ولكن لماذا جمع النص رجل مع المرأتان ؟ لماذا لم يكتفي بالمرأتان ؟ لماذا لم يقل رجل وأمرأة واحدة فقط ؟ أو حتي لماذا لم يأتي بأربعة نساء ليكون الرجل بأثنتيين ؟
وللأجابة علينا أن نوضح الآتي ، فكما أسلفنا الذكر بأن الرجل في الجاهلية علي دراية أكبر بالتجارة من المرأة ،فأن صاحب الحق أن لم يجد رجلين يرضي عن شهادتهما ورأي أن يشهد أمرأتان أعتمادا علي رجاحة عقولهم وحسن موازنتهم للأمور  و أما الرجل فلأن شهادته من باب العلم بالبيع والعقود لأنه يمارسها ، فلأنه حتي وأن وجد العقل لابد من العلم والمعرفة حتي نأخذ القرار الصائب ، ولهذا لا نكتفي بأمرأتان إذا كان لا يتوفر لهما العلم بالتجارة والبيع والعقود ،فأصبح أمام صاحب الحق حق الاختيار لما يراه مناسب بحيث يجتمع له في النهاية شهادة كاملة من حيث النضج ورجاحة العقل ومن حيث العلم والمعرفة والخبرة مجتمعين معا وهذا في قوله ” ممن ترضون من الشهداء ” وقد ذهب بعض الفقهاء لقول أن الرضي يكون من جانب الأمة والناس فلربما أتي صاحب العقد بشهود لمصلحته هو وليس لمصلحة الشهادة ذاتها فيكون هنا رضي الناس عن رجاحة عقول تلك المرأتان وحسن أرائهم هو الحجة عليهم ولكن لنقصان العلم والمعرفة لم يكتفي بهما.

أما قوله تعالي ” أن تضل أحداهما فتذكر أحداهما الأخري ” بعد أن ذكر ” ممن ترضون من الشهداء ” ليوضح لماذا لا نكتفي بشهادة أمرأة واحدة مع الرجل ونعتمد علي رؤيتها ورجاحة عقلها في موازنة الأمور وذلك لأن تلك المرأة ليس لديها من العلم والخبرة بأمور البيع وأسراره وخباياه وبالتالي فأن الأعتماد علي عقل ورؤية نظر واحدة قد تضل وتخطأ فلنأتي برؤية وعقل ثان ليذكر ذلك العقل الأول ولزيادة التوضيح فلنعرف ، أن كلمة تضل ليس عكسها كلمة تذكر فالتذكر خلاف النسيان أما الضلال فهو خداع وتشوش في الأدراك وقد تزاوجت الكلمتان في قوله ” لا يضل ربي ولا ينسي ” ، فلو أراد النسيان لقال أن تنسي ، فنسي تدل علي أنتفاء أستحضار المعلومة عند لزومها أما ضل فهو فعل سلوكي مخالف للواقع يصدر من أعتقاد دون قيام البرهان عليه أو التأكد من صحته ، لذلك الإنسان الضال يحاسب عن سلوكه بخلاف الإنسان الناسي ، فيكون المقصد من النص ” أن تضل أحداهما ” هو تصور المرأة للحدث بصورة مخالفة للواقع وتعتقد صحة ذلك الأمر دون برهان لأن البرهان هو العلم والخبرة بالتجارة وهو ما ليس لها وهذه الصفة أي الضلال كما وضحنا أكتسابية وذلك راجع لثقافة المجتمع وتنشئة المرأة في ذلك العصر بعيدا عن أمور البيع وخلافه ، فجاءت المرأة الثانية حيطة أخري من تحريف الشهادة وخشية الاشتباه وعصمة للأولي من الزلل والخطأ ،ومن هنا نقول أنه لو امتلكت المرأة الخبرة والحنكة في المعاملات التجارية وأستطاعت الفهم لنصوص العقد من حيث تلك الخبرة التي لديها لأكتفينا بأمرأة واحدة وهذا ما قد ذهب إليه قول الأمام أحمد ابن حنبل ( أن شهادة الرجل تعدل شهادة أمرأتين فيما هو أكثر خبرة فيه ، وأن شهادة المرأة تعدل شهادة رجلين فيما هي أكثر خبرة فيه من الرجل ) .

و للأثبات علي هذا المعني والمقصد لم يقل النص القرآني ( فتذكرها الأخري ) وأنما قال ” فتذكر أحداهما الأخري ” ، فهو تبادل لوجهات النظر والرؤية للأمر للعودة إلي الأمر الصحيح والحق فهي لم تنس بل ضلت بسبب عدم خبرتها وربما ألتبس عليها الأمر ، ولكن لماذا لم يقل ” أن تضل … فتهدي …” وهذا لأن ضلالها جاء لعدم خبرتها وعلمها فالضلال هنا ليس عن قصد ولكنه من عدم علم فوجب التذكير لا الهداية .

ومما أسلفنا الذكر نستطيع الفهم لماذا لم يأتي بأربعة نساء شهود أستبدال للرجل بأمرأتين كما أدعي البعض ، فقولهم هذا جاء من فهم عقيم من المجتمع الذكوري ، فهو من جعل المرأة متهمة وأقام لها محكمة باطلة والمضحك أنه وقف يدافع عن ذلك ويدعي أنه يدافع عنها ، لا ألوم السابقين ولكن ما بال رجال الدين في وقتنا الحاضر صامتون ولا يجددون ولا يفقهون ولكن ماذا أقول غير أن كل أناء ينضح بما فيه .

