يعد الصراع بين الأجيال  سنة كونية .. صراع بين الحديث والقديم، بين المقدس واللامقدس، جيل يدعى الحكمة والمعرفة وجيل يملك الأمل والطموح والقوة لتحقيقهم، غير أنه دومًا ما يفتقد الجيل الأصغر إلى معطيات تحقيق أحلامه .. فدومًا ما يستأثر بالثروة الجيل الأكبر سنًا، بجانب أن مصادر القوة والسلطة بيده أيضًا، وحين تمر المجتمعات بأزمات يكون المتضرر الأكبر منها شريحة الشباب .. الفئة العمرية الأصغر سنًا والأضعف مقدرةً في التأثير على مجريات الأمور .. يجد هذا الجيل نفسه حاملاً لإثم لم يرتكبه ويدفع ثمن خطيئة لم يقترفها، ويظل الحلم بداخله يحاول الخروج إلى أن يصطدم بهذا الوقع المشوه.

وفي كل جيل تعيش أرواح أثيريه .. شريحة تمتلك روحانيات عالية يمتازون بفكرهم الذي يسبق –عادةً- أبناء جيلهم، ونتيجة لهذا الحس غير العادي نراهم يروا ما لا يراه غيرهم .. ويلمسوا ما تعجز أيدي غيرهم عن الوصول إليه ، وإن أرادوا التعبير عمّا رأوه ليلمسه غيرهم كي لا يعيشوا في جذر روحيه معزولة .. إزدادوا عزلة! وكأنهم في سعيهم لحل مشكلات مجتمعاتهم .. لا يجدوا سبيل للتعبير عما بداخلهم غير الأقلام والألوان .. ومن بين تلك الأقلام مدرسة فكرية في الأدب ، ظهرت في مطلع خمسينات القرن الماضي – لتمثل معاناة جيل كانت أداته الفن .. الفن الذي هو نتاج ثقافة جيل واحتكاكه المباشر بمشاكل مجتمعه

فما هي حكاية تلك المدرسة ؟؟

ظهرت أعمال فنية على المسرح الأوروبي اعتبرها جيل الآباء من المفكرين والأدباء “شذوذ أدبي”  .. وأطلقوا عليها اسم الأدب العبثي، غير أن رواد هذا الفكر لم يُكوّنوا مدرسة .. ولم يطلقوا على أنفسهم أي لقب، وما جمعهم كان ”شعورهم بالأغتراب“ .. فاشتركوا جميعًا في العزلة الاختيارية

بداية معرفتي بها من خلال قراءتي لإحدى مقالات أنيس منصور أثناء المرحلة الثانوية، وكانت تتحدث عن ظهور مدرسة جديدة فى الأدب تُسمى ( المدرسة العبثية ) ورأى الكاتب أن الإسم الأكثر ملائمة لها: مدرسة اللامعقول …

بإختصار شديد .. هى نوع من التمرد على القالب التقليدي للكتابة خاصة المسرح والرواية، أو بمعنى أدق الخروج من القولبة الأدبية والفنية

كما تطرق الكاتب في مقالته لألوان أخرى من الفن، ويعد هذا اللون الجديد من الأدب تمرد من قِبل الجيل الجديد فى وجه جيل الآباء الذى لازال يتعامل بعقلية الماضى فى الحاضر مثله كمثل من يستخدم المذياع فى زمن الــ (الثرى دي).

