مكة ، المدينة المُقدسة التي نعرفها اليوم محل حج الحجيج بالملايين كل عام ، محل تقديس و إجلال مسلمي العالم المعدودين بمليار و ربع ، تلك مكة اليوم في زمننا هذا حيث نعرفها كما هي مُقدسة مُجللة مُحتفى بها ، لكن ماذا وراء اليوم لو عُدنا للماضي؟ لو عُدنا إلى عهد آخر عهد لم تكن فيه مملكة عربية سعودية عهد كانت فيه مكه مدينة بها كعبة فقط ، مكة التي لم تكن عاصمة و لم تكن في قلب دولة بل جزء ديني من دولة به قوم من العرب ، لنعود و نُفكر و ننظر لمكة الأخرى التي لم تكن مُقدسة .
..
بيت مكة الذي هو مُقدس بمكة التي هي مُقدسة :
كانت مكة محل أحد الكعبات بالجزيرة العربية ، الكعبة بناء خاص بحفظ تماثيل تجسد صورة الآلهة او تلك الصورة المُجسدة لأبطال تاريخيين أو شيوخ محليين أُضيفت عليهم هالة البطولة و القداسة ، كذلك كانت الكعبات بالجزيرة العربية تضم الأحجار السوداء فبكل كعبة حجر أسود أو حجر مقدس من مخلفات البراكين القديمة أو الأحجار النيزكية التي تخيل العرب كونها أحجار من بيت إله يسكن السماء فمثلاً كان للأنباط حجر أسود مقدس و كعبة ذو الشرى لها حجر أسود و مناة كان لها حجر أسود ، كانت الكعبات تصل إلى 24 كعبة مثل  بيت ذي الخلصة المعروف بالكعبة اليمانية ، كعبة ذي الشري  و كعبة ذي غابة الملقب بالقدس و بيت اللات ، وكعبة نجران ، وكعبة شداد الأيادي ، وكعبة غطفان و بيت ثقيف ، بهذا تعتبر الكعبات محل للعبادة و مكان للطواف المقدس سواء بحكم الحجر السود الموجود بأكثر الكعبات أو بحكم محتواها من التماثيل فيكون حول كل كعبة طواف و لكل كعبة حج و تضحية و ذبح ، مكة تميزت بإرتفاع كعبتها عن باقي الكعبات الأخرى ، كان قصي بن كلاب بن مرة القرشي  تولى مكة منتصف القرن الخامس الميلادي وبحكمه استقرت قبيلة قريش في مكة حيث بدأت نهضتها لتصير مركز ادبي و مالي للجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام ، ربما كانت حرمة مكة المُميزة عائدة لأسباب تجارية حيث أن عادة نقاط الحط و النزول و مرور القوافل تُعد بشكل عام مُصانة لحفظ الصالح العام فكانت مكة بحكم كونها أهم بقعة طريق مرور تجاري و يقول أستاذنا هشام حتاتة ( ازدهرت التجارة بين اليمن جنوبا والشام شمالا نتيجة انقطاع خط التجارة بين مصر وفارس- والتى كانت تمر قوافله بشمال جزيرة العرب ـ بعد احتلال الاسكندر المقدونى لمنطقة الشرق الاوسط وطرد الفرس ، مماساعد على ازدهار مكة ، واصبحت ممرا واستراحة على طريق القوافل تتعيش على قبض العشور من قوافل التجار) فبحكم كونها تضم أكبر تُجار بالجزيرة العربية قد صارت  مُميزة الكعبة و مُقدسة بشكل يفوق غيرها من الكعبات دون أن تنفرد مكة لا بحجر أسود مميز عن غيره و لا بكعبة مختلفة و إن تميزت بموقعها و تجارتها و شخوصها و الأهم (لا أحد يجرؤ على غزو أو التعرض لمكة أو المساس بها فهي مُقدسة بمعنى الكلمة قبل الإسلام) .

