هناك نصوص قرآنية عديدة تؤكد أن القرآن قد كتب بلسان عربي مبين، نذكر من بينها ما يلي :

(سورة يوسف 12: 2) “إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون”

(سورة طه 20: 113) “وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا “

(سورة الزمر 39: 28) “قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون”

(سورة فصلت 41: 3) “كتاب فصلت آياته، قرآنا عربيا لقوم يعلمون”

(سورة الشورى 42: 7) “وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها”

(سورة الزخرف 43: 3) “إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون”

(سورة الأحقاف 46: 12) “لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا”

(سورة الشعراء 26: 193و195) “نزل به الروح الأمين .. بلسان عربي مبين”

(سورة النحل 16: 103) “وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ”

و قد إتفق المفسرون على إختلاف مذاهبهم على كون هاته الآيات تؤكد و تجزم على أن القرآن قد أنزل بلسان عربي من أفصح ما تحدثت به عرب الجزيرة بإختلاف لهجات القبائل عند بداية الدعوة المحمدية.

لكن مهلا، إلى جانب هاته الآيات، يؤكد المفسرون أيضا و من أبرزهم جلال الدين السيوطي، على كون القرآن يحتوي على العشرات من الكلمات الأجنبية بعدة لغات كانت معروفة و تحدثت بها شعوب المنطقة من اليمن و الجزيرة العربية و الشرق الأوسط و آسيا الصغرى و منطقة البحر الأبيض المتوسط و شمال إفريقيا، نذكر من بينها اللغات التالية : الآرامية، العبرية، الفارسية، البهلوية، الهندية، الحبشية، القبطية، الأمهرية و عدة لغات أخرى من نفس الفترة التاريخية التي كتب فيها القرآن.

و قد عدد المفسرون أكثر من 200 كلمة أعجمية، إليكم قائمة غير حصرية ببعضها :

في “تأريخ القرآن” للشيخ إبراهيم الابياري (طبعة دار الكتاب المصري بالقاهرة سنة1981م ص 190) أورَد بعض الأمثلة للألفاظ الأعجمية في القرآن، وأشار إلى كتاب البرهان في علوم القرآن للزركشي [ج1 ص 288]، وكتاب الاتقان في علوم القرآن للسيوطي الجزء الأول الصفحة 139

- الطور: سريانية، معناها: الجبل
* البقرة2: 63 وغيرها ” وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ

ـ طفِقا: رومية، معناها: قصدا
* الأعراف7: 22 ” وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ”

ـ الرقيم: رومية، معناها: اللوح
* الكهف18: 9 ” أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا”

ـ هدنا: عبرانية، معناها: تُبْنا
* الأعراف7: 156 ” وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ “

ـ طه: عبرانية، معناها: طأْ يا رَجُل
* سورة طه20: 1 “طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى”

ـ سينين: عبرانية، معناها: حسن
* التين95: 2 ” وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ”

ـ السجل: فارسية، معناها: الكتاب
* الأنبياء21: 104 ” يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ”

ـ الاستبرق: فارسية، معناها: الغليظ
* الدخان44: 53 ” يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ”

ـ السندس: هندية، الرقيق من الستر
* الدخان44: 53 ” يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ”

ـ السرىُّ: يونانية، معناها: النهر الصغير
* مريم19: 24 ” فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا”

ـ المشكاة: حبشية، معناها: الكوة
* النور24: 35 ” اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ”

ـ الدري: حبشية، معناها: المضيء
* النور24: 35 ” الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ. الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ”

ـ ناشئة الليل: حبشية، معناها: قام من الليل
* المزمل73: 6 ” إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا”

ـ كِفْلين: حبشية، معناها: ضعفين
* الحديد57: 28 ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ “

ـ القَسْوَرَة: حبشية، معناها: الأسد
* المدثر74: 51 ” فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ”

ـ الملة الأخرى: قبطية، معناها: الأولى
* سورة ص38: 7 ” مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ”

ـ وراءهم: قبطية، معناها: أمامهم
* الكهف18: 79 “وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا” (الطبري وَكَانَ أَمَامهمْ مَلِك)

ـ بطائنها: قبطية، معناها: ظواهرها
* الرحمن55: 54 ” مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ”

