أرض أم ملابس ؟ أيّهما يضمحلّ بمرور الزّمن ؟
كلّ من الملابس و الأرض تحافظ على حجمها الطبيعي.. أي أنّها لا تتغيّر بمرور الزّمن . إلّا أننا في مرحلة الطفولة , لا نعرف حقائق الأشياء. لا نعرف أنّنا ننمو و أنّا أجسادنا هي التّي تنمو فلا تلائمنا أثوابنا بعد ذلك . لا زلت أذكر أنّني كنت أعتقد لمّا كنت طفلة صغيرة أنّ ثيابي تصغر شيئا فشيئا و أفرح لذلك أيّما فرح ظنّا منّي أنها ستصبح ملائمة لدميتي في يوم ما .. و أنّ جميع الملابس التّي في خزانتي ستصبح كلّها لدميتي و سألعب بها إلى أن تنتهي ثيابي و لا أنتهي أنا ..
و لكن عندما بدأت أكير , سمعت عن فلسطين ,الأرض التّي تصغر شيئا فشيئا .. تساءلت نفس السؤال عندما أدركت حقيقة أنّني أنا أنمو و ثيابي تحافظ على أحجامها .. و لكن كيف يمكن للوطن أن يضمحلّ ويصغر شيئا فشيئا و الحال أنّ الثياب تبقى على حالها ؟
بحثت عنّي , عن الدّمى و عن أهلي الذّين يشترون لي الثياب التّي سترثها دميتي .. فوجدت إسرائيل , وجدت الآخرين , ووجدت الموتى و القتلى من سكّان الدّولتين . بحثت عن إمكانية السّلام و جلّ ما وجدت كان تعصّبا للدّين الإسلامي أو اليهودي . وجدت الإسرائيلي الذّي يعارض قيام دولته على حساب الآخر والذّي سجن في السجون لرفضه القيام بالواجب العسكري , كما وجدت العربي والغربي الذّي يرحّب بالكيان الإسرائيلي . تداخلت المفاهيم و وجدتني أتمايل و أكاد السقوط في بحر من العبث , ذاك البحر الذّي ألقي بنفسي فيه لأخرج منه ثانية و أعيد الكرّة ثانيا و ثالثا إلى أن أهرب منّي ..
هربت من عقلي و تأمّلت .. لم يكن الدّين يعنيني في القضيّة . و لكن الإنسان هو وحده الذّي كان يهمّني في هذه اللخبطة المفهوماتيّة .. كنت أرى تقتيلا و قتالا و مدافع و دماء. تخيّلتهم هنا , في وطني, فجنّ جنوني .. تخيّلت أنّ لا أحد من البلدان المجاورة يمدّ لنا يد العون , و تخيّلت أنّه بالرغم من “الدفاع عن حقوق الإنسان” , الإنسان يهان و بعقله و بوطنه يستهان . وجدتني ضدّ هذا الهتك الحقوقي للوطن, وجدتني ضدّ تحقير الإنسان لدرجة تسمح لأيّ كان باحتلال وطنه أو جزء منه بأيّ حجّة كانت.. و وجدت نفس الحال . القرن الحادي و العشرين و الأرض لا تعاد و نحن نتحدّث عن الحقوق و الإنسان ؟ أين هو الإنسان إذا ما هتكت أرض و ظلّ الإنسان مكتوف الأيدي يسرد ما قيل من أخبار أو أحداث ؟ علّ الإنسان لازال في مرحلة الطفولة , تلك المرحلة التّي يرى فيها الحياة و يرى الأراضي تضمحل تماما كالملابس ..
علّنا لم نبلغ مرحلة من الوعي و الإنسانية التّي تسمح لنا بالتمتع بحريّة وطن .. شيوخ كالأطفال اضمحلّت ملابسهم, تجعّدت وجوههم ,لا عقولهم ..