حوار العرب
فادي الفادي

كلما تحاورت عبر النت مع الاخوة العرب ، حرصت على الظهور بصفة المحاور المتحضر المؤمن بقيم اليبرالية وحقوق الانسان والبعيد عن التعصب الطائفي ، حرصت ان اقدم نفسي على اني انسان راقي يتمتع برحابة الصدر وتقبل الرأي الاخر ،والحديث بكل شفافية عن امور نخجل نحن العرب على التحاور بها بصوت عال ، لكن هذا لايحدث الا في مواقع الانترنت ،اما على ارض الواقع فالامر مختلف تماما .
كانت التجربة رائعة بالنسبة لي كسبت فيها قلوب الاخرين واحترامهم في العالم الافتراضي وهو ما فشلت فيه العالم الواقعي ، كنت فعلا احرص كثيرا على احترامهم واخشى ان تفلت من لساني الكلمات التي اعتدت اطلاقها حينما اغضب في المواجهة الحقيقية وجها لوجه في العمل او في البيت او حتى مع الاصدقاء ، اكتشفت بيسر اني في النت وعلى مواقع الشبكة العنكبوتية شخص اخر لاعلاقة له بشخصيتي الحقيقية .
مثلا طلبت من الاستاذ احمد زيدان ان يرفع لقب الاستاذية عن اسمي ، في حين انا في العمل امتعض من احدهم لانه يصر على منادتي باسمي دون ان يسبقها بكلمة استاذ ، واتعامل بمودة مع من يناديني باستاذ ، اليس امرا غريبا في الواقع انا فعلا لا اريد من الاستاذ احمد ان يقول لي استاذ لاني لا اعرف اعتبرته صديقا لمجرد انه سمح لي ان اعرض بضاعتي في الموقع ، ولانه استقبلني بود وعلق على مقالتي ،لاحظت ان احمد يواظب على التعليق على جميع المقالات ،اخشى ان لايقرأ المشاركون هنا الا مقالاتهم فقط ،وفي الواقع انا انسان صعب ولا اقيم علاقات صداقة بالصدفة ولا انسجم مع الاخر بسهولة لدرجة ان اجعله صديقا .لكن في العالم الافتراضي كنت سهلا ودودا وشفافا ومتواضعا وقنوعا عن طيب خاطر لاتعنيني كثيرا الالقاب والمسميات ،فيما انا في الواقع ادقق فيما اذا كان مكتبي لائقا بمكانتي وهل اليافطة التي تشير الى وظيفتي واضحة ومصنوعة من مادة جيدة .
كثيرا ما سألت نفسي ترى ماذا لوتصرفت في الواقع مثلما اتصرف على الشبكة العنكبوتية ، ماذا يحصل ،فكرت فشعرت ان الذي يحصل كله امر ايجابي لكن لم افعله لم اعتد ان اكون ايجابيا وشفافا هكذا مثلما انا على مواقع الانترنت ،اتراني اعاني انا من هذه الازدواجية واسعى لتعميمها خوفا من الشعور بالنقص ام هي عادة عربية بأمتياز؟
مثلا نحن في العراق نعاني منذ الاحتلال الامريكي لبلادنا من الطائفية ونعاني اكثر من الارهاب ..والطائفية والارهاب وجهان لعملة واحدة ،انا بالفعل امقت الارهاب لاجدال واقعا وعلى النت ، الارهاب والتطرف دفع العراقيون ثمنهما غاليا ومازالوا يدفعون ،اما الطائفية فأنا امقتها حقا ، لكن مثلا عندما انتخبت لم استطع ان انتخب قائمة ليبرالية ، انتخبت للاسف قائمة طائفية وان كانت معتدلة ، لا اعرف لماذا فعلت ذلك وانا الذي سودت الاف الصحف بالدعوة الى نبذ الطافية واهمية التصويت لقائمة علمانية .
حسنا تعجبني المواقع التي ترتقي بحوارها وبينها هذا الموقع الذي ساحرص قدر ما استطيع التواصل معه ، لكن اتصور ان العرب عليهم ان ينقلوا حوارهم المتحضر الى واقعهم في ميادين العمل وينقلونه الى البيت ايضا فمن هناك نتعلم كيف نتحاور ، وكيف نبي جيلا يحترم الرأي الاخر .
دهشت حقا ان الكثير من المثقفين مثلا مازال يفتقد القدرة على التحاور بهدوء وشفافية وقد يثور في لحظة ما فيتخلى عن لغة الحوار الى لغة اخرى ويفاجئك بثراء مصطلحاته المتدوالة في الشارع ،مع اني اتمنى ان لاتختلف لغة الشارع وحوار الشارع عن حوار العرب المتحضر في مواقع الانترنت ،يجب ان ينتقل حوارنا الراقي الى الاسواق ،هل هذا صعب .. لست متأكدا تماما من الاجابة .