أيمن عبد الرسول

توقَّفت هذا الأسبوع أمام ثلاث فتاوى من ثلاث طوائف، اثنتان منهما إسلاميتان، والثالثة يهودية، ففي المسيحية لا توجد فتاوى، فيما بين الفتاوى والفتنة علاقة وثيقة، فالفتوى اليهودية تدور حول فتنة النساء والجنس، والفتوى الشيعية تقف في وجه الفتنة الطائفية بين السُّنَّة والشيعة، والفتوى السلفية تصنع فتنة بين الناس ضد آثار بلادهم، ففي الوقت الذي يفتي فيه حاخام يهودي في تل أبيب بجواز ممارسة فتيات الموساد للجنس مقابل المعلومات من الأعداء، ويفتي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية بتحريم سب الصحابة وأم المؤمنين عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفتي سلفي يتصف بالغشم وربما الغباء باستحلال آثار مصر وبيعها بشكل خاص أو نبشها لأنها ليست ملكًا للدولة، وأنها أصنام والعياذُ بالله!

فرق شاسع بين الثقافة الطهرانية الإيرانية الشيعية، وثقافة السلفيين النصية اللا عقلانية والتي تعبد النصوص والشخوص وتدَّعي التماهي مع السلف الصالح، وتشترك الثقافتان اليهودية والشيعية في أنهما أسَّستا دولتين مستندتين على الدين، وفي الحقيقة لا بد أن تصبح المجابهة الثقافية والعسكرية بينهما في المنطقة الشرق أوسطية، لأنهما تقومان على نفس الأسس العملية التي تساهم في إنجاح الدول وتطوير التجارب السياسية، أما النمط السلفي في التفكير فربما يفسر لنا الفشل الساحق في مجال الدولة إذا اقترن الأمر بالسلفية النصوصية.

وقال محمد حسان في فتواه ردًّا على سؤال ما حكم بيع الآثار: “إذا كانت في أرض تملكها أو في بيت لك فهذا حقك ورزقك ساقه الله لك ولا إثم عليك ولا حرج، وليس من حق دولة ولا مجلس ولا أي أحد أن يسلبك هذا الحق، سواء كان ذهبًا أو كنزًا. أما إذا كانت تلك الآثار تجسد أشخاصًا فعليك أن تطمسها، لأن النبي نهى عن بيعها، وما حُرِّم بيعه حُرِّم ثمنه. وأما إن كانت هذه الآثار في أرض عامة تمتلكها الدولة فليس من حقك أن تأخذها أو تهربها أو تسرقها وتبيعها، فهذا حرام ومالها حرام”.

وتحت عنوان “غشيان المحارم من أجل أمن الدولة”، نشرت “مؤسسة طواقم العلوم والتوراة” في “غوش عتسيون”، وهي مؤسسة محسوبة على الصهيونية الدينية، بحثًا أعده الأستاذ الجامعي في الدين اليهودي آري شباط تناول إرشادات للجاسوسات اليهوديات اللواتي يضطررن إلى مضاجعة رجال غرباء وإرهابيين “من أجل استقاء معلومات حيوية لأمن الدولة أو من أجل إلقاء القبض عليهم”.

وطالب المستفتون آية الله العظمى علي خامنئي بإبداء رأيه حول ما ورد من “إهانة صريحة وتحقير بكلمات بذيئة ومسيئة لزوجة الرسول أم المؤمنين السيدة عائشة”.
وقال خامنئي جوابًا على ذلك: “يحرّم النَّيْل من رموز إخواننا السنة فضلاً عن اتهام زوجة النبي بما يخل بشرفها، بل هذا الأمر ممتنع على نساء الأنبياء خصوصًا سيدهم الرسول الأعظم”.

نحن أمام ثلاث فتاوى يربطها خيط الفتن، طائفية وجنسية وأثرية إن جاز لنا هذا التوصيف، يوضِّح الفارق بينها ـ على اعتبار أن الفتوى أُنثى ـ طريقة التفكير في مصلحة الوطن والطائفة والدولة، فمن مصلحة الشيعة قطعًا عدم اتساع الهوَّة بينهم وبين أهل السنة بسبب تهوُّرات بعض المحسوبين عليهم من المغالين في التشيُّع، ولا تأكيد مواقفهم العدائية من الصحابة رضوان الله عليهم ولا زوجات الرسول صلوات ربي وتسليماته عليه، وتبقى مصلحة وأمن إيران ومشروع تصدير الثورة في أمان بترضية السنة، وهو ما تجلَّى في ترحيب الأزهر الشريف قلعة الإسلام السني بفتوى خامنئي!

في ذات السياق تصبح مصلحة أمن دولة إسرائيل فوق كل اعتبار، ببساطة هكذا ينبغي أن تكون العلاقة بين الدين والدولة في دول أُسِّست على الدين، مثل إيران وإسرائيل، دول تؤمن بأنه حيثما كانت المصلحة فثمَّ شرع الله، وربما ما تقوم به المملكة العربية السعودية في منهج تعاملها مع التيار الديني المتشدد، والذي بدأ يعي بفضل مجهودات الكثيرين وعلى رأسهم الملك عبد الله بن عبد العزيز، أن الإسلام لا يواجه العصر، فنحن يجب أن نتصالح مع العصر بالإسلام، حيث اتجهت المملكة إلى تقنين الفتوى بحصرها داخل هيئة كبار العلماء، وهي الطريقة التي تجعل الدين والدولة متكاملين معًا دون صدام.

عزيزي القارئ اللبيب.. لن أعلِّق على هذه الفتاوى بأكثر مما قلت، ولكن اسمح لي ألفت نظرك إلى طرق التفكير بين فتوى تبني دولاً، وفتوى تخرب بلادًا، بين الدين إذا تصالح مع العصر، والدين إذا حارب الزمن ليعود به إلى الوراء، ورغم إيماني الكامل والشخصي بحتمية فصل الدين عن الدولة، فإنني لا بد وأن أعترف، بأن أكثر الدول مدعاة للانبهار هي دول، وظَّفت الدين لرفعة الدولة، ولكن أي دين وأية دولة؟

تلك هي المعضلة.

ومرحبًا بالبيان المشترك الذي أصدره مولانا شيخ الأزهر، وقداسة البابا شنودة معًا لدعم المواطنة وضد الطائفية، أحيانًا وعندما يخدم الدين الوطن ويحارب الطائفية ويدعم مواطنة المواطنين في الدولة، تصبح الفتاوى مضادة للفتن، ولكن أمثال محمد حسان وفضائيته السلفية، تصبح غالبًا – تقريبًا- فتاواهم مصدرًا للفتن وللطائفية ولنهب الوطن.

ربنا لا تفتنَّا في ديننا، ولا دنيانا، وارحمنا ممن لا يخافك ولا يخشاك ولا يفهمنا!