إن الإسلامي هو الشخص الوحيد في هذا العالم الذي عندما يريد التحدث عن ماهية الأخلاق أو مناقشة شموليتها في المفهوم الإنساني، قد تجده يتساءل و بكل جدية عن مدى أخلاقية تصرف طبيعي بل مثل غسل اليدين بالصابون، ربما لأن هذا التصرف قد يتسبب بقتل البكتيريا و الكيكروبات الضارة التي تكون عادة على اليدين، لأنها في النهاية كائنات حية فبأي حق نقرر قتلها دون نص شرعي يبيح لنا ذلك … ؟؟!!بينما سوف تجده على إستعداد تام لتطبيق أحكام آيات السيف  و القتل و قطع الرؤوس و فلق الهامات دون حتى أن يرف له رمش، لماذا في رأيكم، لأن و بكل بساطة إنسان جامد العقل، متبلد المشاعر، تربى على الجمود و الخنوع و الزئبقية في المواقف، فلا يرى أية قيمة أخلاقية أو إنسانية في ما تفرضه الفطرة البشرية السوية في التعامل ما بين البشر، لأنها تتحرك خارج إطار منظومة دينه و ما يفرضه عليه من ضرورة الإلتزام بالنصوص المقدسة كما هي، دون جدال أو نقاش حتى في أدنى المستويات.

فهو حتى عندما يتشبث بمفهوم أخلاقي ما يأمره به الدين (مساعدة الفقراء و المحرومين، إيتاء الصدقة أو الزكاة) فهو لا يفعل ذلك بتجرد إنساني أو بدافع السعي وراء نشر الخير و الرحمة بين بني البشر، بل يبقى دافعه الأول و الأخير هو تلك المكافأة الإلهية التي يخاف أن تضيع عليه، ذلك البيت الفخم في جنة النكاح الأبدي مع الحور العين، أي أن مفهوم الأخلاق و القيم النبيلة لديه مرتبط شرطيا بدوافع غرائزية و جسدية بحتة، حتى أن عقله عاجز تماما عن تخيل ما يسميه الدار الآخرة أو عالم ما بعد الموت، خارج مشهد أبدي سرمدي من الإشباع الدائم و المتواصل لشهواته و إستيهاماته، أو كما تقول بعض الأحاديث ” بذكر لا ينثني و لذة لا تنقطع .. “، فكيف يمكنك أن تتوقع أية نزعة إنسانية ممن يؤمن بأن الله سوف يكافئه بماخور شرعي في يوم القيامة، بل كيف تتوقع منه أن يتردد في ضرب رقاب الكفار و المخالفين و سلب و نهب أملاكهم و إسترقاق نسائهم و أطفالهم، فهو لن يرى أية غضاضة في ذلك، بل لن يتحرك ضميره حتى برجفة خافتة، ما دام دينه يحضه على القيام بذلك و يبالغ في وصف المكافآت السخية و الأبدية في الحياة الآخرة، إن هو إمتثل لتلك الأوامر دون مناقشة أو جدال.