ـ أباريق: فارسية، معناها: أواني
* الواقعة56: 18

ـ إنجيل: يونانية، معناها: بشارة
* آل عمران3: 48

ـ تابوت: قبطية، معناها: صندوق
* البقرة2: 247

ـ جهنم: عبرية، معناها: النار
* الأنفال8: 36

ـ زكاة: عبرية، معناها: حصة من المال
* البقرة2: 110

ـ زنجبيل: بهلوية، معناها: نبات
* الإنسان76: 17

ـ سجَّيل: بهلوية، معناها: الطين المتحجر
* الفيل105: 4

ـ سرادق: فارسية، معناها: الفسطاط
* الكهف18:29

ـ سورة: سريانية، معناها: فصل
* التوبة9: 124

ـ طاغوث: حبشية، معناها: الأنداد
* البقرة2: 257

ـ فردوس: بهلوية، معناها: البستان
* الكهف18: 107

ـ ماعون: عبرية، معناها: القدْر
* الماعون107: 7

لو أخذنا القرآن ككتاب دين و”نسبيا” ككتاب تاريخ فإن وجود هذه الكلمات داخل آياته يصبح شيئا طبيعيا جدا بالنظر إلى الفترات التاريخية التي كتب و جمع فيها (بغض النظر عن تفاصيل و تاريخ جمعه و الأحداث التي رافقت هذه العملية)، و كلنا نعلم أن اللغة العربية لم تكن لغة متكاملة في فترة نزول القرآن، فلم تكن لها قواعد نحو و صرف معروفة و ثابتة، و كانت تكتب بحروف بدائية و محدودة بدون نقاط و لا تشكيل و لا قواعد إعراب، مما كان يجعل للكلمة الواحدة عدة معان تبعا لطريقة قراءتها و مكان وضع النقاط فوق الحروف (و هذا هو السبب في وجود عدة قراءات في القرآن لدى العرب اليوم، من بينها القراءات السبع المعروفة و المتفق عليها، و عشرات القراءات الأخرى المسماة بالشاذة)، و قد كانت اللغة تكتب بالخط النبطي، و السبب في ذلك هو أن العرب قد كانوا قوما رحل يعيشون حياة البداوة متنقلين بين دروب الصحراء بحثا عن الماء و الكلأ، و بسبب إنعدام أسباب الإستقرار الجغرافي للمجمعات البشرية التي كانت تشكل قبائل الجزيرة آنذاك، لم تتطور لديهم لغة مكتوبة ثابتة و واضحة، و إن كان أغلب من يكتب لديهم يفعل ذلك بالسريانية و الآرامية التي كانت منتشرة جدا حينها، و بالتالي لم تتطور لديهم الكتابة إلا عندما غيروا نشاطهم الإقتصادي نحو التجارة بين اليمن جنوبا و الشام و العراق و فارس شمالا، فظهرت لديهم الكتابة النبطية أخذا عن مملكة النبط التي كانت عاصمتها البتراء (الأردن اليوم)، و هذا التغيير يعتبر أول مدخل حقيقي نحو التمدن و الحضارة لدى العرب، حيث دخلت أساليب جديدة في العمران و البناء و اللباس و الحياة بشكل عام، و كانت في مجملها تأثيرا إجتماعيا ناتجا عن التعرف على حضارات أخرى خلال التجارة بين اليمن جنوبا و العراق و فارس و الشام.

الكتابة على يسار المخطوطة عبارة عن خليط من النبطية والعربية التي ليس بها أي نقاط أو علامات ترقيم. والكتابة العمودية إلى يمينها هي كتابة ثمودية.

الكتابة على يسار المخطوطة عبارة عن خليط من النبطية والعربية التي ليس بها أي نقاط أو علامات ترقيم. والكتابة العمودية إلى يمينها هي كتابة ثمودية.

و لم يتم وضع قواعد النحو و التنقيط و الكتابة للغة العربية إلا بعد عدة سنوات من نزول القرآن، و قد كانت أولى المحاولات على يد القاضي أبي الأسود الدؤلي خلال خلافة علي بن أبي طالب (يصر الشيعة على كونه قد فعل ذلك بأمر و تعليم من علي نفسه)، لكن يبقى سيبويه الفارسي هو أول من وضع قواعد النحو و التنقيط في اللغة العربية بشكل منهجي و مفصل في كتابه الذي سمي “الكتاب” ( لأن سيبويه لم يضع له عنوانا) و قد أُلِّفَ الكتاب في القرن الثاني للهجرة الموافق للقرن الثامن الميلادي، و عدا ذلك فقد بقيت دواوين الدولة الأموية تكتب باللغة الفارسية و السريانية و ذلك حتى مجيء الخليفة الأموي عبد الملك ابن مروان الذي قام بتعريبها باقتراح من الحجاج بن يوسف الذي كلفه بالمهمة، و قد قام  بنقط حروف المصحف وإعجامه بوضع علامات الإعراب على كلماته، وذلك بعد أن انتشر التصحيف، ونُسب إليه تجزئة القرآن، ووضع إشارات تدل على نصفه و ثلثه و ربعه و خمسه، و فرض قراءة واحدة هي قراءة عثمان بن عفان، وترك غيرها من القراءات التي كانت معروفة و منتشرة آنذاك، و أنهى مهمته بأن كتب مصاحف عديدة موحدة وبعث بها إلى مختلف مناطق الإمبراطورية الأموية، و يحق لنا التساؤل عنا عن شكل و مضمون باقي المصاحف التي جمعت و أحرقت و تم تعويضها بمصحف الحجاج و عبد الملك.