كسر قداسة مكة الأول & اليزيد غازياً :
بعد أن إنتهى مُسلم بن عقبة قائد جيش اليزيد بن معاوية بن ابي سفيان من تأديب المدينة المنورة عبر قتال و قتل الصحابة المتبقين على قيد الحياة و ابنائهم و اغتصاب ما تيسر من نساء المدينة و هتك اعراضهن و نهب المال ثلاثة ايام توجه في أول محرم 63 هـ، 683 م ، و هو مريض لمكة كي يؤدب اهلها الخارجين عن حكم اليزيد بن معاوية الرافعين للبيعة التي حصل عليها معاوية لإبنه منهم المبايعين لعبد الله بن الزبير هم و عامة أهل الحجاز، بالطريق مات مسلم بن عقبة و دُفن في المشلل و يقال قفا المشلل و تولى محله حصين بن نمير السكوني ، وصل الجيش لمكة بالخامس و العشرين من محرم أو بالثاني و العشرين منه حاصر حصين مكة من محرم حتى ربيع الأول 64 ه ، كانت بداية الحصار قتالاً بين الفريقين قُتل فيه كثير ممن يدافعون من أهل مكة ثم بدأ حصار عبد الله بن الزبير و من لحق به من المتطوعين دفاعاً عن مكة من بواقي اهل المدينة و من اليمامة و بعض الخوارج ، ظل الحصار باقي محرم و صفر لثلاثة ايام من ربيع الأول 64 ه حينما قصفوا مكة بالمنجنيق المُسمى بأُم فروة فأصاب جزء من القصف الكعبة في يوم السبت الثالث من ربيع الأول و بعدها أتى خبر هلاك اليزيد و قد وصل لهم في رابع يوم من ربيع الآخر ، كان القصف قد هدم جزء بسيط من الكعبة و احترق بعض خشبها و ثوبها فيما ذُكر انه لم يكن بالضرورة من قصف مكة بل لحادث تم اثناء القصف ، عاد جيش اليزيد الى الشام لوفاة الحاكم الأموي و قد هتكوا صحابة البي و مدينته و قصفوا مكه و كعبتها في مشهد لم يجرؤ أحد قبل الإسلام عليه ، مكة التي كانت في الجاهلية مُقدسة صارت تُقصف بالمنجنيق بعهد الخلافة الاسلامية الأموية و كانت تلك مجرد بداية .

الكسر الثاني للقداسة المكية & الحجاج غازياً :
بالعام  72 هـ / 691م توجه الحجاج بن يوسف الثقفي إلى مكة في ألفين من جيش عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي ، كان عبد الله الزبير حفيد أبو بكر الصديق قد أعلن نفسه خليفة بعد وفاة يزيد بن معاوية 64هـ/683م ، كان معظم مُلك الأمويين قد دان لإبن الزبير لكن كان مروان بن الحكم قد نجح في إستعادة مصر و من بعده عبد الملك بن مروان مع الحجاج قد نجح في استعادة المزيد من الأرض بالذات بالعراق حتى لم يبق الا الحجاز بيد عبد الله بن الزبير ، يوم هلال ذي الحجة بالعام 72 ه و الى جمادي الآخر بالعام 73 ه كان حصار الحجاج و جُنده و حصرهم للزبير و مكة ، كانت لدى قوات الحجاج و المعونة التي أرسلها عبد الملك بقيادة طارق بن عمرو من المنجنيق خمسة سلطوا حجارتها لتضرب مكة فكانت تضرب كل بقعة فيها حتى أصابت الكعبة و هدمت منا الكثير ، تداعى اهل مكه و خرج اغلبهم و لم يبق مع عبد الله الا مائتين و أربعين اعتصموا بما تبقى من الكعبة ، بالنهاية قُتلوا جميعاً و تم قتل عبد الله في السابع عشر من جمادي الأول عام 73 ه بعد دخول جيش المويين للحرم أو ما كان يُعد مُحرماً فيما مضى ، كعادة المقاتلين المسلمين تم قطع رأئ الجثث و أُرسلت لحاكم الدولة عبد الملك بن مروان الأموي و تم صلب جثمان حفيد أبي بكر عبد الله بن الزبير شهراً امام ما تبقى من الكعبة التي كانت مقدسة ثم أُنزلت و دُفنت ، هل نرى ماذا يحدث؟ للمرة الثانية يتم ضرب مكة و هذه المرة تم ضرب الكعبة صراحة و قتل بشر فيها بلا حرمة بل و صلب الجثث ، هذه كانت ثاني مرة تُدنس فيها مكة التي كانت بالجاهلية لا أحد يجرؤ على التوجه لها لقتال فباتت تُضرب بالمنجنيق و تُهدم كعبتها و تُصلب أمامها الجثث .

