في السابع عشر من يونيو هذا العام، دارت نقاشات بيني (عماد عسالوة) وبين بعض الزملاء عقِب حدَث الهجوم على اسطول الحرية والسفن التركية في البحر الأبيض المتوسّط، والتي كانت في طريقها إلى قطاع غزة الذي يعتبر جزءاً من المناطق الفلسطينية الواقعة تحت الحكم الذاتي الإنتقالي بقيادة شخصيات فلسطينية منتَخَبة. وقد كانت صحيفة “ميلليت” التركية قد سرّبت في الخامس عشر من الشهر نفسه عن بعض ما جرى خلف الأبواب المغلقة وفي منتدى إسطنبول الاقتصادي عن تصريحاتٍ لوزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو وعد فيها بالصلاة في المسجد الأقصى قريبًا قائلاً: “ستكون القدس قريبًا عاصمةً لفلسطين، وسنؤدي الصلاة معًا في المسجد الأقصى”، تلا ذلك أيضاً ما أوضحهُ مسئول في وزارة الخارجية التركية قول داود أوغلو قائلا: “من المعروف أن أي تركيٍّ يمكنه الآن الصلاة في المسجد الأقصى، لكن عليه الحصول على تأشيرة دخول “إسرائيلية”، وما يقصده داود أوغلو هو إقامة دولةٍ فلسطينيةٍ عاصمتها “القدس الشرقية” بحيث يذهب إليها الزعماء العرب بحرية ويصلُّون في المسجد الأقصى دون تأشيرة دخول إسرائيلية”.

قمت بتلخيص النقاش بتصرّف، من هنا بدأ النقاش: ـ

س: هذه جعجةً ، اوغلو كغيره من قادة الأنظمة العربية يتكلّم فقط.. لو كان يريد الفعل لترجم أقواله إلى أفعال تجاه اسرائيل

عماد: هو يأتي ليبيع بعد أن باعوا والناس اشترت وشبعت، فهناك تحالف تركي أمريكي في الشرق الأوسط. قبل 3 أشهر بدأو بخطط في لبنان وسوريا ووالأردن و الضفة الغربية ومصر، المشاريع الشبابية يفدون إلى تركيا عبر السفارة الأمريكية بالتعاون مع سفارات لبنان والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية … تهدف بالجذور لإعادة تحريك الوضع السياسي في الشرق الأوسط بملفّات الولايات المتحدة الأمريكية وبطرق غير مباشرة عبر برامج الأمم المتحدة والبرامج الإنمائية والبحثية المختلفة .. التأثيرات تبدأ بأعلام عربية تركية، هذه الجهات كانت من خطط لإيجاد حالة مظاهرات ثاني يوم بعد أحداث اسطول فلوتيلا. الاعلام التركية الكبيرة كانت مطبوعة بأعداد هائلة في بيروت ودمشق ورام الله وغيرها، كل ذاك مُدَبّر لرفع أسهم تركيا في الشرق الأوسط، بين طوابير العامة والقيادات الحزبية والمجتمعية الجاهلة بالألعاب السياسية.كل ذلك يحدث بمباركة اسرائيل

س: تقصدان الشعب التركي مع فلسطين، واردوغان مع فلسطين بالعلن لكن ضدها بالسر؟ التركي الذي انتخب أردوغان يعتبر ان أردوغان يمثله بما يقوم به تجاه فلسطين. ما يزعجنني، هو عدم تقدير الموقف الذاتي والتحرك حسب معطياته…الرأي السلبي على تركيا مثلا لم يبدأ إلا مع ظهور المواقف الرسمية “الإيجابية” لهذا البلد

س: موقفنا الحالي يتطلب وقفة صامدة ووحدوية، لأكبر عدد من الداعمين -بكل أنواعهم- للقضية لكل ما نراه نحن -بكل أنواعنا- عدلا وحقا

عماد: ليون تروتسكي يقول بأن الحق الوحيد في مجتمع يقوم على الاضطهاد هو حق العامل في العمل، فعندما تلعب هذه الدول في عذرية العرب، يجب أن تمسك حقّك في المشاركة السياسية والعمل وترفض كل التدخلات من قبل “الداعمين” الإمبرياليين، لأنها تدخّلات امبريالية ليست في محاولة استنهاض فكر وإرادة المواطن في دول تابعة لإرادة الـولايات المتحدة، فلو كانت محاولة استنهاض/ لماذا لم ينادي أردوغان الشعب اللبناني والشعب الفلسطيني وشعوب الشرق الأوسط عموماً، لماذا لم ينادايهم بالتحرك وفق ارادتهم ضد التابعين؟، أتظن بأن أردوغان يريد إرادة حرّة للمواطن المظلوم !؟ أم تبعية أخرى للمواطن المظلوم نحوه؟. يظن الكثير من المفكّرين العرب ان التحرّك الإعلامي الأردوغاني والنجادي يؤثر على الإرادة الحرّة للعامل والمضطهد والطالب المهمّش الواعي والبرجوازي الصغير الواعي

