cake_1473482c

     قد يبدو مستحيلًا أن تقنع أحدهم من أربعين عامًا مضت أنه سوف يكون بإمكانه كتابة مقالة مثل هذه، التي تستهلونها الآن، ومن ثمّ يكون بمقدور أيّ شخص في أيّ مكان وفي أيّ وقت حول العالم أن بقرأها، تمامًا مثلما تفعلون الآن. إلا أن تقنعه بنشرها في جريدة عالميّة لها توزيع في كبرى عواصم العالم – وحتى ذلك لن يصل لبعض البلاد في أفريقيا وأمريكا اللاتينيّة وآسيا، إن وصل لبقيّة دول العالم، على أقصى تقدير. إن الأمر يكاد يكون دربًا من الوهم، مهما سلكت من طرقٍ رياضيّة وهندسيّة، بل وفلسفيّة، وفق سردٍ علميّ ومنطقيّ. أو حتى مهما استدللت بشواهد تاريخيّة أو صاحبت عرضك بقوى خارقة في الإقناع.

     هذا ما حدث تمامًا في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1969، ولأول مرّة – المرّة التي مهدت فيما بعد لمثل هذه المقالة، ولمليارات المليارات من المقالات، والملفات، والصفحات، والصور، والأفلام، التي نتصفحها الآن بضغطة زر، أو أمر صوتيّ، أو إشارة عن بُعد. إنها ثورة بكل ما في الكلمة من معنى. وإذا كانت الثورة الزراعيّة والصناعيّة هما ثورتان العالم الكبريتين في الماضي، فإن الثّورة المعلوماتيّة هي ثيمة هذا القرن، ولا شك.

     في تمام العاشرة والنصف مساءًا يوم التاسع والعشرين من أكتوبر من أربعين عامًا بالتمام والكمال، تم إرسال أول رسالة من جامعة كاليفورنيا بلوس أنچليس إلى معهد ستانفورد للأبحاث بسان فرانسيسكو، عبر الآربانيت، وهي شبكة لتوصيل عدة أجهزة حاسوب بعصبة واحدة بدلًا من الوصلة المباشرة التقليديّة بين جهازين. والآربانيت كان من اختراع وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكيّة.

     كانت الكلمة المُرسلة عبر الجهازين هي “login” أو “دخول،” ولكن الاتصال انقطع بعد أول حرفين، واضطر العلماء الانتظار لساعة أو ساعتين آخرتين لإرسال الكلمة كلها، بعد عودة الاتّصال مرة أخرى.

     لم يُصطلح اسم “الإنترنت” إلا بعد خمسة أعوام إضافيّة من هذا التاريخ. بينما يرجع إرسال أول بريد إلكترونيّ بين جهازيّ حاسوب متّصلين عبر شبكة مباشرة، إلى خمسة وأربعين عامًا مضت. بينما أول بريد إلكترونيّ عبر الآربانيت، أرسله رايموند صامويل توملينسون، المبرمِج الأمريكيّ المعاصر، عام 1971، بعدما قام بفصل اسم المستخدم عن اسم الجهاز باستخدام رمز @.

     لم يولد الإنترنت للاستخدام التجاريّ كما نعرفه اليوم، أي “World Wide Web”، أو شبكة المعلومات الدوليّة، إلا في مارس 1989، أي منذ عشرين عامًا، على يد الفيزيائيّ البريطانيّ سير تيم بيرنرز لي.

     بعد أربعين عامًا، نرسل الآن معلومات تساوي مليارات التيرابايت يوميًا عبر الإنترنت، ونتواصل عبر فيسبوك وتويتر وماي سبيس، ونقرأ على ويكيبيديا وبريتانيكا، ونتبضّع على آمازون، ونشاهد التلفاز عبر يوتيوب، ونقرأ الكتب الإلكترونيّة، ونسمع لمحطة راديو بي.بي.سي. عبر أجهزتنا الإلكترونيّة، ونستمع للموسيقى، ونحمّل ونتبادل الأفلام. أعتقد أن شرارة المعرفة النورانيّة، المسمّاه الإنترنت، والتي أطلقها سير تيم لن تتوقف أبدًا عند حد أجهزة الجوّال الذكيّة، وأجهزة الحاسوب المحمولة التي تعمل باللمس، ولا أيضًا بالألعاب الإلكترونيّة التفاعليّة التي تنقل حركات اللاعب ثلاثيّة الأبعاد إلى اللعبة بلا أجهزة تحكم أو أسلاك تقليديّة.