القرامطة و غزوة الحجر الأسود & إستباحة المُقدس المُستباح :
ربما كانت مكه قد صارت منذ غزوة الحجاج بلا قداسة حقيقية لكن المصيبة صارت أعظم مع سرقة الحجر الأسود ، في عام  317هـ – 908م في موسم الحج و في يوم التروية 8 من ذي الحجة سنة 317ه قامت جماعة اسماعيلية تحكم الاحساء و جزرها (ساحل شرق السعودية و قطر و البحرين اليوم) تسمى القرامطة بالهجوم على مكة لسرقة الحجر الأسود و ذلك لإجبار الحجاج على الذهاب للحج في الاحساء ، وقاموا بمذبحة بين الحجاج وقتلوا في رحاب مكة وشعابها وفي جوف الكعبة أكثر من ثلاثين ألفًا فكان الناس يفرون فيتعلقون بأستار الكعبة ، فلا يجدي ذلك عنهم شيئا ، بل يقتلون وهم كذلك ، ويطوفون فيقتلون في الطواف ثم قاموا بردم بئر زمزم بجثث القتلى، وظلَّ القرامطة يعيثون في مكة كما يشاءون قرابة سبعة أيام وهدم قبة زمزم ، وأمر بقلع باب الكعبة ، ونزع كسوتها عنها ، وشققها بين جنوده ، وأمر رجلا أن يصعد إلى ميزاب الكعبة لكنه لم يقدر ، وقلعوا الحجر الأسود من مكانه وجاءه رجل فضرب الحجر بمثقل في يده ، وقال : أين الطير الأبابيل ؟ أين الحجارة من سجيل، وحملوه معهم إلى الاحساء حيث ظل عندهم طيلة اثنتين وعشرين سنة و عاد بالتراضي عام 339 ه ، بهذا نرى ليس فقط هجوم على مكة التي كانت مقدسة بل و قتل الحجاج ثم ضرب استار الكعبة و سرقة الحجر الاسود و ابقائه 22 عام بالاحساء .

المؤيد بالله يغزو مكة & ما الجديد؟
بالعام 1632 و في شهر مارس قامت مجموعة من اليمنيين تحت ولاية الامام المؤيد بالله الذي كان على وشك سحق و طرد العثمانيين من اليمن (و هو ما تم بعد عامين) ، قامت المجموعة بالهجوم على مكة  و السيطرة عليها و على جدة و مناطق اخرى و هناك كالعادة ارتكبت مجرزة بحق التراك و من واجههم من العرب في مكة ، شمل الأمر فظائع من القتل العشوائي و الإغتصاب و السبي و الأسر و قيل للأتراك أنه تم قتل شريف مكة ، كانت الدولة العثمانية مشغولة في المركز في اوروبا فأرسلت الى خليل باشا البستانجى والي مصر الأفضل على مر تاريخ مصر العثمانية للتدخل و طرد اليمنيين و إستعادة مكة ، تم إعداد جيش بقيادة المير قاسم بك و الأميررضوان بك ذو الفقار ، توجه الجيش الى مكة فهرب الجيش اليمني بسبب كثرة عدد الأتراك الذي رصدهم كشافة اليمنيين فانسحبوا من مراكزهم عند وادي فاطمة الى وادي حباس في حصن تربت ، دخل الجيش التركي مكة و قبض على 100 من اليمنيين الذين لم يفروا من مكة و أعدمهم ثم توجه لجدة فوجدها خاليها من اليمنيين،  بالنهاية تمت هزيمة اليمنيين في حصن تربت بعد ردم الآبار التي تمدهم بالمياة في المنطقة التي تحصنوا بها فاستسلموا و تم اعدام 4 من قادتهم و تم السماح للباقين بالعودة لليمن خاصة مع ضعف مركز العثمانيين هناك و عاد الجيش التركي لمصر أغسطس 1632 ، مكة  باتت محل (قرص اذن) يوجهه اليمنيون للأتراك !

