سنتناول هنا قضية كثر الحديث عنها بين باحث ومجدد ومفكر ألا وهي هل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل أم لا ؟
وسنحاول أن نلقي نظرة ورؤية جديدة علي تلك القضية ، ولما أن التراث الفقهي الأسلامي قد استند إلي قوله تعالي في سورة: البقرة ،  الآية:٢٨٢

فسوف نتناولها بالشرح والتوضيح لنلتمس فيها هل حقا شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل ؟، فأنها سورة البقرة أطول سور القرآن وفيها الآية :٢٨٢ ، آية الدّين أو المداينة أطول آيات القرآن وأستنبط منها الكثير من الأحكام وللبدء في فهمها علينا أولا فهم تسلسل الآيات السابقة والآتية للآية المذكورة حتي لا نقتطع جزء من كل ، فقد أنزل الله القرآن منذ أكثر من ١٤٠٠ عام هجري وبالطبع فأنه كان متلائم مع القوم الذي نزل فيهم والزمان الذي نزل فيه حتي لا يكون كتاب منفصل عن واقعية حياتهم فيهجروه ولا يفهموه ، فبعض الآيات نجدها قد ذكرت أمور أختفت وأنتهت في عصرنا الحالي مثل تحرير الرقاب وملكات اليمين فلكل عصر وزمان أساليبه وأفكاره الخاصة بنظرته للحياة و لأن القرآن كتاب صالح لكل زمان ومكان فأن تجاوز حرفية بعض نصوصه أمر طبيعي فتلك النصوص جاءت مناسبة لعصر وزمن قد ولي ولم تعد بتاتا تصلح للعصور الحاضرة  ، ولكن الذي لن يتبدل ولن يتغير وثابت لكل العصور والأماكن هو المقصد والغاية والهدف من تلك النصوص وهذا ما أمرنا به النص القرآني بتفتيح عقولنا علي ما وراء النص وأعمال الفهم فيه وألا نتجمد أمام الشكل والنص بحرفيته ، ولهذا فأن القارئ لآية المداينة وما قبلها لوجد أن الآيات تتحدث عن أمور المال والتجارة والبيع والتحذير من الربا ورد الديون وحفظ الحقوق وتحقيق العدل بأي طريقة توصلنا إلي ذلك علي حسب أساليب العصر ، فآية المداينة وضحت ذلك من منظور العصر الذي نزلت فيه ولحفظ الحقوق أمر الله المؤمنين بكتابة عقود المداينات وأن يكون هناك كاتب ثالث غير الداين والمدين ويملل صاحب الحق نص العقد ومدته وشروطه علي الكاتب ونجد هذا شبيها له في عصرنا فالتوثيق بكتابة العقود وتوكيل محامي بكتابته والشيكات وما إلي ذلك أصبحت هي الطرق المتبعة فتصور لو أتي أحدهم و طبق حرفية الآية وأتي بكاتب وأملي عليه العقد وشروطه ، أنه لسفيه وأضاع حقه فما فائدة ورقة كهذه في عصرنا ،وأنتقلت الآية لبند ثاني للضمان والتوثيق لحفظ الحقوق فقالت بأستشهاد شهود علي ذلك العقد فمن الممكن جدا ضياعه أو فقده أو لربما أنكر المدين ولهذا فكانت الحكمة والمنطق والمطلوب توثيق ذلك العقد بشهود يثبتون حقيقة العقد أليس هذا كما الأختام والبصامات والأمضاء والسجلات المدنية والجهات الحكومية لأثبات أحقية وصلاح العقد فالشهادة في عصرنا لا قيمة لها ولم يعد لفعل الشهادة من مبرر لأستمرارها لأنتفاء المقصد منها فهي ليست مطلب لذاتها وأنما وسيلة لغيرها .

و لكننا هنا لندرس تلك الشهادة وهيئتها وشكلها ومنها سنعلم هل حقا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل فتعالوا معي لنري ونفهم قوله تعالي
“ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ” ،
قد جاءت الآية للمؤمنين السابقين بأن الشهادة علي عقود المداينة تكون بشهيدين أثنيين ” فاستشهدوا بشهيدين من رجالكم ” ، وإن فعل الشهادة يلزم له تحقق أهلية في الشاهد من حيث أتصافه ببلوغ سن الرشد فجاء قوله في وصف الشاهد بلفظ ” رجل أو أمرأة ” أي البلوغ والنضج العقلي والوعي وقد أوضح القرطبي في تفسيره هذا القول ، ولكنه أيضا يتطلب المعرفة اليقينية لمضمون شهادته فهو علي دراية ببعض الأمور بما يشهد عليه من العقود ونصوصها وشروطها ويمتلك العلم والفهم إذا كانت شهادته تحتاج لهذا كضرورة وبهذا يكون أدائه للشهادة صحيحا من حيث الضبط  ، ولكن  المشهود عن العرب في ذلك الوقت و العموم فيه أن الرجال هم من يمارسون التجارة وعلي دراية بأمورها وفهم العقود وتداولها أما النساء فلا ، إلم تكن السيدة خديجة أوكلت الرسول (ص) عنها في تجارتها ، فكيف حققت الآية هذا المطلب الثاني في الشهيدين ؟ ، وقد أجابت بقية الآية عن هذا التساؤل ، فقوله ” فأن لم يكونا رجلين فرجل وأمرأتان ” معناه لو أنه وجد الرجلان ولكنهما ليسو محل من يوثق بشهادته من عدم أكتمال لنضجهما أو سفه عقولهم فهنا جاء القول بأبدالهم برجل وأمرأتان و اقرأ معي تفسير القرطبي وقد ذهب لهذا القول أيضا :” قال قوم في النص ” فأن لم يكونا رجلين فرجل وأمرأتان ” معني النص إن لم يكن رجلان ، أي لم يوجدا فلا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال . قال ابن عطيه : وهذا ضعيف، فلفظ الآية لا يعطيه ، بل الظاهر منه قول الجمهور ، أي أن لم يكن المستشهد رجلين ،أي أن أغفل ذلك صاحب الحق أو [ قصده ] لعذر ما فليستشهد رجلا وأمرأتين فجعل تعالي شهادة المرأتين حق مع الرجل جائزة مع وجود الرجلين في الآية ”
فالمقصد هو أحضار شهيدين لحفظ الحقوق وليس لمجرد الشهادة ، فلو وجد أمرأتان أكثر علما ونضج فلهما حق الشهادة أولي ، ولاحظ أيضا قول ابن عاشوراء في ذلك النص ” وفيه مرمي آخر وهو تعويدهم بإدخال المرأة في شئون الحياة إذا كانت في الجاهلية لا تشترك في هذه الشئون ” .