أيمن عبد الرسول

كان رائعًا وهو دومًا كذلك، الكاتب العميق لينين الرملي في مسرحيته “عفريت لكل مواطن” والتي أوجبت علينا استحضارها الآن بعد شهادة الجني المتهم بتوجيه قاضٍ محترم لقضايا فساد مالي وفي المملكة العربية السعودية، تذكَّرت المسرحية، واستنكرت ما فعله العفريت بالمواطن السعودي، وتعجَّبت أكثر من ثقة المحكمة في شهادة الجني، هل سيقول الحقيقة وهو المتهم بتسيير القاضي الملبوس به، وهل تستنطق المحكمة عفريتًا ليقول الحقيقة، مع الوضع في الاعتبار أنه عفريت.. عفريت بقى!

ولأن للعفاريت في مصرنا تراث عظيم، ولكل مواطن عفريت، لعلنا نعرف من خلال التفسير العفريتي لأزماتنا أننا 160 مليون نسمة، وهذا سر كل مآسينا، طب وقسمًا بالمرار اللي احنا طافحينه.. احنا شعب معمول له عمل، مخلينا مزدوجي المعايير، والعدد ومشكلاتنا كلها أصلها مشاركة الجن لنا كل مرافقنا، ولا يجب أن نحاكم محسن شعلان، ولا فاروق بك حسني الوزير الفنان، ولا ضباط التعذيب في الداخلية، ولا الحرس الجامعي اللي مش عايز يرحل عن جامعتنا خوفًا من “حريقة” كما قال هاني هلال وزير التعليم العالي، ولكن علينا الاعتراف بأننا شعب “ملبوس”، والجن يستخدمنا كـ”ركوبة” يقولون في ريف مصر: وركبه ستين عفريت، كأنه أتوبيس عفاريت!

الفساد الذي نتمرمغ في خيره أو قل شره لا يد لنا فيه، فالجن هو الذي يستغلنا لتحقيق أغراضنا الدنيئة، آسف لأغراضنا الدنيئة، حتى الـ”كيبوورد” الذي أدوس على أزراره الآن راكبه عفريت يأبى إلا أن أكتب الحقيقة، والحقيقة هي أننا نحن الذين سخَّرنا العفاريت لخدمة فسادنا، كلنا مفسدون فاسدون بنسبة. لم نجد شمَّاعة نعلِّق عليها فسادنا إلا الشيطان الذي هو دائمًا وأبدًا شاطر وأشطر من نوازع الخير لدينا، لذلك لديَّ اقتراح شيطاني لحل أزمة هشام طلعت مصطفى وغيره من الفسدة والقتلة، هو استنطاق أقرانهم من الجن لنعرف أنهم لم يفسدوا، وهم يفسدون، إلا بـ”وزة شيطان” من أوائل الثانوية الجنية المشتركة، ونبرئ كل قضاتنا المرتشين “ثمة عنبر في سجن القناطر المصري الشهير للقضاة المرتشين” من تهم فسادهم، ونحمل كل ضعفنا البشري أمام شهواتنا “في المال والجنس والسياسة” للجن ونعقد له محاكمة عاجلة أمام قاضي الأمور الجنية المستعجلة، بشرط واحد أن يكون هذا القاضي المقترح ملاكًا لا إنسي ولا جني!

وإذا قال تعالى في كتابه الكريم: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ” فنسأل بإيمان لم ينفذ رصيده الضعيف في قلوبنا المتشحة بالسواد، حزنًا على العباد، ما الذي جعلهم يا إلهنا يفسدون ولا يعبدون ولا يشكرون؟!

لماذا يا إلهنا الرحمن الرحيم، تحقَّقت نبوءة الملائكة الأبرار عندما قالوا: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك”؟!

يا ربنا من لنا سواك، يهودًا ومسيحيين، مسلمين وبهائيين، من يرحمنا من العفاريت الذين يلعبون ببني آدم المحتاج إلى حمايتك من نفسه الأمَّارة بالسوء، ومن مفاسده المهلكات التي نسيت “إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”؟!

وزير يُعيِّن مُدانًا في قضية إهمال لمتاحفنا مستشارًا أول، مكافأة جيدة على فساد مُقيم، وصمت عابر للضمائر، وبوساطة فجة من محاربي الفساد علنًا وهم يسهلونه ويستحلون مال الوطن ومقدراته، ويكفرون من يقول لهم أوقفوا الفساد، فمن لفاروق حسني ومحسن شعلان حتى يستغفلوا المواطنين الذين هم بفسادهم المبرَّر من أجل لقمة العيش المغموسة في الذل منشغلين؟!

من لنظام يعتقل متظاهرين لمجرد انتمائهم لجماعة محظورة، ولا يحاسب متظاهرين بالسبِّ في رمز الكنيسة الوطنية المصرية، وطائفة من المواطنين لمجرد اختلاف العقيدة، إنها لا شك مهزلة لا يد لنا فيها، فالجن الذي صُنع في مخيلتنا المعتلة هو الذي يقود المظاهرات، ويحمي رموز الفساد، ويحكمنا بالكرباج، ألسنا مركوبيه؟!

هزْل كالجد، وفسادٌ كالمد في البحر، وإيمان كالجزر ينسحب من حياتنا إلى زواياه المستنيرة، ويقولون بدلاً من أن تلعن الظلام، أوقد شمعة، وماذا تفعل شموعنا الخافتة في مواجهة الظلام الذي يغشانا ونحن لا حول لنا ولا قوة سوى هذه الكلمات التي غافلنا عفاريتنا فكتبناها، ثم ما تلبث العفاريت إلا أن ترقص فوق جثثنا العفنة، لتبرِّر فسادنا، وانتهازيتنا، وكراهيتنا لكل جميل في الحياة التي لم نعد نعرف غايتنا فيها من رأس محيانا!

حاكموا عفريت كل مواطن فاسد، وأقيموا الحكم الدستوري القانوني على الجني الذي يركبه، فالمواطن بحاجة إلى لجنة لمراقبة الجن والعفاريت، ولا نضمنها لأنها من الممكن أن تطولها حيل الجان، وتصدر الحكم على الإنسان، هذا إن كان ثمة إنسان لم يمسسه جان!

وأتذكر قول الشاعر ساخرًا ومحوّرًا بنزعة شيطانية داخلية قوله:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في “الهبالة” ينعم

مع الاعتذار للمتنبي على التحريف.. وأترككم في رعاية الله وأعود إلى عفريتي الجميل، ألم يقل لنا لينين الرملي.. عفريت لكل مواطن، وأنا ويا لضعفي وأسفي مواطن في دولة العته!

[email protected]