(فلما جاءت البنت بعد سنتين وتسعة أشهر، اختار لها اسم جبل آخر، لا يقع في الطرف الغربي من المتوسط، مشرفاً على المضيق الذي يربط المغرب الأقصى بشبه الجزيرة الأيبيرية، بل يقع بالقرب من المدينة المنورة، تضرب به العرب المثل في الرسوخ فتقول “أثقلُ من رضوى”)

تبدو مقاطع السيرة الذاتية لـ (رضوى عاشور) التي تضمنها كتاب (أثقل من رضوى) الصادر عن دار الشروق كأنها محاولة عنيدة، ومستمرة للتخلص من المجاز الذي يعيش في اسمها .. مجاهدة دائمة، محكومة بالصدام، والشغف اللازمين لتفادي الثبات، والتماهي مع الخفة .. بشكل أكثر تحديداً يمكن القول أن حياة (رضوى عاشور) سعي متواصل لتضليل الثقل البديهي، واقتفاء أثر رسوخ مختلف داخل هوية التحرر

(تساءلت إن كان الفارق بين كاتب التقارير البائس، والبلطجي مفتول العضلات، مجرد فارق في نوع الوظيفة أم هو فارق بين زمنين وأسلوبين، القمع المستور والقمع المعلن. الأول يلدغك كالحية دون جلبة أو صوت، والثاني فاجر في عدوانيته)

(رضوى عاشور) الكاتبة، والأستاذة الجامعية المولودة في القاهرة عام 1946 والتي تخرجت من قسم اللغة الانجليزية بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1967 لا تمثل الذاكرة بالنسبة لها مجرد مقياس لتشريح خبرة الواقع، وإعادة ترتيب وعيها وفقاً لتأثيرات الزمن، بل يمثل الماضي اختبار الخفة اللازم لتحديد خطوط حركتها .. هواجس التنقل بين الحالات المتعددة للاشتباك الذهني، والجسدي تحت ضوء التجارب لمقاومة الجمود .. نجد لهذا تحالفاً قوياً بين الذكريات، وبين الحروب النفسية التي تخوضها ـ التي ربما يكون الأمن الجامعي أهوّن جبهاتها ـ حيث تتم مساءلة البديهيات المستقرة داخل اليقين الفكري، والسياسي، وقبل كل شيء التأكيدات المرتبطة بالتاريخ .. ذلك ما سنعثر عليه في ثلاثية (غرناطة) مثلاً عن صراعات ما بعد سقوط جميع الممالك الإسلامية في الأندلس 

(كنت أتعافى بشكل ما، أخطو باتجاه الشفاء، أعي ذلك فأعُد الخطو. ربما كان الدافع هو رغبتي في العودة إلى مصر، لأن فيها بيتي وجامعتي وأهلي وأصدقائي، ولأن فيها ثورة غبت عنها رغم أن فصولها الأبرز كانت تدور على بعد خطوات من بيتي)

كأن الجدل بين الالتصاق القسري، الصلب بمساحة محددة من الوجود، وبين الرغبة في تخطيها يمكن أن ينتج صدفة غنية، دالة بطريقة ما على مراوغة التوقع .. ورم خبيث لابد من استئصاله، وثورة ضد حكم ديكتاتوري عمره ثلاثين سنة .. (رضوى عاشور) إذن مكلفة بالتعبير عن ذلك التزاوج بين الألم الشخصي، والألم العام الذي ربما يشتعل مكانياً داخل حيز بعيد لكنه وثيق الصلة بالورم الذي يستدعي أكثر من جراحة في أمريكا

(أذكر أنه في يوم الثامن من يوليه “وكان تميم عاد إلى مصر” لم نتمكن من قطع الميدان إلا في ثلاثة أرباع الساعة. وكان أعضاء مجموعة استقلال الجامعة اتفقوا أن يلتقوا أمام دار الأوبرا في الجانب الآخر من كوبري قصر النيل ويتجهوا في مسيرة من أساتذة الجامعات إلى التحرير)

