ان المغرب ما بعد الحسن الأول فضاء صراعات، بين قوى تقليدية وقوى عصرية ،وهذا الصراع هو نتاج سياق داخلي كانت البورجوازية تخرج فيه جذورها الأولى ،في مشهد كان فيه البلاط يعيش اوجه في التخبطات حول الحكم وحول البحث عن شخصية واحدة للسلطة بالمغرب سلفية ام ليبرالية، وسياق خارجي مرتبط بمعاهدة مدريد التي كان المغرب قبل توقيعها جد تطويرها، مع تنامي غزو التجارة الأوروبية وتوسع مدها الكولونيالي في ارتباط أكيد مع الرأسمالية الأوربية والتي كانت بدورها متمسكة بحقها من الكعكة بحثا عن اسواق للتفريغ.وفي كتابه ”السلفية والوطنية” قال عبد القادر الشاوي (يمكن القول بان وفاة الحسن الأول ،كانت في اتجاه آخر -اتجاه تطور البورجوازية المغربية في أواخر القرن 19-وفاة لمشروعها المستقل في بناء دولتها العصرية المنشودة ، وبالتالي لميكانزمات التراكم الاقتصادي الخاص ،الذي كان معولا عليه ان يفتح الطريق الى هذا الاتجاه فتحا حثيثا.ومنذ ذلك الوقت أصبحت البورجوازية المغربية وفئتها التجارية العليا بخاصة، والمرتبطة عضويا بجهاز دولة بيروقراطي، تحت رحمة السيطرة الاستعمارية المالية والسياسية، بطريقة غير مباشرة أولا، ثم بطريقة مباشرة وكاملة ثانيا) وقد اختصر عبد الله العروي هذه التحولات اختصارا سياسيا بقوله : لقد أصبحت ”السلطة المخزنية”في أواخر ق19 أكثر اتوقراطية وأقل تقليدية.
لم يكن المغرب أكثر شجاعة ورصانة حتى يحافظ على الجدة المتطورة في نظامه التقليدي وذلك راجع لعاملين : داخلي والمرتبط بتطور قوى الانتاج وعلاقات الانتاج في المجتمع المغربي التقليدي ، والخارجي -الذي كسر ذلك التطور- يتعلق ببلوغ الرأسمالية الى اعلى مراحل تطورها الامبريالية. فبموت أحمد بن موسى سنة 1900 هددت فرنسا موضوعيا التماسك النسبي الذي حافظت عليه السلطة المخزنية الحاكمة وذلك من خلال التوغل في الجنوب.وكان هذا التوغل اكبر دليل لبروز اختلال عميق في بنية التحالف المعقود على صعيد المخزن. وكان وصول عبد العزيز الى الحكم وهو في عقده الثاني من العمر بداية التصدع السياسي. اما ما فرضته -حسب العروي- الاصلاحات الانجليزية لسنوات طويلة على محمد الرابع والحسن الأول (تكوين حكومة حقيقية ،تنظيم الادارة تنظيما عصويا، تحسين الشروط العامة للترتيب..)،فقد كانت اكبر نقطة سمحت بظهور معارضة دينية وسياسية كحكم مخزني مركزي آنذاك.
وجد المخزن أمامه قوتين صدعت التحالفات المعقودة على صعيده السياسي : الاستعمار وما يفرضه من تبعية سياسية واقتصادية. والجهاد كخط في النضال الوطني -الشعبي، لقد كان المخزن يواجه بعبارة أخرى مواجهة يائسة دائما قضية استمراره السياسي كنظام مستقل. لكن المخزن وجد نفسه لتحقيق ذلك عليه التعامل مع القوى الاوروبية ومصالحها الراسمالية، وفي التعامل مع الواقع المتناقض للشعب المغربي على السواء : ليبرالية مفروضة وشكلية، كطريق للسقوط في التبعية ،وتنازل مبدئي، ومتاجرة واضحة بالقضية الوطنية.
ان قيام مخزن عبد الحفيظ في صيف 1907، راجع الى مساهمة عبد العزيز انطلاقا من قبوله بمضمون الاصلاحات الاستعمارية، في تكوين معارضة راديكالية دينية وسياسية وقبلية في نفس الوقت، استطاعت ات تخترق على نفس المستوى، مواقع النظام نفسه. ولعل اقرب صورة عن الوضع المخزني، يتمثل في النشاط الذي قام به الشريف الريسوني. وفي التمرد الواسع الذي قاده بوحمارة ‘الجيلالي الزرهوني-الروكي’ ،يقول عبد القادر الشاوي ”فهو في نظر المخزن -اي الريسوني- أقرب الى الفتان منه الى المتمرد ،وأبعد ما يكون بطبيعة الحال عن المقاوم السياسي او المعارض الديني الصلب. وهذه أدوار لم يكن يعترف بها المخزن لاحد سواه، الا تحت ضغط الامر الواقع…ونظرة المخزن هذه هي التي تحكمت في علاقته بالشريف مولاي احمد الريسوني بطريقة تلفت الانتباه”.
وخلص عبد القادر الشاوي في الصراع الذي دار بين الريسوني والمخزن بعد مطاردات طويلة ، الى أن مضمون علاقة من هذا النوع، فيها طرفان يمثل كل واحد منهما دورا تحريضيا مباشرا ضد الاخر وضد ظروف المجتمع العامة، اما من موقع ضعف مكشوف وعزلة داخلية كما كان عليه الحال بالنسبة للمخزن، أو من موقع تمرد قبلي وزعامة دينية ومطامح شبه اقطاعية كما جرى للريسوني.
وسنتابع في مقالنا القادم كيف ساهم عبد الحفيظ الذي ناضل ضد الليبرالية أخيه العلوي عبد العزيز .وكيف ساهم في السقوك في عكس الاعتقاد المزعوم.والذي تخلله التحالف مع العدو وأطراف داخلية.ليرسم طريق مخزني جديد عكس فيه الصورة التي نرى بها الحكم في عهدي الحسن الثاني ومحمد السادس ملكي المغرب.