مخطوطة مما يسمى بمصحف عثمان من مكتبة مسجد خاست بمدينة طشقند, أوزبكستان

من جهة أخرى و بالمفهوم الديني المطلق، تعتبر اللغة العربية لغة مقدسة منزلة من عند الله، فالقرآن في الإسلام  يتجاوز مفهوم الكتاب المقدس المتعارف عليه في الأديان الإبراهيمية، بحيث يصبح مكتوبا في اللوح المحفوظ و منزلا من السماء عبر الملاك المرسل من عند الله جبريل على محمد في إطار ما يسمى بالوحي، بل يذهب المفهوم أبعد من ذلك حين يصر على كون اللغة العربية لغة أهل الجنة في الآخرة، ويصر شيوخ و رجال الدين منذ بداية الإسلام على أن أول من نطق باللغة العربية هو إسماعيل الذي ترك لغة ابيه وفي سن الرابعة عشر بعد أن ألهمه الله هذه اللغة السماوية (مقدمة ابن خلدون الجزء الثاني، الصفحة 86 ) ويقول بعضهم أن اللغة العربية هي التي كان يتكلم بها آدم أبو البشرية، و أن الله قد علمه إياها قبل نزوله من الجنة، و هي كلها تفسيرات خرافية و غيبية ذات نزعة و توجه قومي أخرق يرتبط أساسا بالفترة التي بدأ فيها عرب الجزيرة بغزو و إحتلال شعوب المناطق المجاورة لهم، في إطار ما يسمى زورا (بالفتوحات) الإسلامية، بينما هي في حقيقة الأمر سعي وراء إنشاء و مد إمبراطورية سياسية و عسكرية.

و هذا ما ينافي العقل و المنطق السوي، و ينافي كذلك ما أوردته كتب التاريخ حول تاريخ العرب كمجموعات بشرية و قبائل موزعة بين اليمن و نجد و الحجاز، و هي بحكم تحركها و تنقلها الدائم كرحل و وقوافل تجارة بعد ذلك، إحتكت بشعوب المنطقة و من الطبيعي جدا أن تتحدث مختلف اللغات التي كانت سائدة آنذاك، و هي نفس اللغات التي وجدت عدة مفردات و كلمات من بينها وسط القرآن الذي يصر المفسرون على كونه عربيا خالصا.

مخطوطات صنعاء هي مجموعة من المخطوطات والرقائق القرآنية تبلغ حوالي 4500 مخطوطة، كتبت بالخط الكوفي والحجازي وغيرها من الخطوط غير المنقوطة، تعد من أقدم النصوص القرآنية الموجودة تم اكتشافها مع عدد من المخطوطات التاريخية في الجامع الكبير بصنعاء القديمة عام 1972

مخطوطات صنعاء هي مجموعة من المخطوطات والرقائق القرآنية تبلغ حوالي 4500 مخطوطة، كتبت بالخط الكوفي والحجازي وغيرها من الخطوط غير المنقوطة، تعد من أقدم النصوص القرآنية الموجودة تم اكتشافها مع عدد من المخطوطات التاريخية في الجامع الكبير بصنعاء القديمة عام 1972

بل إن كلمة قرآن نفسها ليست كلمة عربية في الأصل بل سريانية، و قد أخذت عن كلمة قريانا السريانية، و هي تعمي كتاب الصلوات الكنسية، و قد أخذ الإسم من اللغة السريانية، لتشابه السياق بين كتاب المسلمين المقدس و كتاب الصلوت الكنسية لدى السريان، بل حتى تسمية فرقان نفسها ليست عربية بل سريانية أيضا و تعني الخلاص بالمفهوم المسيحي الصرف، أي فداء البشرية و خطايا الناس بصلب المسيح، و كلمة سورة أيضا ليست عربية بل سريانية و أصلها شورة، و تعني : النص الديني.

مهدي بوعبيد
24/01/2016