فهؤلاء أصحاب الفكر الذكوري وأتهامهم الباطل للمرأة و أتخاذهم من النص القرآني ” أن تضل أحداهما فتذكر أحداهما الأخري ” حجتهم القرآنية علي نقص عقول النساء ،فهم أقتطعوا النص من سياقه وحملوه ما ليس فيه من معاني ، ففهمنا الذي أوضحناه بالشرح أن هذا النص حجة للمرأة لا عليها ، فدعونا نراجع رؤيتنا للآية ، فالله يخبر المؤمنين بحرية الاختيار لما يناسبهم من الشهود  علي عقد البيع ولأنه سبحانه هو الحكيم والعليم حدد أنسب وأفضل الشهود فأنه لم يختار ثلاث رجال شهود مثلا وأن لم يوجد فرجلين ولكنه حدد أفضلية رجل وأمرأتان علي رجلين وحجته في ذلك عقل المرأتان ، ولنبين ذلك  سنأخذ مثال مشابه في واقع الحياة فأذا أتي أحدهم بمحامي وطلب منه النصيحة والأستشارة في أمر معين ولأن المحامي علي علم واسع بهذا الأمر الذي  يسأل عنه وأمامه أختيارات كثيرة ليحفظ بها الحق ولكنه أخبر السائل بطريقين فقط فالطبيعي أن نفكر في أن المحامي أختار أفضل وأنسب الطرق التي تصلح مع ظروف السائل ، لا أن نفكر أنه أختار طريقين وأحدهم به قلق فجعل المحامي يطمئن السائل لأنه المتوقع هنا أن السائل سيبتعد عن الطريق الذي به قلق ولهذا فلما سيختار الله طريق ويضطر إلي توضيحه وينتقل من الهدف الأساسي وهو حفظ الحقوق ليناقش مسألة شهادة المرأة أم الرجل وهو في غني عن كل ذلك وأمامه ملايين الحلول فالمسألة كلها أحتمالات وهو أوجد أضمن هذه الأحتمالات والحلول .

ومما سبق فأن حجتهم بأن الأختلافات البيولوجية والنفسية التي تحدث للمرأة أثناء الحيض تعيق عليها حواس الأدراك الكامل لديها وأن طبيعتها تغلب عليها العاطفية في أصدار الأحكام و أقول إلا يمكن أن يتفق زمن الحيض عند كلتا المرأتان فتتذبذب بينهما الشهادة ويدحض في دقتها ويكون الأولي عدم الأخذ بها مطلقا ، فأذن لماذا لم يقل ثلاث نساء حتي يكون أحتمال العاطفة والحيض ضئيلا جدا ، أما قولهم بأن المرأة لديها ضعف في الذاكرة كطبيعة خلقت بها تمنعها من تذكر حدث قد يحدث ويطلب فيه شهادتها هذا كلام غير قابل للنقاش من حيث أنه أقل من أن أصفه بالهراء ، وإذا تبنينا هذا القول فأذن لا يجب علي المرأة أن تعمل مطلقا فأي عمل سيفسد إذا كان صاحبه غبش في الأدراك وسوء في التذكر إلا أعمال ذوي الأحتياجات الخاصة أو لعلك تظن أنها من ذوي الأحتياجات الخاصة ،وكأنك تقول أن المرأة ناقصة التكوين عن الرجل والنص القرآني صريح بأن خلق الإنسان علي أحسن تقويم ، وأتخذوا من حكمة الله في خلق المرأة هكذا بأدانة عليها ، فشوه هذا الفكر الذكوري مجتمعاتنا وأفكارنا وأخرجونا من الحكمة الألهية ليحبسونا في ركن مظلم من أفكارهم تلك ، وأبعدونا عن مقاصد النص إلي مقاصدهم المريضة فالآية واضحة المعني فهي تبين اختلاف الاهتمامات بين الرجل والمرأة والتي يساهم المجتمع والثقافة في تقريب هذه الأهتمامات أو أبعادها ، كما أنه السبب في رفع المستوي العقلي والتفكيري لأحداهما دون الآخر ، فهذه الأمور مرتهنة بالثقافة التي تحكم المجتمع ، ولا أجد فيه ما يسحبنا إلي قول إن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل كما يدعون وكما عمموه علي بقية الشهادات رغم أن الآية حالة خاصة وهي الشهادة الوحيدة التي تم فيها ذكر نوع جنس الشاهد ولقد أوضحنا لماذا ذكر ذلك وما به من حكمة فالمرأة كشاهدة مثلها مثل الرجل عليها ما عليه من واجب الشهادة ولا فضل لأحداهما علي الآخر إلا برجاحة العقل والخبرة والعلم لا بالنوع .

نحن لا نهاجم السابقين بل لهم الاحترام لسعيهم للفهم ومجهودهم ولكن أليس لنا حق الأجتهاد لفهم قرآننا مثلهم ، نحن لا نرفض كل ما قالوا ولا نقبل أيضا كل ما قالوا ، نحن نمحص كل ما قالوا لأن العصر تغير والفكر تبدل فلما الثبوت والجمود في تفسير  و فهم الآيات وننهي هذا الموضوع برأي من الفقة الأسلامي في هذه الآية وهو قول شيخ الأسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه [ الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ] – ففيه – وفق نص ابن تيمية : ” وأن ما جاء عن شهادة المرأة في آية سورة البقرة ، ليس حصرا لطرق الشهادة وطرق الحكم التي يحكم بها الحاكم ، وأنما ذكر لنوعين من البينات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه … فالآية نصيحة لهم وتعليم وأرشاد لما يحفظون به حقوقهم ، وما تحفظ به الحقوق شيء وما يحكم به الحاكم شيء ، فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والمرأتين ” .