من الطبيعي أن تحمل الايدولوجيات المختلفة في البلاد العربية منذ الخمسينيات (يمين ديني – يسار – قوميين) مواقف عدائية واضحة بخصوص اسرائيل تتناسب مع واقع حرب 1948 و عدم رغبة اسرائيل في بداياتها في سلام مع عرب الجوار -بإستثناء مصر- يجعلها محجوزة و مُحجمة في نطاق جغرافي محدد ، من الطبيعي كذلك أنه مع تعدد الحروب تتفاقم الرؤى و يصبح الامر اكثر سوداوية فمع الاجتياحات الاسرائيلية لأراضي عربية (بغض النظر عن الاسباب) من الطبيعي أن يتصاعد الموقف للراديكالة الاكثر فالاكثر ، لكن اليوم هل نحن حقاً في مسار منطقي؟ هل مواقفنا و مبادئنا و رؤيتنا لإستراتيجية التعامل مع إسرائيل سليمة؟ هل نحن هكذا جيدون ام نحتاج لشئ حديث او تغيير ما في تعاطينا مع المشهد؟
..
يمكن طرح إشكاليتنا في التعامل اليوم مع الظرف الاقليمي الخاص بإسرائيل في أن مواقفنا تتبع ثلاثة تيارات :

-1- الإسلامجية : تنطلق توجهات هؤلاء من باب حرب اليهود ضد المؤمنين و المؤامرة الصليبية الصهيونية و خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود (في اشارة لمجزرة الخندق الاسلامية) ، هؤلاء يعانون من حالة متقدمة من الهلاوس تجعلهم متاكدين ان الجر سوف يصيح ان وراءه يهودي (شجر منضم للحزب النازي غالباً) و ان حرب اخر الزمان ستكون بالسيوف ! و ان النصر الكامل سيأتي بعودة المسيح !! و ان زوال اسرائيل حتمي و يستلون بآيات قرآنية !! بإختصار الموقف الاول هو رفض ديني لي تعامل او صلة مع اسرائيل و اعتبار الحرب امر حتمي الحدوث بأفكار عنصرية تستند لتاريخ قتل و طرد اليهود من الجزيرة بيد المسلمين الاوائل و كل هذا يتم تعويمه وسط قواعد (المقاومةو الجهاد) .

-2- القومجية : و هم أقل الناس تأثيراً لإنقراض النظم الداعمة لهم بين نظام تم هتك عرض رئيسه قبل قتله و نظام تم شنق رئيسه و نظام يخوض رئيسه حرب داخل بلده و نظام لم يتبقى منه الا الحزب الناصري و سيرة التعذيب ، هؤلاء ينطلقون من منهج مختلفة متقاتلة فيما بينها تسب و تلعن و تخون بعضها و مشاريعها مختلفة بين قوميين عرب و قوميين سوريين اجتماعيين و قوميين وحدويين مغاربة الخ الخ و من مناهج سياسية تخوض حرب اهلية من بعثيين و ناصريين و غيرهم ، خارج حروبهم فهناك قواعد راديكالية لا دينية تماثل ما يعلنه الإسلامجية تماماً لكن بدون غطاء ديني و لا اشجار و لا مسيح فقط شعار رافض و مقاوم و مناضل حتى آخر رئيس قومي يتم إعدامه !

-3- اليسارجية : مع أن الشيوعيين اول من اعترف عربيا بإسرائيل و دعمهم و رفض الحرب العربية (حرب التحرير 1948) اتباعاً لهوى السوفييت فإنهم اكثر من عارض اسرائيل و قاتل ضدهم (اتباعاً لرأي السوفييت الجديد) و يشتركوا مع الاسلاميين و القوميين في الصدام و اللاءات الشهيرة ضد اسرائيل و رفض التعامل معها و الزائد انهم أكثر من رفع السلاح ضد اسرائيل بنجاح و نذكر موقفهم في حرب 1982 ضمن عملية السلام للجليل أو ما سميت بكرة الثلج ، إننا نلمس دوماً قمة الرفض اللاديني و العقائدي باليسار و اعتبار الامر محسوم ، الياسر يستمر في الرفض مع انه تحول لطبال لأنظمته التي تتعامل و تتحالف مع اسرائيل فباليمين يصرخ بالميكروفون بعد ان القى السلاح و باليسار يلعب بالصاجات للانظمة صديقة اسرائيل و سيستمر في هذه الثنائية الى ان يفقد الوعي اثر جرعة فودكا كبيرة !

