حينما أضاعت (هدير) خاتم أمها الزمرد لم يُرسم مصير محكوم بالتخلي، والفقدان فحسب، كما أن هذا الخطأ البسيط لن يصبح مجرد إشارة لتحقق النبوءة التي تربط بين ذلك الفعل المنسي للطفلة، واستعادة الحكاية الأصلية للأميرة (زمردة) .. سيتحول ضياع الخاتم إلى علامة تقود (هدير)، وكل بطلات الحكايات الموازيات إلى تشكيل عمائهن الخاص قبل أن يتكفل الآخرون بهذه المهمة(في حكاية جبل الزمرد كان حضور زمردة الآسر يلوّن الفضاء بلطفه وذكائه وجرأته. لم تعرف شهرزاد أن خبر زمردة، كما وصلها وكما حكته لشهريار، لم يكن إلاّ تحريفًا مشئومًا لقصة حياة أميرة واقعية عاشت ذات يوم فوق جبل قاف السحري، حياة تلاشت ولم تخلِّف وراءها سوى حكاية خضعت لتحريف مستمر، وتنتظر من يخلّصها مما علق بها من آثار التشويه ويُحيي ما مات من أجزائها، أو أُغرق في ضباب النسيان)

هكذا ستبدو رواية (جبل الزمرد) لـ (منصورة عزالدين) الصادرة مؤخراً عن دار (التنوير) كأنها إدانة للعب غير اللائق الذي تراكمت بصماته الطائشة فوق حكاية (الأميرة زمردة)، كما أنها بالضرورة ستتجلى كتبرير لكافة الخطوات التي سيتم اتخاذها لتخليص الحكاية من جروحها، وبعث الأميرة من رمادها، ورجوع جبل (قاف) للتجسّد، وعودة أهله إليه بعد قرون من التيه .. لكن ما يظهر في هيئة استراتيجية منطقية من الدوافع، والإجراءات ليس في حقيقته أكثر من تلك الأرض المستوية اللازمة للتحرك .. طريق ممهد ينبغي استخدام صلابته المفترضة للحصول على الأمان الذي تحتاجه النوايا المضمرة للاختراق .. الحيلة، أو ربما الفخ الذي بدونه لا يمكن تمرير الاحتياج الخبيث للتعاطف، والفهم، ومن ثم الإيمان لو أمكن .. (جبل الزمرد) ليست وثيقة سردية ضد التحريف، كما أنها لا تتورط في تحريض معلن للتشويه بعكس ما ينادي به خطابها الظاهري بل هي في الواقع ـ وهو كنز الرواية المخبوء في تصوري، المفارق للتوقع ـ دعوة ـ لا تخلو من الصراخ المكتوم للغة الليالي ـ كي يكتب كل صاحب حكاية حكايته بنفسه .. أن ينتج تحريفه الخاص، وتشويهه الذاتي قبل أن يصبح مجرد (نسخة) بأيدي، وألسنة اللاحقين

)مش مسألة مصادفات. أكيد سمعتِ عن العوالم المتوازية، المسألة هنا أبسط، مجرد أحداث وشخصيات متوازية، بتكرر أفعال بعض، إما على فترات زمنية مختلفة أو في زمن واحد وأماكن مختلفة. اختلافات بسيطة ممكن تحصل وتسبب اختلافات أكبر، لكن جوهر الفعل واحد. إحنا نسخ من بعض، مفيش مجال للتفرد إلاّ في حالات نادرة.

-  زي حالة أميرتكم؟ سألته بغيظ مكتوم)

إذن فالصراع الأكثر عنفاً يدور ـ داخل العالم السفلي الرواية ـ تحت سلطة هذا الجدل .. أن تكون التكرار الذي يعيد الأصل كما كان، أو أن تكون الأصل الذي لا يمكن تكراره .. هنا تتناسل الهواجس، والظنون حول إمكانية التطابق، وكيف يمكن للتكرار مهما بلغ انضباطه أن يصل إلى درجة حصينة من التماثل، والأهم كما أرى: ألا يكمن خلود الأصل حقيقة في شجاعة، وقدرة ما يعد نسخاً له على خيانة ما يسمى بالجوهر الواحد .. اكتشاف مغايرتها، وتمردها على أقوى صلات التشابه بينهما

(آتي على ذكر أبي فترد ببساطة، أو تحكي ضاحكة طُرفة عنه. أندهش كيف لا تتصرف

كالأخريات؟ لماذا لا تحكي عنه بغضب أو حتى ببرود؟ أكاد ألومها، أحسُ أنها لم تقدره التقدير الكافي، ولم تندم قط على فشل زواجهما)

ستكون هناك دوماً حكاية ناقصة مع كل استرداد محتمل لحكاية أصلية .. خلق يتكوّن وفقاً لحتميته، وخياله، وبناءً على ارتكاباته المعادية للخرائط .. لن يكون الأصل أكثر من وسيلة ربما للعثور على متاهة متفردة .. ما قرأته (هدير) عن حياتها ـ وهو ما يجب تشريحه في السياق الأسطوري ـ لم تكتبه (بستان البحر) مثلما يبدو إلا إذا تصورنا أنهما كيان واحد يزاوج بين التمسك بالعودة إلى النقطة الأولى، وبين التحرر منها .. تلك التدوينة عن أبيها، وأمها كتبتها (هدير) بنفسها حيث (بستان البحر) ليست سوى أداة لنسج حكايتها مثلما هي أداة أيضاً لبعث أميرة جبل الزمرد ..  كأن كل عماء يستخدم الآخر لتمكينه من تحسس الثغرات المراوغة للمعرفة .. كل هجر، وانفصال، وكل رغبة (فرويدية) في الأب ـ التي تضيئها العلاقة مع (كريم خان) وهو يكبرها بسنوات كثيرة في حكاية (هدير) ـ يجب أن تمتلك محركها الخاص، لا أن تعمل نتيجة الخضوع لآلية حكايات أخرى

(في غمرة التغييرات الطارئة لم ينتبها لي. ثم ظهرت أُخرى عرّفها أبي إليّ. حقدتُ عليه وقتها أكثر من حقد أمي نفسها. لست واثقة أصلاً من أنها غضبت منه ولو قليلاً بدت كأن ما يحدث في حياته الجديدة لا يعنيها، في حين شعرتُ أنه خانني بشكل ما، رغم أني لم أتيقن أبدًا من أنه بدأ علاقته بالأخرى أثناء زواجه بأمي)

تمثّل (مروج) كاتبة سيرة (زمردة) استرجاعاً لهدم (دريدا) لمركزية (الصوت) مقابل يُتم (الكتابة) بحسب (أفلاطون) .. (مروج) كاتبة سيرة (زمردة)، خالطة الحقائق بالأوهام، والوقائع بالتخيلات .. “الحكاية ستعيدني. وكاهنة الأبيض والأسود ستجمع شظاياي” .. لكن ربما ما أدركته (بستان البحر) أو (كاهنة الأبيض والأسود) ورفيقها (كريم خان) وهما يستعيدان (زمردة) بواسطة (هدير) أن الحكاية ينبغي أن تكون مضادة بطريقة ما .. أن الكتابة في حد ذاتها مهما حاولت أن تكون ناقلاً أميناً أو محايداً فهي لابد أن تمارس انتهاكاً للمرجع المضمون .. خلخلة للذاكرة .. إفساد للسياق الذي يحمي البديهيات .. هذا ما قامت به (مروج)، ربما لأنها عرفت ـ مثلما أدركت (هدير) بعد 25 يناير عن مصر ـ أن الغربة موضوع أكبر من تزلزل جبل (قاف).