     والآن نستعرض نظرة سريعة على أشهر معالم الإنترنت منذ انطلاق شبكة المعلومات الدوليّة*:

  • 1993: انطلاق أول متصفّح على الإطلاق، وهو متصفّح موزيك “Mosaic”، وكان بالتأكيد قبل كلًا من كروم، ويندوز، آوبرا، فاير فوكس، وسافاري.
  • 1995: انطلاق موقع آمازون، أشهر مواقع التبضّع عبر الإنترنت في العالم. قد تشتري كل شيء وأي شيء من آمازون بدايةً بكتاب مستعمل إلى سيارة حديثة.
  • 1996: انطلاق موقع إي.باي، وهو أكبر موقع لتبادل المنتجات المستعملة بين المستخدمين.
  • 1997: أول متصفح إنترنت يعمل عبر الأجهزة الجوّالة، وقد كان وقتها تستعرق عمليّة معرفة نتائج مباريات الأسبوع أو أماكن عرض أفلامك المفضلة، عبر الجوّال وقتًا وعناءًا كبيرًا. ولكن الآن، نشاهد المباريات والحفلات مباشرةً على جوّالتنا الحديثة باستخدام تقنيّات الجيل الثّالث، وربما الرّابع الذي انطلق لاحقًا، بل ونحدد المواقع الجغرافيّة بسهولة ويسر من خلال خاصيّة چي.پي.إس عبر السّتالايت مباشرةً.
  • 1998: نشأة العملاق جوجل، لا أجد ما أقوله أكثر من أن فعل “Google” الإنجليزيّ أصبح رسميًا أول فعل يعبّر عن البحث على شبكة الإنترنت بشكل عام، وجوجل بشكل خاص. لأنك، وببساطة، إذا كنت تبحث عن شيء على الإنترنت، فأنت بالتأكيد تبحث من خلال جوجل.
  • 2001: أطلقت مؤسسة ويكيپيديا موقعها الموسوعيّ، والذي تبعه مشاريع لا حصر لها بدايةً بويكيميديا، وليس نهايةً بويكيبووكس. لدى ويكيپيديا الآن ثلاث عشرة ملايين صفحة، ثلاثة ملايين منهم بالإنجليزيّة، حررها جميعًا متطوعون من حول العالم، وبإمكان أيّ منا تعديل معظم صفحات ويكيپيديا. سمعنا جميعًا أنه موقع غير حيادي، هذا يحدث لأن محرروه بشر لهم أهواء، ولكنه يكفي أنك لا تستطيع وضع اللمساء الأخيرة على أيّة مقالة تكتبها الآن بلا الرجوع لويكيپيديا عشرات مرات، والإشارة له عدة مرات.
  • 2004: موقع فيسبوك، إدمان؟!
  • 2006: هذا العام هو بلا أدنى شك أهم معلم في تاريخ تطور الإنترنت على الإطلاق، حيث نشأت أولى مواقع شبكة شباب الشّرق الأوسط.
  • 2006: موقع تويتر، ثورة في التواصل السّريع الذي لا يزيد عن مائة وأربعين حرفًا.
  • 2008: انطلاق النسخة العربيّة لشبكة شباب الشّرق الأوسط.

     *المصادر:

- مقالتان انفردت بهما صحيفة ديلي تليجراف البريطانيّة، هنا، وهنا. جدير بالذّكر أن موقع صحيفة ديلي تليجراف الإلكترونيّ نشأ عام 1994.

- ويكبيديا، بلا جدال. هل تنتظر رابطًا؟!

** الصّورة من موقع ديلي تليجراف.