..
* الحقيقة أنني لا أسخر بل أتكلم عن واقع ما وصلنا له من لاءات شهيرة و قواعد عمل غير منطقية يمكن تلخيصها بالتالي :
-1- الحديث عن حتمية حرب نظامية مع اسرائيل .
* و هنا أظن أن حرباً نظامية مع إسرائيل نتيجتها محسومة سلفا و الفارق هو هل سنهرب أسرع أم أبطأ من عام 1967 ؟ و هل لو نجحنا بشكل ما في تجاوز الحدود سنجد العواصم التي خرجنا منها أم لا؟

-2- الحديث عن رفض التعامل مع اسرائيل بأي صورة .
* من حقنا لكن هل دول الطوق العربي مجبرة على هذا؟ موريتانيا لن تخسر شئ لكن دول الطوق هل حقاً عليها أن تسحق مصالحها من اجل رضا دول تحارب جيرانها و ترفع الميكروفون في وجه اسرائيل؟

-3- الحديث عن نهاية اسرائيل و زوالها و بالذات عند مثقفي اليسار الاسلامي (فيه يسار اسلامي) .
* من يحبون الحديث عن نهاية إسرائيل عليهم القيام بأكثر من التحليل الاجتماعي للمشكلات الاسرائيلية الداخلية فأنا اتذكر عبد الوهاب المسيري الذي بشرنا بتحلل اسرائيل فتحللت معظم دول المنطقة و لا تزال اسرائيل كما هي بل أقوى !

-4- استمرار التفكير بعقلية عام 1948 للقوميين و الاسلاميين و 1955 لليساريين .
* هذا محور المقال و هو ما نؤكد أن الزمن تجاوزه و سنطرح لاحقاً ما نريده كرأي خاص بالأزمة في طبيعة التعامل مع اسرائيل.

-5- الحديث عن حرب العصابات بديلاً مؤقتاً عن حرب النظاميين .
* يمكن و ادعم هذا بشدة بشرطين ، أولاً وجود تنظيم سياسي موحد فلسطيني يجني الارباح و يفاوض ، ثانياً أن ترتبط الالة المقاومة بآلة سياسية بقيادة موحدة بحيث لا يكون هناك مقاوم و سياسي بل منظومة متعددة .. هل هذا ممكن؟

-6- استخدام سلاح النفط العربي !
* يعني بوضوح لم يكن سلاح النفط موجود في اي حرب و لا فعال فيها بما فيها حرب 1973 فهل اليوم في ظل الوضع السياسي الخليجي و الوضع العسكري الغربي بالخليج أي مجال لهذا؟ ثم ان الدول العربي تبيع للشركات التي تبيع لإسرائيل فهل الدول العربية الان لا تبيع النفط لاسرائيل؟ و ما معنى استخدام سلاح النفط؟ يعني النفط شعار أكثر من كونه واقع و من العبث حقا تصور امكانية استخدامه بأي شكل كسلاح لكن يمكن ايضاً إستخدام عوائده لصالح فلسطين و هذا امر منفصل .

-7- تفضيل التعامل مع المقاومة الاسلامية حماس عن السلطة الوطنية .
من حق أي احد ان يرفض التعامل مع السلطة التي تمثل فلسطين دولياً و يحصر فلسطين في سلطة حماس لكن عليه بالضرورة أن يفهم ألا مستقبل لفلسطين مع تنظيم يرفض كوكب الارض ان يتعامل معه باستثناء 4 دول ، التنظيم الدولي المفاوض المقنن المنظم المدني من حقنا رفضه لكن ايضا معه نقبل برفض كل الدول الغربية و الشرقية النظر لمسألة فلسطين بدون غضب منا .

