ورد وصف مصر ومناطقها باستمرار في أغلب كتب الرحلات العربية، فالرحالة العرب كانوا لابد أن يمروا بها بوصفها قلب الدولة الإسلامية القديمة.

اختلفت نظرة الرحالة العرب الكبار إلى مصر واختلفت حتى الرؤية التي ينظرون بها إلى مصر وكذلك محطات التأمل والتوقف في مصر.

وأتحدث عن شخصيتين يمثلان التيارين الرئيسيين لموقف الرحالة العرب من مصر وهما ابن بطوطة وناصر خسرو

فنجد مثلا أن ابن بطوطة كعادته يقف عند الغرائب والعجائب ويحبذ وصف الناس والشوارع والمنازل ويتوقف عند الآثار البائدة والحكايات الأسطورية وحواديت الناس

أما ناصر خسرو فقد زار مصر في عصر مختلف وهو العصر الفاطمي فمنه نرى ونحس كيف كان مصر حقا بالنسبة له وهو من أصل فارسي يعني من دولة حضارة (نيويورك عصره).

*ابن بطوطة والأهرام:

طبعا لم يكن شامبليون قد فك حجر رشيد بعد وكانت الأهرام بالنسبة للناس بناء مليئ بالأساطير والحكايات ونجد أن ابن بطوطة يربط الأهرام بطوفان نوح وهرمس الأول.

الحقيقة أن هناك دراسات فعلا الآن تربط هرمس (ميركور) بجيحوتي (تحوت) إله العلم والمعرفة بالنبي إدريس (أخنوخ) الوارد في الكتابات الدينية وليس محل تفصيلها الآن.

ولكن ابن بطوطة يروي أن هرمس قرر بناء الأهرام وجمع فيها كل الأسرار والعلوم والمعارف وصور الآلات وغيرها وبنى الهرم وظل الهرم مغلقا على أسراره ، وأن هرمس فعل ذلك لأنه كان يعلم أن الطوفان سيحدث فحفظ العلم البشري بهذه الطريقة.

طبعا بعد وصف الأهرام نتفهم من كلام ابن بطوطة ان أسماء خوفو وخفرع ومنكاورع لم تكن موجودة مطلقا وأن أبو الهول كان مخفيا لأن ابن بطوطة لم يذكره مطلقا.

ويحكي ابن بطوطة قصة غريبة وهي أن الخليفة المأمون العباسي قرر هدم الأهرام وأرسل إليه مشايخ مصر يحذرونه من هذا ولكنه أصر وأخذ الجنود يرمون الهرم بالمنجنيق وفتحت فتحة مازالت موجودة إلى اليوم.

*ابن بطوطة والنيل:

ينظر ابن بطوطة للنيل نظرة إعجاب ورهبة فهو عنده النهر الوحيد في العالم الذي يمكننا أن نطلق عليه لفظ بحر واستشهد بالقرآن( فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ ) فابن بطوطة يقول أن الله يسمي النيل بحرا. والمعروف أن المصريين إلى يومنا هذا يسمون النيل بحرا.

ويتعجب ابن بطوطة من أشياء لا أعرف ربما لا نتعجب منها في يومنا هذا فهو يقول:

ومجرى النيل من الجنوب إلى الشمال خلافاً لجميع الأنهار ومن عجائبه أن ابتداء زيادته في شدة الحر عند نقص الأنهار وجفوفها، وابتداء نقصه حين زيادة الأنهار وفيضها.

*ابن بطوطة والإسكندرية:

تشعر مع ابن بطوطة كما تشعر دائما مع أغلب المؤرخين منذ العصر الروماني أن الإسكندرية دولة على مدخل مصر وكما كان يقول الرومان (الإسكندرية التي بجوار مصر).

من حسن الحظ أن ابن بطوطة رأى منار الإسكندرية في اواخر عهده حتى أنه يقول أنه رآه وأحد جوانبه متهدما وفي رحلة عودته عندما مر بمصر مرة أخرى وجده قد انتهى أمره، ويعتبر ابن بطوطة المصدر الوحيد تقريبا الذي من خلاله نعرف شكل المنار في اخر أيامه.

أما عمود السواري فحكايته حكاية

ابن بطوطة يقول أنه من غرائب البلد وانه عمود هائل وسط غابة من النخل؟؟؟

أما ناصر خسرو الذي زار مصر قبل ابن بطوطة بزمن فقد كانت مصر عنده هي دولة الحضارة والتقدم وليس الحكايات فقط.

*ناصر خسرو والنيل:

استطرد ناصر خسرو في وصف فيضان النيل عن ابن بطوطة فأخبرنا أنه كان هناك موظفا راتبه ألف دينار يراقب علامات ارتفاع النيل وفي كل يوم يمشي مناد في الشوارع أن النيل زاد عدد كذا إصبع وعندما تصل ذراعا يكون وفاء النيل والإحتفال الأكبر.

ويصف ناصر خسرو منازل القاهرة بوصف عجيب لا أدري ماذا سيقول لو رأي منازل القاهرة اليوم

“”وكانت البيوت من النظافة والبهاء بحيث تقول إنها بنيت من الجواهر لا من الجص والآجر والحجارة وهي بعيدة عن بعضها فلا تنمو أشجار بيت على سور بيت آخر ويستطيع كل مالك إن يجعل ما ينبغي لبيته في كل وقت من هدم أو إصلاح دون إن يضايق جاره”".

والأعجب الأعجب أن ناصر خسرو يحدثنا عن نيويورك زمانه فيقول:

وبمصر بيوت مكونة من أربع عشرة طبقة وبيوت من سبع طبقات وسمعت من ثقات إن شخصاً غرس حديقة على سطح بيت من سبعة أدوار وحمل إليها عجلاً رباه فيها حتى كبر ونصب فيها ساقية كان هذا الثور يديرها ويرفع الماء إلى الحديقة من البئر وزرع على هذا السطح شجر النارنج والترنج والموز وغيرهما وقد أثمرت كلها كما زرع فيها الورد والريحان وأنواع الزهور الأخرى.

يا جماعة حد يصدق دة؟؟

القاهرة حقيقة والإسكندرية كانتا نيويروك وواشنطون للرحالة العرب

وانظرو ايضا كيف يصف ناصر خسرو التجار المصريين

وتجار مصر يصدقون في كل ما يبيعونه وإذا كذب أحدهم على مشتر فإنه يوضع على جمل ويعطى جرساً بيده ويطوف به في المدينة وهو يدق الجرس وينادي قائلا قد كذبت وها أنا أعاقب وكل من يقول الكذب فجزاؤه العقاب.

الجدير بالذكر أن ناصر خسرو دخل القاهرة سنة 1047 ميلاديا بالتحديد يوم 4 اغسطس يعني في عهد الخليفة الفاطمي معد المستنصر بالله.

أما ابن بطوطة فقد بدأ رحلته عام 1324 ميلادي يعني بعد 300 سنة تقريبا من ناصر خسرو

ولو قمنا بقراءة الرحلتين ثم قمنا الان بجولة في مصر لاستطعنا بسهولة عمل رسم بياني للحضارة المصرية منذ العهد الفاطمي وحتى يومنا هذا