..
تلك كانت أمثلة ، مجرد امثلة و السرد يطول فمكة تعرضت لغزو وهابي ثم مصري ثم وهابي ثان و خلال تلك الفترة ديست أرض مكة بشكل متكرر من كل قوة طامحة لحكم او إدارة او تمرد عاصمته مكة فمثلاً بالعام 413 هجرية ارسل الحاكم بأمر الله 10 فرسان الى مكة ، كان هذا وقت الحج و كانت مهمتهم كسر الحجر الاسود لكونه حسب رؤية الحاكم بأمر الله مجرد رمز وثني ، قام احد الفرسان بالهجوم على الحجر و استطاع فعلا احداث شقوق فيه و كسر جزء منه و لم يدر على تكسيره كليةً ، تم قتلهم و احراق جثثهم و ظل الحجر مشقق حتى تم ترميمه بعدها ، يمكن القول ان تلك المشاهد مرت على مكة طوال عهدها الاسلامي الأموي العباسي و العثماني و لم تتوقف و ما رصدناه نماذج فقط ، السؤال لماذا مكة المُقدسة المحرمة كالمدينة الصينية المُحرمة فقدت كل هذا و تحولت مع العهد الإسلامي لمدينة مُباحة؟
في تقديري أن الأسباب كالتالي :

-1-  مكة قبل الاسلام عاصمة الجزيرة العربية السياسية و محل تجمع سادة الجزيرة و ليس فقط قريش و محل أرضهم المحايدة اما بالعهد الاسلامي بين المدينة و دمشق و بغداد و إستانبول لم تكن مكة إلا مدينة بها حج بلا أدنى قيمة سياسية .

-2- كانت مكة عاصمة التجارة بحكم كونها محل محايد و بحكم المسار التجاري بين الصحراء و ممالك فارس و الروم و هذا كله إنقلب و انتهى تماماً مع توحيد ممالك الفرس و اغلب ارض الروم و مصر في أرض واحدة جعلت مكة منتهية الصلة بوضعها التجاري الأول فباتت مكة ضمن طريق واحد للتجارة و ليست محل قلب طريق وسط طرق متعددة بممالك متعددة .

 -3- مكة دخلت في صراع اكبر منها ، كانت الصراعات المحلية في مكة داخل مكة بين أهل مكة فمكة أكبر منهم ، لكن مكة بعهد الأمويين العباسيين و العثمانيين كانت محل صراع بين الشام و تركيا و مصر و اليمن و العراق ، دخلت مكة صراع اكبر منها بين قوى مالية و سياسية هائلة فلم يكن هناك مجال لأي إحترام لها او تقدير فما كان بالماضي من قداسة كان بحجم مكة اما حينما زادت الصراعات عن مكة وطأت مكة .

-4- القداسة في مكة نشأت دبحكم انها تحوي أعرق كعبة بين ال 24 كعبة بالجزيرة العربية و أكثرها توقيراً و بالعهد الإسلامي لم تبق إلا كعبة مكة فقط مما جعلها عملياً كعبة يمكن هدمها كغيرها مما هُدم عند كثير من العرب ببداية العهد الإسلامي و مع تكرار نزع القداسة بات سهل على الاجيال المسلمة اللاحقة تكرار الاجتياح .

-5-  كذلك نشير أن مكة كانت مُقدسة بحكمدقيق هو التوازن لوجود أصنام مُقدسة كثيرة تخلق بينها توازن و بين موقريها باختلاف قبائلهم و عقائدهم فكانت في الجزيرة العربية تعددية ميثولوجية تصنع توازن هرموني تحتضنه مكة نفسها لنفسها و مكة نفسها للجزيرة العربية ، أما بعد الإسلام تم قتل او طرد او إنهاء كل دين إلا الإسلام فلم تعد حالة الهرمونية الميثولوجية المعهودة الصانعة للمشهد الذي حوى قداسة مكة قبل الإسلام و كل هذا إنتهى مع الإسلام .

للتواصل مع الكاتب : https://www.facebook.com/mahmoud.arafat.7503