“الله أكبر” من كل شيء وفوق كل خلقه، وسبحانه منح الإنسان أعظم وأهم درس في الديمقراطية، وهو يعلمنا كيف نقبل الآخر، وكيف لا ننسفه لمجرد خلافنا معه، كان الدرس عظيمًا مع إبليس حين رفض السجود لآدم، وكان الدرس فوق احتمال البشر، حتى أننا لم نتعلَّمه، حتى يرث الله (سبحانه وتعالى) الأرض ومن عليها، وهو القاهر فوق عباده منح الإنسان حرية الاختيار المطلقة، تبعًا لرأي الإنسان، بعدما بيَّن له الحلال والحرام، وقال لنا: “فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”، سبحانه وهو الذي استوجبت وحدانيته تعدُّدية كل ما عداه، فنزَّل أنبياء مختلفي الشرائع “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا” فأعطانا حرية الاختيار بين المناهج والشرائع في حدود ملكوته الذي لا تحدّه سوى رحمته.

وجهة نظر في الحرية ربما لا ترضي الذين جعلوا من ذواتهم القاصرة عن إدراك غاية الخلق، لأنهم ضيَّقوا رحمته علينا، وجعلوا من اختلاف البشر في الرأي كفرًا صريحًا، وهو (سبحانه جل في علاه) لم يمنح مفاتيح خزائنه الواسعة لنبي من أنبيائه، وجعل لنا الحياة الدنيا مسرحًا للتعدُّدية التي قال عنها في كتابه الكريم “وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ”، فكيف لا تختلف مشارب الناس وأديانهم وهي سنته في خلقه، الديمقراطية، والتعدُّدية، هذه اللمحة الذكية أشار إليها صديق دارس للشريعة والقانون، ملتزم دينيًّا لا يفوِّت فرضًا في موعده ومسجده، الصديق رفعت صالح لفت نظري إلى أن الديمقراطية هي أصل الأشياء، وأن كل الصراعات التي خاضتها البشرية هي خلافات في وجهات النظر، وفعلاً لو شاء ربك لآمن كل الناس بدين واحد، ولساد وجه المعمورة رأي واحد لكنه جلت قدرته شاء لنا التعددية “إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ”.

هذا الحديث الآن والبعض يصنع آلهة من ورق يحبُّونهم كحب الله، مثل المناضل الذي تاجر بكل شيء.. الدين والوطن والصحافة، ووقت دفع الثمن مثَّل دور الضحية، والذين يصنعون الأصنام ولا يأكلونها لأنها ليست من عجوة، كمن تريد أن تعمل له صحيفة شعبية يترأَّس تحريرها، رغم أنه جمع من النضال مالاً لو أراد أن يمتلك به فضائية خاصة على أي قمر غير النايل سات لفعل، لكنه كان وهو يقبض ثمن النضال مرتين، مرة رصيدًا في البنك يتجاوز نصف مليون جنيه شهريًّا من البرامج والصحافة، ومرة من حب الناس التي صدَّقت أنه مناضل، وضد التوريث، وهو يورث أخيه ما لا يملك، وهو لا يستحق!

هو نفسه الذي كتب “الآلهة لا تمرض” وتسبَّب في انتكاسة بالبورصة ولم يحاسبه أحد على تخريبه ببثه شائعة مغرضة للاقتصاد القومي، والآن يمثِّل دور الشهيد والمحارب الذي ذهب ليستريح، وهو في الحقيقة ذهب مع الريح!

ونعود إلى الديمقراطية الإلهية، ووجهات النظر المختلفة التي تحاول تفسير العالم، أو تغييره، وإلى الذين يستنكرون الاختلاف حول أشخاص لأنهم يرونهم من منظور واحد، كيف لا يتعلمون من درس الظاهر والباطن، في قصة موسى والخضر عليه السلام؟!

فوجهة نظر الخضر في خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار دون أجر، كانت خافية على موسى، إلى أن بيَّن الخضر – الذي وصفه الله بقوله: “عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا” – لموسى الحكمة اللدنية، وهكذا علمنا الله من خلال هذه القصة أن ثمة رأيًا آخر لا نعرفه لتفسير الأشياء، هذا الرأي وتلك الديمقراطية تغيب عن مدَّعي الدفاع عن الدين، أي دين، وأصحاب الرأي، أي رأي كذلك!

ويتصوَّر المتخابثون أن التعدُّدية هي سبب وجود الشر في العالم، وهذه وجهة نظر لكنها ليست كل الحقيقة، علمًا بأن الحقيقة نفسها وجهة نظر، لا يملك صاحبها حق فرضها على العالم، أيًّا كانت سلطته، لأن الله (جلا وعلا) بكل سلطانه وجبروته لم يفرض على خلقه في الحياة الدنيا طاعته، وإنما فرضها لمن يختارها، الله لم يكن ديكتاتورًا، يمكننا قول ذلك ونحن نتحسَّس القلب والعقل معًا، فقد كان قادرًا، ولم يزل على أن يجبر إبليس أن يسجد لآدم، لكنه جلَّت حكمته، لم يقل لإبليس إنك منتهٍ، بل شكَّل بموقفه (وتعالى الله عن التشبيه وله المثل الأعلى) موقف خالق المعارضة في دولة الملكوت، ولو شاء لآمن إبليس وسجد، ولكن بمشيئته ترك وسجَّل في كتابه الكريم حجج إبليس في عدم السجود لآدم “أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ”!

فلماذا الاختلاف مع الحاكم في بلادنا الممتدة من المحيط إلى الخليج يفضي إلى جهنم، ولماذا نصنع من المناضل الذي يقبض ثمن نضاله بطلاً من دشت ـ ورق الصحف لمن لا يعرف ـ

ولماذا لا نؤمن بأن الله عز وجل يمهل ـ حتى إبليس ـ ولا يهمل، ولكن لأنه خالق السموات والأرض ومن فيهن، ولأن بيده ملكوت كل شيء، فقد أراد لنا أن نكون أحرارًا في ملكوت حريته الواسع، ووعدنا بجنَّته لمن أطاع وناره لمن عصى، ووعدنا بغفران كل الذنوب إلا الشرك به، ونزَّل من عليائه علينا رسالات ثلاث من لدنه، وأقول قولي هذا وأتذكَّر حكمته حين قال: ” وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.

هل ثمة ديمقراطية أروع من هذا المثل، وهل يعي المسلمون ما قاله رب العباد، للعباد حتى لا يتحكموا في إخوانهم العباد، باسم خالق العباد؟!

اللهم ارحمنا من أناس يريدون منا أن نثبت لهم أن رحمتك وسعت كل شيء، وأنت أرحم الراحمين!

وللحديث بقية..

[email protected]