لا أعرف لماذا قررت أن ابدأ هذا المشوار، ولا أعرف إن كنت سأكمله أم لا ولكنني فقط احببت ان أبدأه، وجدت نفسي كالعادة هاربا من زخم أفكاري وملل الجدل العقيم إلى كتب الحكايات التي منذ أكثر من 15 عاما هي ملجأي الوحيد حين يضيق عقلي بي ذرعا ويبدأ في التذمر والسخط ناقما من انهاكه.

منذ زمن وأنا ابحث عن نفسي بين القصص والحكايات واجد نفسي تارة بين صفحات كتاب للمقريزي أو الجبرتي أو حتى مترجمات العصر المصري القديم والعصر القبطي وكتب الحوليات الشهيرة.

وايضا أكذب على نفسي قائلا لها لماذا لا تساهمي ولو بشكل تافه ويسير في تعريف الناس بتراثنا الذي يعد أغنى تراث وفي نفس الوقت أكثر تراث مجهول ومهمل في العالم، ولكن في الحقيقة انا أصغر من ذلك بكثير وفي حقيقة الأمر انا اريد امتاع نفسي لا اكثر، ولكن لا مانع من قليل من الكذب على النفس انني من المساهمين في توسعة معرفة الناس وكعادة أهل بلادي (بكدب الكدبة وبصدقها).

كلنا يعرف الكثير عن جان دارك وعن هاملت وعن بيركليس وعن حواديت الاسكندر وعن قصص هيراكليس وعن حودايت تنين الصين الذي يأكل الشمس وابطال روما وهانيبال القرطاجي وغيرهم مع انني ارى ان كل هذا التراث العالمي ماهو إلا إعادة صياغة لتراث نشأ على ضفاف النيل.

وكفاية رغي ونبدأ الحلقة الأولى

كلنا مصريين نعرف مريم المقدسة العذراء بكل مللنا واعتقاداتنا وكثير منا أيضا يعرف مريم المجدلية وكذلك ميريام اليهودية زوجة هيرودس ولكن هل سمع أحد من قبل بمريم المصرية؟؟

ربما كثير ولكن الكثير لا يعرف ان التراث به شخصية لها قصص وحكايات تسمى مريم المصرية.

سأحكي القصة بأسلوبي كما حفظتها وقرأتها وقد وردت في مصادر عديدة من أهمها البطريرك صفرونيوس والمؤرخ يوحنا الدمشقي.

تبدأ القصة في صحراء الأردن ! نعم في صحراء الأردن قرب ضفاف نهر الأردن حيث يخرج راهب من رهبان أديرة فلسطين للسياحة الصحراوية مبتعدا عن ملذات الدنيا كما هي عادة الرهبان ، زوسيماس من اكبر رهبان فلسطين الذي ذاع صيته في في اوائل القرن السادس الميلادي ، وبعيد عن التحليلات التي تؤدي إلى كثير من الدراسات المعقدة واختلاف الروايات خلينا في الحدوتة.

كان زوسيماس يتجول في الصحراء يرنم الكتاب المقدس ونفسه تحدثه كيف انه تغلب على هوى نفسه واصبح مكبلا لشهواته وغاياته واذا به يرى شبحا ادميا على بعد ، اعتقد لوهلة انه شيطان من بشاعة منظره ولكنه سرعان ما استوعب انه ادمي فراح يسرع خطواته اقترابا وهذا الادمي يركض بعيد عنه.

وظلا يركضان حتى رمى الادمي نفسه في النهر وناداه زوسيماس لماذا تفر مني، فسمع صوت امرأة تقول له انا امراة عارية تماما واستحي ان تنظرني على هذا الحال، فألقى زوسيماس عباته لها فلبستها وخرجت.

كانت مريم امرأة عجوز يبدو عليها وكأنها خارجة من قبر شديدة الضعف حتى تكاد لا ترى عيناها او تميز معالم وجهها.

قصت مريم قصتها على الراهب، مريم ليست من هذه الأرض انها مصرية من صعيد مصر وعندما بلغت الثانية عشر من عمرها انفصلت عن اهلها ورحلت إلى الاسكندرية ، وكما تروي لم تمضي بضعة اشهر حتى فقدت عذريتها بطريقة مخجلة رفضت ان ترويها بتفاصيلها.

وتستطرد مريم كيف انها تحولت الى أشهر عاهرات الإسكندرية، بل انها اصبحت تفعل ذلك بلا أجر لانها كانت تحب الجنس في حد ذاته وتتلذذ به.

