يقولون “لقد حرّرنا المرأة .. هي تذهب إلى العمل, هي عنصر فاعل في المجتمع المدني و في الحياة الاقتصاديّة و السياسيّة.. هي ترتدي ما تشاء من ملابس .. هي ترتاد المدارس و الجامعات حتّى إنّ نسب الإناث في الجامعات أكثر من نسب الذكور”..
أستمع , أؤيّد إلى حدّ ما .. صور من الماضي تجتاح ذاكرتي: لا زلت ألمس تلك النظرة المزدرية التّي تلقاها المرأة في معاملاتها اليوميّة مع النّاس ذكورا أم إناثا كانوا.. وأصطدم في طريق الخروج من ذاكرتي بمواقف أعيشها كلّ لحظة كلّما مررت أمام مجموعة من الرجّال إلّا و تأمّلوا جسدي و يتفوّه البعض فيهم أحيانا بإيحاءات جنسيّة لا أفهمها في كثير من المرّات .. أذكر أنني كنت و أربع صديقات متجهات من المعهد إلى محطّة الحافلة و ضايقنا رجل كان بصدد قيادة درّاجته النّاريّة.. لم أفهم ما قاله و لم أبصر من شكله إلّا لسانه و الخوذة التّي كان يضعها.. أذكر في ربيع الطفولة رجلا يعترضني في الطريق من المدرسة يبحث عن صدر لم يكن موجودا .. أحسّ بالقرف و أكره ذاكرتي التّي ترفض النسيان .. أتمنّى لو أقتل جميع الرجال الذين مثله, أولئك الذّين لا يزالوا يظنون أنّ المرأة ليست سوى جسد و متاع يحقق به الرجل حاجيته, و يمرّ…
أدرك أنّني لم أكن حرّة . و أنّ صديقاتي لسن كذلك و لا جميع نساء المجتمع. و أنّ المرأة , بالرّغم من ارتيادها الحياة اليوميّة و مدى أهمّيتها في التقدّم على جميع المستويات , لا زالت تعاني من سجن من العادات و التقاليد الواهية التّي جعلت منها على مرّ العصور خادمة, حاجة أو متاعا .. أتألّم لذلك و أقرّر أن أحارب جميع هذه الأفكار السرطانيّة .. و أتمنّي أن تزول جميع العادات و القيم التي تقصي عقل المرأة و أفكارها.
أيقنت أنّ من يجب تحريره ليس المرأة و لكن الفكر القديم البالي الذّي لا زال يحطّ من قيمة المرأة العقليّة كلّما حاولت التحليق في سماء الحريّة الرّحب.. على المرأة أن تحرّر نفسها بنفسها, عليها أن تعرف كم هو جميل أن تكون امرأة حرّة حريّة الفراشة مزدانة بقدر من الذّكاء و العلوم والتجارب والأخلاق تحقّق بها وجودها كفرد كامل في المجتمع.. وعلى المرأة أن تنير عقول من حولها و تنشر الجمال من حولها محاكاة للرّجل الذّي تكمّله و يكمّلها.
خروجا من نفسي , تعترضني صورة المرأة المحجبة التّي رأيتها بصدد إغراء رجل مارّ في طريق خال .. لم يكترث لها الرجل, أظنّه لم يرها و لكن القحة وصلت بالمرأة إلى التعري في الشارع.. أحزن لها .. أموت لرؤيتها, وأدرك أنّ المجتمع هو الذي جعل منها دمية. أدرك أنّها لم تفكّر و لو ثانية واحدة في حياتها, و أنّها خلال الثلاثين سنة الماضية من حياتها لم تعامل فيها كذات مفكّرة ولو مرّة واحدة, و أنّها لم تعرف أبدا طعم قوّة العلم و الحجّة.. آسف لها و آمل أن تلقفها أياد ما من ذلك الوهم الفكري الذّي تعيشه ..
أشرد و أبصر في نهاية يومي بصيصا من الأمل , أقوده و أفكاري .. و جميع من يريد تغيير الوضع الوضيع .. و أنام على أمل تحرير الفكر . و أحلم بالحريّة و لا أحبّ أحدا غيرها,حرّية بيضاء شاملة .. حرّية تعبير , حريّة تفكير , حريّة معتقد , حريّة ذات , حريّة قلم ,حريّة شعب .. تخمة من الحريّة التّي لا أشبع منها أبدا, أنام و أحيى على ذكراها..