* الأمر واضح فلا توجد أي خيارات واقعية من المطورح سابقاً الا المقاومة التي بدورها باتت بالعقد الاخير غير واقعية بفضل تشتت عملها و انغماسها السياسي والاخطر ان لا منظومة سياسية تعبر عنها بل الشق السياسي الفلسطيني المعترف دوليا به يعاديها و هي لا تقبل بأي تفاوض و بالتالي المحصلة النهائية قتال محدود مكلف بشدة ماديا و بشريا بلا اي حصيلة سياسية و مجرد طنطنة و جعجعة فقط .
..

و الآن ماذا بعد؟ أريد ان أضع رأيي لما يجب أن يكون خط عمل حاضر و مستقبلي خطوطه العريضة :

-1- فصل موقف دول الطوق (مصر – الاردن – سوريا – لبنان) من اسرائيل في مسائل الاعتراف و العلاقات عن باقي الدول العربية  .

-2- الاعتراف بوجود إسرائيل أمر حتمي لدول الطوق فتجاهل الاعتراف ببلد حدودي نووي هو ضرب من الجنون خاصة ان كل تلك البلاد تتواصل مع اسرائيل سراً بشكل مباشر او عبر وسطاء .

-3- كل بلد عربي حر في تحديد شكل العلاقات السلمية مع اسرائيل سياسة و إقتصاداً بناء على ظروفه و مصالحه لكن يتم التوافق المشترك مع ورقة واحدة موحدة هي حق دولة فلسطينية بشكل واحد و اسلوب واحد و خطة عمل واحدة و ما غير هذا يخص كل بلد .
-4- البلاد العربية الغير مجاورة لإسرائيل لا يوجد أي سبب لهم لإقامة علاقات مع اسرائيل او الاعتراف بها و يبقى هذا مؤجل لحين احتياجه في تسويات سياسية لاحقة بإستثناء البلاد ذات التواجد المحلي اليهودي كالكغرب مثلاً .

-5- عدم التعامل مع تنظيمات غير منتخبة أو إنفصالية فلسطينية و التعامل مع التنظيمات المعترف بها دولياُ الحائزة لشرعية التفاوض السياسي و معها يتم توحيد ورقة فلسطين السابق الاشارة لها .

-6- كل فصائل المقاومة إما ان تسير على الخط السياسي المشار اليه أو بوضوح تنتهي الصلة الرسمية و العملية بها في ظل تحولهم لمجموعات ممثلة للنفوذ الاقليمي لبعض الدول و تلاشي فكرة المقاومة على الارض و تحولها لصد هجمات عسكرية على اراضي انسحبت منها اسرائيل بإرادتها و إنعدام وجود تنظيم سياسي لهم يحصد ارباح المقاومة مما حولها بالنهاية لحركات المستفيد الاول منها اسرائيل .

 -7- مع تحول الوضع من سري بين الحكومات اليوم الى علني و تنظيم المسار العربي حسب المصلحة لكل بلد و ابقاء ملف واحد فقط مشترك فإن السياسات العربية تنتظم لشكل واقعي بمنهجية و نتائج حقيقية فبكل أسف بقاء الوضع الحالي معناه سقوط مريع ليس لبقايا فلسطين التاريخية فقط بل للشعب الفلسطيني كله .

آن الاوان ان نراجع اللاءات المقدسة و أن نفكر بواقعية ..
اسرائيل واقع و افكار الاربعينيات اصبحت هي الغير واقعية ..
تحرير فلسطين هو ان ننشئ دولة فلسطين ..

للتواصل مع الكاتب : https://www.facebook.com/mahmoud.arafat.7503