عندي من الدوافع القوية ما يقودني لاعتبار (نهاية السيد واي) شرحاً سردياً للتفكيك .. انتصاراً للدعابات الهازئة التي يحاول مفكروه تحريرها من الكبت غير العادل للرصانة الفلسفية .. هناك رسالة ممكنة للإجراء التفكيكي تدعوك لعدم أخذ الأمور بجدية؛ أي الوقاية من الخضوع للتصديق ـ أو على الأقل الابقاء على الشك ككائن يستحق الحياة ـ تجاه ما يسمى بالتصورات الذهنية لما يطلق عليها ظواهر الواقع! .. لنبدأ بأحد الدوافع:

(جميع عقائد الغرب والعقائد الحسنة تدخل هذا الرهان على البيان: أن الرمز قد يشير لعمق المعنى، أن الرمز قد يُستبدل بمعنى، وأن شيئاً ما يضمن هذا الاستبدال .. الرب بالطبع. لكن ماذا لو أن الرب نفسه يمكن محاكاته، يمكن اختزاله في الرموز التي تُكوّن العقيدة؟ لصارت حينئذِ المنظومة كلها بلا وزن، لم تعد في حد ذاتها أي شيء سوى زيف عملاق … ليست فقط غير حقيقية، بل زيف، ويستحيل استبدالها بشيء حقيقي. هي تتبدل بنفسها في دائرة محكمة بلا مرجع أو محيط)

هذا التصدير لـ (جين بودريار) مضافاً إليه تصدير آخر أكثر تكثيفاً لـ (مارتن هيدجر):

(بالقطع، يمكن لأي كائن كان أن يبدو على غير ما هو عليه في حد ذاته)

ألا يجعل الرواية تبدو وكأنها فتحت بابها في ضوء هذا المقطع من كتاب (مدخل إلى التفكيك) لـ (ميشيل رايان):

(التاريخ هو الاسم الآخر لعدم قابلية الحسم من حيث هو إمكان مفتوح باستمرار لتوسيع نسق البديهيات، وإذا كانت الماركسية علما فهي علم التاريخ. ولحظة أن تؤسس بديهياتها تفتح نفسها على الاتساع بمقتضى حركة التاريخ. إن بديهياتها مشروطة على الدوام لأن التاريخ ميدان التغير والتعديل والاتساع، أي هو ميدان غير محدد. أما بين يدي الماركسية العلمية فتكتسب كلمة علم معنى يعادي التحقيق العلمي الذي يحتفي ـ على الرغم من كل شيء ـ بعدم قابلية الحسم من حيث هي إمكان دائم لتعديل بديهيات أي نسق معطى. وبدلا من مجموعة بديهيات شكلية لا تقبل التعديل وتقدم ـ في الحال ـ حقيقة عن العالم حاسمة ومطلقة، يسعى ” العلم ” إلى الكشف عن عدم قابلية الحسم، أي اكتشاف الحد الذي عنده تكف البديهيات القائمة عن الاكتمال وتبدأ في تكميل نفسها. لا يسعى العلم إلى حقيقة مطلقة ( بالمعنى الدارج عند ألتوسير  بل يؤكد على الأصح أن أية حقيقة موجودة حاليا قد يثبت أنها غير مطلقة)

تنهار مع مبنى (نيوتن) الرموز، والمعاني، ومبررات المحاكاة .. لم يعد هناك سوى عالم مجازي من أحلام ذاكرة ممتدة، لا يختبيء (ماوراء) داخل خيالاته .. السفر عبر الأذهان هو عنوان لعدم قابلية الحسم، والإمكان المفتوح باستمرار لتوسيع نسق البديهيات

لننتقل إلى دافع آخر:

(أتخيل أنا شريط “موبيوس” هذا الشريط الذي تحصل عليه إذا ما لصقت نهايتي شريط ورقي طويل بعد أن تجعل فيه إلتواءً واحداً. بإمكانك أن تسير على أحد جانبيه بسعادة إلى الأبد دون أن تدري أنك، بطريقة ما غريبة، ظللت تتنقل “من جانب لآخر” بينما لم يزل يبدو لك مسطحاً، وتظل تسيرفيه إلى ما لانهاية دون أن تدري أنك ظللت تعود للبداية لتبدأ من جديد)

أليست هذه الفقرة وثيقة الصلة بهذا المقطع لـ (ريتشارد روتي) من كتاب (مدخل إلى التفكيك) أيضاً:

(النقد التفكيكي لا يتوقف على تأسيس حقائق فلسفية شبه علمية ولا على ما يدعوه كلر شروحات تستوفي الأعمال المتفردة. وعلى الأصح تتوقف هذه النتائج على خبرة الناقد بالتجدد التلقائي المتواصل عبر عملية من إنهاك أطر التفسير المتبناة من قبل إنهاكا متواصلا ـ أي: استجلاء العمى الذي أنتج بصيرة سابقة، مشفوعا ببصيرة جديدة يتيحها عمى جديد، وهكذا على الدوام. ومن ثم فلن تتوقف ” نتائج ” النقد التفكيكي، بحسب رؤية كلر، على مجموعة مباديء تعمل بمقتضاها قراءات حاسمة للنصوص، بل ستتوقف على قدرة الإسهام في ممارسة تتهرب على الدوام من إمكانية تحديد نفسها)

مع كل خطوة داخل (الظاهر) أو (الحسي) يسقط رسوخ ما مصحوباً بارتداد للنقطة الأولى .. قدم في يقين، والقدم  الأخرى في أنقاضه .. البقاء للعمى إذن كسلطة مهيمنة على كل نسق فكر أو سياق استنتاج محدد ـ لاحظ أن الذهن لم يعد إذن كياناً مغلقاً، والذكريات توقفت عن أن تكون حصناً سرياً ـ وهو ما تُحركه غريزة (العودة الدائمة للاكتشاف) تحت إلحاح أطر التفسير المنهكة

رواية (نهاية السيد واي) لـ (سكارليت توماس) دعابة مشكّلة بكافة الحيّل، والإغراءات، والوعود اللائقة بإنتاج دعابة هازئة .. انتبهت في هذه اللحظة أن ما تُمثّله التركيبة التي تحملك إلى البعد الرابع أو (التروبوسفير) قريب بشكل ما مما تُمثله الشريحة التي زرعها دكتور المخ، والأعصاب أسفل جلد (محمد سعد) في فيلم (اللمبي 8 جيجا) .. ليست (الإثارة) المستعارة من قاموس التشويق القديم هي مصدر طاقة تلك الدعابة، كما أنها ليست بالتأكيد صاحبة الفضل في تنظيم مسارات الشغف السردي .. الدعابة في الرواية يمكنك أن تلخصها في هذه الكلمات: (نعيش بمبدأ الشك ونظريات تفتقر لبراهين وفلاسفة يزعمون أن العالم محاكاة .. نسخة بلا أصل. نعيش في عالم حيث لا شيء قد يكون حقيقياً)