لم تكن اوربا الغربية لتستطع ان تبلغ ذروة نهضتها الحضارية في القرن العشرين الا بعد ان ارست مبدأ في منتهى الأهمية و هو إعتبار أن الفرد ( الانسان ) هو البنية الأساسية للمجتمع . حيث الفرد المجرد هو النواة الأولى للمجتمع و ليس الأسرة

و من جهة أخرى فعلى سبيل المثال إذا نظرنا إلى دستور المملكة العربية السعودية كمثال للواقع العربي  – الباب الثالث / المادة رقم 9 – سنجد تعريف آخر لنواة المجتمع  ينص على أن
.. الأسرة هي نواة المجتمع السعودي . و يربى أفرادها على أساس العقيدة الإسلامية

نحن إذن بين مجتمع ينظر إلى ( الفرد ) كقيمة تستحق أن تكون النواة الأساسية التي يُبنى عليها المجتمع ذاته و آخر ينظر إلى ( الأسرة ) كالنواة الأولى للمجتمع و يتضائل مع هذا التصور قيم الفردية و التفرد و الحرية الشخصية ما لم يكون ذلك ضمن النطاق الضيق المقبول من ( الأسرة ) و ما تمثله الأسرة من عرف و أيدولوجية و ثقافة سائدة
و محنة الملحد العربي – بل و الأقليات العربية كلها ( الدينية و العرقية و الفكرية و السياسية ) – تئن تحت ثقل تلك النظرة التي تهتم بالحفاظ على وحدة الأسرة كقيمة موازية لقيمة القبيلة أو الأغلبية المتسلطة على حساب قيمة الفرد و حريته

من هو الملحد العربي ؟
أتكلم هنا عن اللادينيين و الملحدين العرب بكل فروعهم و تفرعاتهم تحت مصطلح ( الملحد العربي ) لمجرد التبسيط دون الدخول في التفاصيل العقائدية لمعتقداتهم لأن إهتمامي الآن بالأكثر هو بأحوالهم و ليس بمعتقداتهم ذاتها ، لذلك فالملحد الذي لا يؤمن بوجود إله أو ذلك الذي يؤمن بوجود إله و لكنه لا يؤمن بأي دين من الأديان و اللاأدريين و بعض الوثنيين : سأطلق عليهم جميعاً هنا مصطلح ” الملحد العربي ” مع علمي التام بقصوره في توصيف جميع الحالات

حياة مستحيلة
البحث عن إعتراف المجتمع بوجودها يصبح بديهياً من أهم أولويات أي أقلية، فأنت لن تستطيع أن تطالب بحقوقك ما لم يعترف المجتمع أولاً بوجودك
لكن المشكلة هنا أنك – كأقلية – تغرد خارج السرب ( الأسرة ) في محيط لا يقبل الآخر و لا يستمع إلى الغناء المنفرد بل و في حالة مثل هذه يصبح تفردك جناية يعاقبك عليها القانون و عار يرفضه المجتمع الذي يتجه بسرعة إلى تبني رؤية متطرفة للدين
فالملحد العربي إذا تمكن من إحتمال العار الذي يوصمه به المجتمع سيقع حتماً تحت طائلة القانون الذي سيطلب منه أوراق ثبوتية تحمل خانة الديانة و مدارس تطلب منه أن يجلس في حصة الدين  بل قد يصل الأمر إلى أن يرفع عليه أحدهم قضية حسبة و يتهمه بالكفر فيخسر عمله و تفصله المحكمة عن زوجته على أساس أنه لا يجوز للمسلمة الزواج من غير المسلم كما حدث مع الدكتور نصر حامد أبو زيد
بإختصار الحياة بالنسبة للملحد العربي يتفق القانون و المجتمع على جعلها مستحيلة

الحياة الإفتراضية لا تزال ممكنة
مع إستحالة الحياة الواقعية بالنسبة للملحد العربي نكتشف زيادة ملحوظة في المواقع و المنتديات و المدونات التي تتبنى الأفكار الإلحادية على الواقع الإفتراضي ، فالإنترنت توفر لمستخدميها مساحة كبيرة من الحرية لطرح مختلف الآراء و الأفكار و لو تحت أسماء مستعارة لا تكشف هويات أصحابها الحقيقية
فالملحدة صاحبة المدونة الفلانية ذات التوجه الإلحادي ربما تكون فتاة مُحجبة تمارس مع أسرتها جميع الأنشطة الدينية التي يراها الأهل ضرورية لأنها تعيش في مجتمع تعرف جيداً أنه لن يقبل إختلافها عن أعراف ” الأسرة ” أو القبيلة و لكنها لا تستطيع أن تعبر عن نفسها بحرية إلا عبر إسم مستعار يمنحها بعض الأمان و الحرية على صفحات الشبكة العنكبوتية، و هي حقيقة بغيضة ربما تفسر لماذا يبدو بعض الملحدين العرب على الشبكة العنكبوتية أكثر تعصباً للإلحاد و كرهاً للأديان التي تشكل خلفياتهم الحقيقية من الملحدين الغربيين الذين لا تقمعهم مجتمعاتهم و تجرم أفكارهم و عقائدهم

الحل
الحل – من وجهة نظري – يعتمد على إصلاح نظرة الدولة و الدستور للفرد و إعتباره النواة الأساسية للمجتمع كله و الإعتراف به كقيمة تستحق أن تُمنح حرية كاملة مع الحفاظ بالطبع على مبدأ ( حريتك تنتهي حين تبدأ حريتي ) و المعنى ليس حريات محدودة و لكن حريات متجاورة متصالحة مع نفسها و مع الآخر المختلف . و إستبدال المفاهيم القبلية بمفهوم المواطنة حيث تلتزم الدولة بالمساواة في الحقوق و الواجبات بين مواطنيها جميعاً على إختلاف خلفياتهم دون تمييز
و ( الأسرة ) العربية أو المجتمع العربي ذاته عليه أن يقطع شوطاً كبيراً إن أراد اللحاق بركب الإنسانية عبر نبذ الرؤية المتطرفة للدين لأنها لن توصله إلى أي مكان إلا إلى مزيد من التطرف و الكراهية و الإنغلاق على الذات ، عليه أن يقبل الآخر المختلف لأن المجتمعات الثرية هي المجتمعات التي يدخل في نسيجها الواحد العديد من التيارات المتباينة المتسالمة مع بعضها ، المجتمع الثري هو الذي يعرف أن الإختلاف لا يؤدي بالضرورة إلى الخلاف
—————