أما بخصوص التكتيك والاستراتيجية، من قال بان الحكومة تقوم بالتكتيك لوحدها، وان الـ3 مواطنين لا يصنعونَ تكتيكاً ؟!؟

قس ما حدث في 1917 في بتروغراد حيث رفع البلاشفة في الجيش الأحمر علم كومونة باريس وهتفو باسم كومونة باريس، ولم يهتفوا باسم “بترو غراد” لماذا؟، لأن كومونة باريس هي التي تتجدد بديالكتيكها التاريخي في وعي متطوّر، فالمنطق الشكلي للصور التاريخية ليس مهمّا بقدر أهمية ودور المنطق الديالكتي في بناء الظرف الموضوعي في المعادلة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وكما يقول هيغل في فلسفته في التاريخ بخصوص التناقضات الماديّة التي يسري بينها قانون نفي النفي: إن كل تناقض مستقل استقلالاً تاماً عما حوله من التناقضات.

من القول السابق نستنتج أنه إذا كان العاملُ في دولة ما، والذي يقوم باستراتيجيّته المستقلة المنعكسة من وعيه الديالكتي، إذا ما حاولَ مناقِضٌ آخر أن ينفيهُ ويضرب وعيه – كما هي ألعاب تركيا الإستراتيجية- ليس تطوراً جدلياً ثورياً بأن يقبل العامل ذو الوعي المادي الجدلي بأن يسلبه ذلك المُناقِض ممارسته الواعية عبر أساليب القهر والهيمنة، ويبقى العامل سعيداً مستمتعاً باغترابه التاريخي في تفاعله اليائس ديالكتيكياً الفَرِح صُوَريّاً

س: يتحدث البعض هنا بنظرية المؤامرة، وبعد قليل يصبح هناك تعصب “عربي” ضد التمدد العثماني-التركي. إن هذا التوجه موجود في الوجه الاعلامي لدى دول الانحراف العربي وهو يقول بأن تركيا تضحك على الشعب العربي، ويهدف لأن تنتسى القضية الأساس ..القضية الفلسطينية

س: لقد نسي العرب منذ زمن، العرب خارج الصراع، اليوم اللاعب الاساسي في هذه المرحلة هو تركيا

س: حتى لو كان هندوسيّاً أو نرويجيّاً هو الذي يحمل لواء القضية الفلسطينية، أريد أن امشي وراءه.. من قال لك أن الشرط الاساسي أن يكون القائد عربياً ؟

عماد

أولاً
أنت ترفض “نظرية المؤامرة” وأشك انك تعيها، لأنك استخدمت نفس الدليل في “نظرية المؤامرة” بقولك “التوجه موجود في الوجه الاعلامي لدى دول الانحراف العربي، وهو يقول بأن تركيا تضحك على الشعب العربي”. نظرية المؤامرة الكل يهتف بها أو يهتف ضدها ويظن ان المؤامرة شيء مخفي فننبشه من الداخل، دون أن يعرف منهجية وأصول النظرية، ولم يقرأ الأسس الفكرية والفلسفية للنظرية في الفكر السياسي عند مفكّرين كبار مثل جان بودريار

ثانياً
تقول أنه حتى “لو كان هندوسيّاً أو نرويجيّاً هو الذي يحمل لواء القضية الفلسطينية، أريد أن امشي وراءه.. من قال لك أن الشرط الاساسي أن يكون القائد عربياً”،

ليس من الحكمة ولا من الوعي أن تقول ذلك ، فقد يعيّنوا لك جاسوساً ابن مناضل ماركسي، صديق مرشد أعلى، ويهتف لفلسطين والتحرير والكفاح المسلّح، وتاريخه ناصع إما بالقرآن أو بالعمل الشيوعي والشعب الجاهل بقياداته الجاهله يؤلّهونه ويتبعونه. إن كنتم أيها الزملاء والأصدقاء تظنّون أن هذا غريب.. أقرأو لـ”آرثر كويستلر” ما تيسّر من مذكرات في كتاب “الخمور الفكرية” أو “القومسيار” أو “ظلام في الظهيرة” لتدركوا خطر قبول النفي الهيغلي للموضوع التاريخي فيما يتعلق بالتدخلات والأحلاف الدولية