وكما تقول هي في نص الرواية الواردة عن صفرونيوس “وإني لأقسم بأني كنت لا أتقاضى أجرا على الرغم من أن الرجال كانوا يرغبون في الدفع لي، وبذلك تحولت شهوتي إلى هبة بدون مقابل”

ذات يوم قرب ميناء الإسكندرية المهول وجدت حشدا من المصريين والليبيين يهرلون نحو الميناء وحينما سألتهم هن سبب الهرولة قالوا لها انهم يسافرون إلى القدس لإحياء عيد تمجيد الصليب فسألتهم ان كانت تستطيع الذهاب معهم فكان الرد هو المال ولم تكن تمتلك فدفعت بجسدها لبعض الشباب المسافرين ثمنا لرحلتها التي كانت تعدها ترفيهية.

وتروي مريم كيف انها استطاعت تحويل السفينة إلى مركب فساد وان كل من علي السفينة مارسوا الجنس بل واستطاعت ان تؤثر حتى على الفتيات المسافرات فجعلتهن يمتعن الشباب المسافرين

ووصلت السفينة إلى يافا وانتقل الناس برا إلى القدس، وظلت مريم تمارس البغاء مع زوار المدينة واهل المدينة.

وحل العيد واتجه الناس إلى ساحة كنيسة القيامة، وبمحاولات يائسة حاولت مريم التوجه إلى ساحة الصليب لمشاهدة تمجيده ولكن فشلت، كانت كلما تتقدم خطوة تدفعها جموع الناس إلى الخلف وبشكل غريب جدا أثار دهشتها.

فانزوت في ركن وشعرت ان كل مارتكبته أصبح عائقا للوصول إلى ساحة الرب ، وكان بجوارها تمثال للعذراء مريم فخاطبتها وكما ورد نصا:

“آواه يا سيدتي ! يا من أحببتي الخير ، أريتني حبك للبشر ، فأنت لم تمقتي صلوات إمرأة غير ذات شأن، لقد رأيتي المجد الذي لا نستطيع حقا نحن الوضعاء أن نراه، فالمجد لله في الأعالي، الذي يقبل من أجلك توبة الآثمين. لقد آن الآوان يا سيدتي أن تتمي ما اتفق عليه في صنيع شفاعتك. دليني في التو إلى حيث تأمرينى، فلتكوني ملهمة خلاصي وأرشديني إلى السبيل الذي يفضي إلى التوبة”.

سمعت مريم صوتا تقول هي انه ربما كان صوت أحد العاملين بالكنيسة “اعبري نهر الأردن تجدي غايتك هناك”

وفي طريقها كانت تمتلك ثلاث قطع نقود نحاسية اشترت بهم ثلاثة أرغفة ، ومرت بكنيسة يوحنا المعمدان ثم عبرت النهر بقارب.

وظلت هائمة في الصحراء، ففترة تحن إلى ملذاتها وفترة تتماسك حتى استطاعت التغلب على شهواتها وظلت كذلك سنوات عديدة قد تكون 10 سنوات لم تأكل فيهم شيئ سوى الأرغفة الثلاثة.

وبعد أن حكت قصتها لزوسيماس وطلبت منه ألا يبوح بقصتها لأحد حتى يقابلها في العام المقبل ، وبعد عام حمل زوسيماس سلة بقول وذهب إلى نهر الأردن ورأى مريم مقبلة تعبر النهر ماشية على الماء طالبة منه أن يعود مرة أخرى في العام المقبل ولكن عند مجرى الجدول الجاف.

وانقضى العام وعاد زوسيماس ولكنه وجد مريم جسد بلا روح ووجد بجوارها نصا:

“أيها الأب زوسيماس أدفن جسد مريم الوضيعة في هذا المكان، أعد التراب إلى التراب، وصل دوما للرب من أجلي، لقد مت في شهر برمودة في ليلة آلام المخلص بعدما تلقيت العشاء المقدس”

حاول زوسيماس حفر قبر لها ولكن لكبر سنه كان يعجز عن الحفر فيفزع زوسيماس حين يرى أسدا يهل من بعيد ويساعده في الحفر.

ويعود زوسيماس ليحكي قصتها لرفاقه وفي كل عام في الأول من لإبريل يحتفل الناس بعيدها.

ملحوظة هامة: اروي هذه القصة كتراث مصري ، نستنبط من بين سطوره شخصية بلادنا، لا كعقيدة دينية او حكاية تحمل أي قدسية.

ما أراه هاما اننا نفهم من نص الرواية أن الفتيات في مصر في هذا الزمن كن يستطعن الانفصال عن اهلهن والخروج للعمل أو السفر للعمل والاستقلال المادي، وعندما نقرا متن القصة في كتب التراث نستطيع معرفة حياة العاهرات في الإسكندرية والأغاني الخليعة التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، وشكل الطقوس الدينية وغير ذلك الكثير.

وإلى لقاء آخر