ذلك التمرد الذى أعتبره الكبار نوع من ”قلة الأدب“ في الغالب، في حين تعامل معه آخرون بمنطق السخرية، فوجدنا في أقلام النقاد نكهة من السخرية والرثاء على تلك الصرخة الجديدة في الأدب: ” مساكين .. اتجننوا “، ونجد – بالفعل – أن بعض من رواد مدرسة اللامعقول استخدموا طرق شاذة ومتطرفة في أعمالهم لإيصال أفكار تبدو حقيقة بلا ماهية ومشوشة .. سواء كانوا رسامين أو موسيقيين أو أدباء .. أو مصممي أزياء .. فالرسامين قاموا بخلط الألوان بعبث أو حتى إلقائها على اللوحات بطرق غاية في الشذوذ .. وأخرج الأدباء لنا رواية بغير حبكه أو نسق درامي.. كتبوا كلامًا لا يفهم عن عمد .. فنجد أبطال الرواية يتحدث كل منهم لذاته لا للآخرون .. حتى الفكر السياسي لم يسلم من هذه الموجه الجديدة .. فطالته يد العبث .. وظهر لنا فكر جديد ينتقد آراء كل المفكرين السابقين.. مثل مدرسة السياسة الجديدة (ما بعد الحداثة ) والتي هي رد على الحداثة، فكثير من المثقفين في أوربا لم يعدوا يثقوا في الحداثة السياسية والاقتصادية ونظروا للتراث بتشكك، ورأوه قوالب وضعها الأقوياء لاستغلال الضعفاء، وبالطبع لم تسلم الأديان من ذلك العبث .. فالعبث يرفض أي قوالب تقليديه يؤمن بها الأسلاف، ولو كانت من السماء!

تابع الكاتب -أنيس منصور- كلامه عن تلك المدرسة ونقل التحليلات التي حاولت تفسير ظهورها بشئ من الموضوعية أو أنها كانت  ” رد فعل “ ونتيجة للحروب الطاحنة التي مرت بها أوروبا في النصف الأول من القرن ال 19.. حربين عالميتين نتج عنهما موت الملايين دون أن يعرف أحد منهم ما سبب موته وما جناه العالم من موتهم, فالموت من أجل ”لا غاية“ عبث !!

 ولمحاولة الاقتراب أكثر من ماهية هذا الفكر .. يمكننا الاستعانة بعالم النفس النمساوي الشهير  ”سيجموند فرويد“ – مكتشف اللاشعور  - الذي قال أن معظم الأمراض النفسية والعصبية تنتج عن صدمة يكون الشعور فيها ”الوعي“ غير قادر على تحملها واستيعابها، لذا تصاب الذاكرة بما يشبه عملية تشويش ودفع لهذا الحادث ودفنه في اللاشعور، ويبدأ المريض – بعدها- يتناسى ما حدث له .. يتناسى تلك الذكرى المؤلمة،

وإن كان هذا المريض يظهر عليه من وقت لآخر أعراض مرضية مثلا لصرع .. أو الهستريا وكان الأطباء في هذا الوقت غير قادرين على تفسير أسباب الإصابة بتلك الأمراض النفسية حتى جاء ”فرويد “ وتحدث عن اللاشعور.

وإذا استخدمنا نظرية فرويد في علم النفس ، لفهم وتحليل ما أصاب مجتمعاتنا من خلل ، ربما استطعنا تفسير ما يحدث !

كل منا يتربى على مجموعة من القيم والمبادئ وحين يخرج للواقع يصطدم بحقيقة أنه عليه التنازل عن تلك المبادئ أو عن جزء منها حتى يستطيع التكيف مع ما حوله، فإن لم يستطع ذلك .. إنزوى على نفسه وأصبح منغلقًا .. فإما نجده متطرفًا في القسوة ورافض للآخر وكافر بالمجتمع ليصبح عدوانه موجه للمجتمع فنجده إما مجرمًا أو إرهابيًا، أو يهرب من ذلك بمزيد من الإنغلاق فيكون في هذه الحالة عدوانه موجه لذاته وتدميرها إما بالمخدرات أو غيرها من مستحدثات العصر

أو يلجأ مثلما ذكرنا بدايةً إلى الفن ليخرج تمرده فى حالة فنية تعبر عنه .

ومثال بسيط على ما يعتري شبابنا, أنه حين تصبح النقود دون قوة شرائية, تصير وقتها مجرد ورقة نلقيها بغير اكتراث لتتمزق على الطريق تحت أقدام العابرين, فما بالك بإنسان يجد نفسه دون قيمة داخل مجتمعه .. ألا يثور ويصرخ وقتها؟!

إذن, الأدب العبثي يا سادة لم يكن أبدًا عبث .. العبث الحقيقي في مجتمع عبثه منظم واحترافي.. عبث تشيب منه طاقات الشباب وتقتل على يده أحلامه ومواهبه