و الشرق الأوسط،. ففي مقاطعة fujian في الصين في العصر القبل الحديث، كان الأطفال يقيمون علاقات غرامية مع بالغين إلى حين أن يجدوا زوجات لهم، في الغالب بمساعدة الشريك البالغ.
أما في اليابان فكان الأمر رائجا خصوصا في مجتمع الساموري.
بالإضافة إلى ذلك كان كهنة مدرسة ” شينغون shingon ” للبوذية التي أساسها ” كوباي kubai ” والذي يقال عنه أنه أتى بتعاليم عشق الأطفال من الصين، يقيمون علاقات مع أطفال يطلق عليه اسم ” شيغو shigo ”.

و تم تسجيل هذه العادة في أفغانستان المعاصرة، ، حيث يشتري الأثرياء أطفالا يطلق عليهم ” باشا بازي bacha bazi” يتم تعلمهم الرقص و إرتداء ثياب النساء ثم يتم ممارسة الجنس معهم. و تعود هذا الممارسة قي هذا السياق إلى المخيال الإسلامي الذي يصور الغلمان كموضوع متعة.
يمكن الرجوع إلى الوثائقي ” dancing boy of Afghanistan ” لمزيد من المعلومات.

تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الممارسات لا تصنف كعلاقات مثلية، إذ لا ضرورة لوجود ذلك التوجه للقيام بلواط طفل، و أغلبية البالغين يكونون متزوجين و لهم أطفال. و يقع التميز بين البيدراستيا و البيدوفيليا عند أغلب الانثروبولوجيين و علماء الإجتماع . حيث تعتبر الأولى ظاهرة إجماعية ثقافية تخضع لقوانين و وقع مأسستها في أغلب تاريخ ممارستها، ام الثانية فهي حالة مرضية . و مع ذلك تطورت البيدراستيا إصطلاحا حتى تتماهى مع البيدوفيليا في المعنى هذا اليوم.