يجب أن نكون ضد التبعية للشعار، بل مع الوعي والإرادة الحرة للجماهير، لأن التبعية للقائد دون التحقيق في عذريته.. هو من نظام القبيلة، ونظام القبيلة ليس له جدلية مادية ثورية في الظاهرة/الحادثة التاريخية. انظروا إلى ما يفعلهُ أردوغان في كردستان

س: إن لتغيّر على صعيد السياسة التركية ليس لعبة، أنتم تقولون بأن لتركيا مصالح شخصية في تدخلاتها حول غزة، وهذه المطالب من بينها فكّ الحصار عن غزّة، أهل يُعقَل أن نقول للأتراك “لا نريد مساعدتكم”. لقد دخل الأتراك في السياسة الشرق أوسطية لدعم القضية الفلسطينية وسقط منهم الشهداء والجرحى، فالشعب بأغلبه داعم للمقاومة الفلسطينية. لماذا نعاديه بدلاً من أن نستفيد منهُ ضد مصالح إسرائيل. أما “الأحرار الكردستانيين” الذين ذكرتهم هؤلاء يريدون تفكيك وحدة بلادنا وبناء وطنهم، وأنا لا أؤيّد هكذا حركات انفصاليّة، فتصبح أخطر من تركيا علينا ..

عماد:
يبدو يا أخي في الله أنك لا تعرف تفاصيل بخصوص الإستراتيجية التركية الإسرائيلية الأمريكية تجاه شمال العراق والإقليم الكردستاني، لذا ينبغي التوضيح:

أولاً: الخطط الإسرائيلية التركية في الشرق الأوسط، خصوصاً شمال العراق:

هناك خطة لا يمكن تجاهلها بين اسرائيل وتركيا لإقامة “منطقة أمنية” في شمال العراق، وهذه الخطة في صياغتها الأولى “منطقة عازلة” تشكل امتداداً لسياسة اسرائيل في التعامل مع جنوب لبنان “الحزام الأمني”، كما أن تركيا وافقت عليها في صياغتها الثانية المعدّلة باسم “منطقة خطورة مؤقتة-أنشطة استخبارية وأمنية” كي تستفيد من هذه المنطقة التعاونية مع اسرائيل في خبراتها الأمنية والتجسسية خاصة في مجال تفكيك الدول العربية في الشرق الأوسط، وفي مجال السعي لتجزئة المجزّأ وتقسيم المقسّم وفكفكة ما تبقّى.
وفي سياق هذا التعاون قامت حبيبتكم تركيّا بتوقيع اتفاق “التعاون في مجال مكافحة الإرهاب” مع إسرائيل بتاريخ تشرين ثاني/نوفمبر 1994.

++ اتفاق “تعاون عسكري” أبرمتهُ تركيا في شباط فبراير 1996. والسيد النبيل أردوغان مستمر في دعم المقاومة الفلسطينية عبر المايك
لا يخفى على أحد أن لإسرائيل ارتباطات عديدة بفصائل كردية وعراقية، وهذا ضمن إطار سياستها الداعمة للحركات الطائفية والانفصالية. ليس فقط كردية وعراقية، بل وأيضاً فلسطينية ولبنانية و……. إلخ.

ثانياً: الخطط التركية مع الولايات المتحدة الأمريكية في شمال العراق

في 10/9/1996.. “كريستوفر بحث هاتفياً مع تشيللر خطة أنقرة لإقامة حزام أمني شمال العراق، وأنها أبلغته أن الإجراء التركي سيكون محدوداً ولن يتم بموجبه وضع أي قوات بصفة دائمة في شمال العراق، وعلى هذا الأساس أبدت واشنطن تأييدها لإقامة المنطقة العازلة في شمال العراق” (الأهرام، 11/9/1996،ص1)

وللعلم:
كريستوفر: وزير الخارجية الأمريكي.
تشيللر: ” تانسو تشيللر ” عميل سي آي إيه ورئيس وزارة تركية. حبّذا لو تقرأون تحليل لأوجلان في الرابط أدناهُ، حول تشيللر واختراقات الـسي آي إيه للوزارات التركية والحكومة التركية

http://www.gemyakurda.net/modules.ph…rint&sid=25289

هذا ليس بعيداً عن المصالح النفطية، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تكن لعنت أمن العراق تماماً بعد، فتأييد تركيا لواشنطن في اقتراحها، يدعم حصار العراق، من خلال سهر تركيا على منطقتي “الحظر الجوي” في الشمال و”المنطقة الأمنية التركية” في الجنوب .. التي تم توسيعها إلى أقرب مشارف ضواحي بغداد الجنوبية حفاظاً على المصالح النفطية في بلدان الخليج العربي.. وهنا، وفق هذا الاتصال الهاتفي، تعطي واشنطن الأوامر والضوء الأخضر لتركيا كي تتحرك عسكرياً لاحتلال جزء من شمال العراق بحجة إقامة “منطقة أمنية عازلة لمواجهة هجمات متمرديها الأكراد، وهو بذاته نفس موقفها المساند لإسرائيل في احتلالها جزءاً من جنوب لبنان باسم “الضرورات الأمنية”. كل هذا أيضاً كي تحصل تركياً على أغذية ديمقراطية تمكّنها من الجلوس على كرسي الاتحاد الأوروبي. فصحّة إلى تركياً !. وصحّة إلى الشعب العربي الأصيل !.