إن هذا الدين الذي يزعم أنه قد جاء ليتم مكارم الأخلاق، و يتخذ لنفسه حق تحديد ماهيتها و الشكل الذي يجب أن تكون عليه، و يعتبر رؤيته للأخلاق مهمته المقدسة التي أخرج بها العباد من ظلمات الوثنية إلى نور الرحمة و القيم النبيلة، هذا الدين لم يفلح حتى في إلغاء الرق و العبودية، و هي أبشع الشرور التي إبتدعها البشر للتسلط على الضعفاء بينهم، أحيانا بإسم العنصرية العرقية و أحيانا كثيرة بإسم الحق الإلهي في إستعباد من لا يشاركك نفس الدين و المعتقد، لأن كفره ينزله من مرتبة الإنسانية و يفقده حقوقه الأساسية كإنسان، و سيقول قائل إن العبودية و الرق هما إرث إنساني قديم، مارسه البشر فيما بينهم منذ القدم و قبل مجيء الإنسان و أن الإسلام لم يكن يستطيع تحرير العبيد هكذا لدورهم في النسيج الإقتصادي للمجتمع آنذاك، لكن مهلا، نحن نتحدث عن شرائع و قراءة إلهية لمفهوم الأخلاق، أليس من الجدير بها أن تتجاوز حدود ما أنتجه الإنسان من شرور، و كيف بدين لا يستطيع تحرير البشر من العبودية و الرق، بل و يشرع هذا الوضع الظالم و يعتبره أمرا حلال و مقبولا تماما و بالنص المقدس، كيف يمكن له أن يدعي كونه متمما لمكارم الأخلاق، لو أخذت هذا الأمر من جهة القيم النبيلة و نشر الرحمة و الخير بين البشر، لكنت أكن من الإحترام للرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن، أكثر مما أكنه للبشرية جمعاء، كيف لا و قد نجح فيما فشل فيه دين سماوي منزل من عند الله من فوق سبع سماوات … !!

إن القيم النبيلة و الأخلاق كما تتعارف و تتفق حولها البشرية اليوم ليست إلا نتاجا لسيرورة طويلة تتكون من مراحل فكرية و معرفية و فلسفية عديدة، إستطاعت عبرها البشرية أن تتطور من حالة الهمجية المطلقة إلى مفاهيم إنسانية راقية تراعي و تحترم أبسط حقوق الإنسان كيفما كان وضعه أو جنسه أو لونه أو دينه، إنها قضية تطور متواصل لم يتوقف و لو لحظة واحدة طوال آلاف السنين، لينتج لنا الصورة الإيجابية و الإنسانية التي نعيشها اليوم.

بينما على الجهة المقابلة بقيت الأديان و خاصة منها الإسلام  جامدة و أسيرة حالة الإرتباط المرضي بمفاهيم بالية و عقيمة مثل الحلال و الحرام، بحيث لا تستطيع قراءة العالم أو التعامل مع مكوناته إلا عبر هاته القنوات الصدئة، و مهما تطورت و تقدمت الإنسانية إلى الأمام، سوف تجد أتباع الأديان عاجزين عن التقدم خطوة واحدة للأمام دون العودة لنفس الأدوات البالية و العقيمة التي سوف يستخدمونها لقراءة و فهم التطور بمنطق الحلال و الحرام.

و في الوقت الذي يهتم فيه العالم المتحضر بمسألة شمولية الأخلاق و ضرورة تأكيدها و التعامل عبرها مع البشر أيا كان موقعهم الإجتماعي أو السياسي أو انتماءهم العرقي أو الإثني، ترى المسلم مثلا ينظر للعالم من داخل فقاعة الإيمان و الكفر، فتجده عاجزا عن إستيعاب هذا المفهوم الإنساني إلا من خلال رؤيته الضيقة و الشديدة المركزية للعالم الذي يحيط به، فهو مستعد للقبول بجرائم و فظاعات لم يعد لها مكان في عالم اليوم، (الغزو، السلب، النهب، الغنيمة، الفيء، الرق، العبودية، زواج الأطفال، قتل المرتد … )، و رغم كون هاته الأفعال مجرمة و مرفوضة بكل الأعراف و القوانين و المفاهيم الإنسانية في العالم بأسره، فهو على إستعداد تام دائم للدفاع عنها بكل الوسائل، بل و حتى ممارستها إن توافرت له الفرصة المواتية عبر التمكين في الأرض (ألم تعد داعش اليوم مفهوم السبي إلى الحياة كما كان عليه الأمر قبل 1400 سنة).

لذلك علينا أن نكون واقعيين بما يكفي اليوم للإعتراف بأن الإنتصار للإنسانية لن يتحقق إلا بتحطيم هاته الفقاعة السخيفة و المخزية، و إلى الأبد.

مهدي بوعبيد
17/07/2015