حصلت (رضوى عاشور) على الماجستير في الأدب المقارن عام 1972 من جامعة القاهرة، ثم حصلت على الدكتوراة في الأدب الإفريقي الأمريكي من جامعة ماساشوستس بالولايات المتحدة عام 1975، وأتصور أن المشاهد الثورية التي مرت بينها، ودوّنتها في تلك المقاطع من سيرتها الذاتية خاصة فيما بعد 25 يناير تعد امتداداً للانشغال الكتابي بأحلام الانفلات، والخروج من كل حصار تفرضه السلطة .. كأن تلك التجليات الراديكالية هي في حقيقتها حضور مغاير لنفس اللغة التي كتبت من خلالها رواية (الطنطورية) عن المذبحة التي قامت بها العصابات الصهيونية في القرية الفلسطينية التي تحمل هذا الاسم سنة 1948 .. جسد (رضوى عاشور) الذي يأخذ، ويعطي مع الذاكرة، ويتصدى للأورام الخبيثة، ويقاوم آليات المراقبة، والعقاب هو بلاغة اللحم، والدم التي تكمن أرواحها القلقة بين صفحات قديمة.

(انتقلنا إلى هذا البيت عام 1955، وكان أكبرنا طارق على وشك أن يتم الثانية عشرة، وأصغرنا وائل في الرابعة من عمره. يقيم معنا فضلاً عن أبي وأمي، عمي السيد الذي لم يفترق عن أبي منذ انتقلا من بلدتهما في الشرقية إلى القاهرة للدراسة في العشرينيات “لا أدري في أية سنة، ولكنني أعرف أنهما سنة 27 كانا يدرسان في القاهرة، لأن عمي قال لي إنهما شاركا في جنازة سعد زغلول وهما تلميذان في مدرسة بمباقادان الثانوية” وكانت تشاركنا البيت مربيتنا دادا حميدة. وجدتي لأبي، فاطمة التي كنا نسميها “ست الحاجة”)

قد يبدو غريباً للوهلة الأولى أن الاستحضارات التي تسببها شروط اللحظة الراهنة لا تتسم بالاتساق المفترض مع ما تنتجه المطحنة اليومية، لكن السحر لابد أنه ناجم بالفعل عن ذلك الرهان الخائب .. لابد أن الأرق يقع حقاً في ذلك الالتباس المفاجيء، أو الغموض غير المنتظر بين الحدث الآني، والتفاصيل التي يمد أصابعه الشفافة لالتقاطها من عتمة الرأس باعتبارها صورته المختزنة .. (رضوى عاشور) تمرر لك هذا ببساطة دون حاجة لشرح أو برهان، فقط عندما تستعرض مقطع من الطفولة داخل فضفضة متداخلة عن رحلة العلاج، والثورة المصرية .. عليك أن تكتشف بعينيك إلى أي مدى يمكن أن تصل قدرات تلك المرايا

(لأن هذه المرأة وأعني رضوى ما إن تجد الشارع خالياً نسبياً حتى تروح تركل أي حجر صغير تصادفه بقدمها اليمنى، المرة بعد المرة في محاولة توصيله إلى أبعد نقطة ممكنة)

هكذا تصف نفسها صاحبة (أطياف)، (سراج)، (تقارير السيدة راء)، والعديد من الدراسات النقدية عن غسان كنفاني، وجبران وبليك، والحداثة الممكنة بالإضافة إلى ترجمة شعر (مريد البرغوثي): (منتصف الليل وقصائد أخرى) إلى الانجليزية .. المقاتلة التي خرجت من سرير المرض، إلى الميدان ومواجهة القمع، وتوثيق مجازر الشرطة .. كتبت في رواية (فرج): (عادة ما أشعر أنني خفيفة قادرة على أن أطير، وأطير، فعلاً لا مجازاً) .. الحجر الصغير الذي يُركل لا ينبغي أن يكون ثابتاً إذن، ولا ينبغي أن يتحرك للأمام بل يجب أن يكون خفيفاً، ومتحرراً لأعلى فوق كافة الاحتمالات .. ينبغي ـ باعتباره حياة متحدية ـ ألا يكون (أثقل من رضوى)