تحيا سياسة السي أي إيه التركية لدعم المقاومة الفلسطينية عبر شاشات التلفاز!

والسؤال الذي يطرح نفسه، هل قام السيد أردوغان، العثماني المسلم، بإعادة التفاوض على هذه المواثيق العسكرية، بعد حرب غزة، ؟؟ أين؟
نحن لم نتحدث حتى الآن عن صفقات الأسلحة ووبرامج المناورات المسلحة المشتركة بين اسرائيل وتركيا والولايات المتحدة..

وزيادة على ما سبق، سأورد ما ذكره الكاتب أحمد الخطواني في مدونته:

“حكومة أردوغان في المواقف الحاسمة تدعم (اسرائيل )
بالرغم من التهويش الاعلامي الذي تقوم به الحكومة التركية ضد (اسرائيل) إلاّ أنها في المواقف الحاسمة تقف إلى جانب (اسرائيل) فمثلاً نجحت (إسرائيل) في الانضمام إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بعد أن وافقت جميع الأعضاء الثلاثين في المنظمة بما فيها تركيا على انضمام (إسرائيل) إليها.
ومن المعلوم بحسب قانون المنظمة أن بإمكان أي دولة عضو في المنظمة الحيلولة دون إدخال (إسرائيل) إليها بمجرد اعتراضها على منحها العضوية لأي سبب تراه يُؤثر على مصالحها، لكن أياً من الدول الأعضاء بما فيها تركيا لم تمارس حقها في الاعتراض ووافقت جميعها بالإجماع على قبولها فيها عضواً جديداً له كامل المزايا كسائر الأعضاء الآخرين.
ومن أهم مزايا العضوية في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية نقل الخبرة التكنولوجية في مجالات عديدة إلى أعضائها، ومنها أيضاً تسهيل دخول الاستثمارات الضخمة إلى الأعضاء الجدد.
لقد انضمت (إسرائيل) إلى هذه المنظمة التي تجمع الدول الصناعية المتقدمة في الوقت الذي تقف فيه دولاً صناعية كبرى على أبواب المنظمة منذ سنوات عاجزة عن دخولها كالصين وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا.
وتتوقع (إسرائيل) بعد انضمامها للمنظمة جذب أكثر من خمسة مليارات دولار من الاستثمارات إليها في أقرب وقت ممكن فضلاً عن تلقيها معرفة تكنولوجية صناعية جديدة.
إن دخول (إسرائيل) إلى هذه المنظمة لا شك بأنه يُكسبها بالإضافة إلى الفوائد الاقتصادية الكبيرة فوائد سياسية جمة ليس أقلها منحها الحق في منع دخول أعضاء جدد إلى المنظمة، وهو ما يمنحها المزيد من الثقل السياسي الدولي.
لقد كانت الفرصة مواتية جداً لحكومة أردوغان في تركيا أن تُمارس حقها في منع (إسرائيل) من دخول هذه المنظمة المهمة، إلا أنها وللأسف الشديد ضيَّعت هذه الفرصة، ومكَّنت (إسرائيل) من الدخول إليها، وبالتالي من زيادة قوتها في المنطقة وفي العالم.
وادعت حكومة أردوغان بأنها إنما سمحت (لإسرائيل) بالدخول إلى المنظمة بسبب تعرض الحكومة التركية لضغوط أمريكية قوية لم تستطع مقاومتها.
فلو كانت حكومة أردوغان تملك قرارها بيدها لرفضت تلك الضغوط بكل إصرار، ولكنها بإذعانها للضغوط الأمريكية تُثبت مرة أخرى بأنها مجرد حكومة عميلة وتابعة لأمريكا، وأن كل ما يصدر عنها من جعجعات ضد (إسرائيل) هو مجرد شعارات جوفاء لا تؤثر في إضعاف قوة الدولة اليهودية، وأما المواقف الحقيقية المؤثرة لحكومة أردوغان والتي لها صلة (بإسرائيل) فهي دائماً تصب في مصلحة الدولة اليهودية .”

انتهى النقاش