حكايات عن إساءة الفهم

ألقاها:إمبرتو ايكو([1])

ترجمة:ياسر شعبان

يحتوى الكتاب على ثلاث محاضرات في مجال الهرمنوطيقا والسيميولوجيا. وهو ليس أحد مؤلفات الكاتب، بل تجميع لمحاضرات شفاهية ألقاها على طلبة الدراسات العليا بالأكاديمية الإيطالية في أمريكا عام 1996.

أما عن العنوان فهو “حكايات عن إساءة الفهم” وقد يكون الكاتب ألقى هذه المحاضرات بغرض تجنب تلك الإساءة التي تُوقِع الباحث أو المفسِر في الخطأ، وتؤدي به إلى الفهم المغلوط في التأويل. وربما يكون إشادة بما لإساءة الفهم من دور فعّال في الوصول إلى المعنى الكامن خلف الأنساق المغلقة، والتي لا يصل لها الباحث إلا من خلال إساءة الفهم وبرهان الخُلف، وتؤدي إلى الاكتشاف بالصدفة. ربما!!. ويشير الكاتب لمواقف من تلك الإساءة الإبداعية التي نتج عنها نظريات وإيديولوجيات مختلفة وأفكار ثورية عديدة في مجال الرياضيات، الفلسفة، العلم.. وجميعها بدأت بإساءة الفهم، والوصول لنتائج عكس المقدمات.

ويظهر في الكتاب ترجيح الكاتب للأدب على الفلسفة، واعتماده في التوثيقات والمراجع على الروايات والدراسات الأدبية، أكثر منها للمصادر الفلسفية، فهو الكاتب الأدبي قبل أن يكون الفيلسوف التأويلي، أديب متفلسف، أم فيلسوف أديب.. أيهما أسبق لإمبرتو إيكو؟ ربما هو السؤال ولكن ليس هنا مكانه.

الكتاب من القطع الصغير مكون من عدد 106 صفحات،  تحوي ثلاث محاضرات هي:

1-حلم اللغة المثالية. أول المحاضرات([2]) وفيها يبحث عن أصل اللغات ومنشأها الأول، واللغة الأم التي يفترض أنه أشتق منها باقي اللغات بعد تشتت الألسنة في بابل. كيف كان العالم لسان واحد؟ وما هي لغته المنطوقة أوالمكتوبة؟ لغة واحدة كانت مرة واحدة واجتمع البشر حولها وحققوا كافة الانجازات ولم يبق لهم سوى زعزعة سلطة الإله، أكان حلم أسطوري فكرة اللغة الواحدة في بابل، هل كانت اللغة الواحدة هى الهيروغليفية أم العبرية، أم الصينية، أم مجرد رموز وحركات شفاهية؟ وهل هناك تطابق بين المكتوب والمنطوق؟ وكيف يمكن رد كل لغة إلى لغة أسبق منها؟.

2-الفهم بين الثقافات: وهي المحاضرة الثانية([3]). وتدور حول التناقض والصدام بين الحضارات والثقافات التي يلتقي كل منها وبداخله العديد من الأفكار المسبقة عن الآخر تحُول دون حدوث إلتقاء فكري وروحي بينهما، وتقف حائلا بين التبادل الثقافي بين كلاهما. فكل الثقافات والحضارات عليه البدأ من خلال النظر المتبادل دون المقدمات المستقية من أحداث ووقائع منقولة أو غير موثقة، فينشأ الصدام والعداء، حيث تعتبر أحد الثقافات نفسها المركز/الأصل/ المصطفين/ المنبع، وما حولها من حضارات هم البربر/ العجم/ الفروع/ المصب. بالتالي يتم التعامل بين ذلك المركز وما حوله من خلال قوانينه الخاصة والتي تتموضع في ثلاث آليات:الإخضاع والاستعمار، السطو الثقافي، التبادل.

3-المؤلف ومفسروه: المحاضرة الثالثة والأخيرة([4]) وفيها يؤكد إيكو على فكرة موت المؤلف وترك العمل حراً للمفسر/ القاريء يفعل به ما يريد، ويُضفي عليه ما يبغى من معاني جديدة تنتج من الظرف الزمانى والمكاني  والشعوري وقت القراءة، إلى جوار الخلفية الثقافية والثِقل المعرفي للقارئ والذي يلتقى بنظيره عند المؤلف فيتم التلاقح بينهما في صيرورة جدلية لا تلغى ما قبلها بل تزيد عليه، فمنتوج كل قراءة مثمرة أفضل من تبعية مضللة. وحدة التجربة والحدث هي محور العمل وبنيته فالنص عالم مفتوح النهايات، ومهمة اللغة فض مغاليق النص وبيان تناهيه. فسِر النص هو خلائه من الحقائق وإنما مجرد تأويلات.


([1]). فيلسوف وروائي وناقد إيطالي إلى جوار تخصصه في السيميولوجيا بجامعة بولونيا، ولد في يناير 1932بمدينة اليساندريا، وحصل على الدكتوراة من جامعة تورينو عام 1954 بأطروحته عن “النظرة الجمالية عند توما الأكوينى”. من أهم مؤلفاته الفلسفية:العلامة.. تحليل المفهوم وتاريخه، السيميائية وفلسفة اللغة، التأويل والتأويل المفرط، القاريء في الحكاية، حدود التأويل، العمل المفتوح، البنية الغائبة، ومن رواياته:بندول فوكو، اسم الوردة، باودلينو، جزيرة اليوم السابق.

([2]). حكايات عن إساءة الفهم، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة آفاق عالمية، الطبعة الأولى، 2003،  ص11- 40.

([3]). السابق ص41- 76.

([4]). السابق ص77-106.