هناك فارق جذري بين تصوري عن مهنتي كصحفي، وبين تصور الرئيس السيسي عنها.
الرئيس يدعو الإعلام للتركيز على التفاؤل، قائلا «لابد أن يركز الإعلام على التفاؤل لبعث الأمل في نفوس المواطنين».
عزيزي الرئيس، تقوم فلسفة مهنة الصحافة على البحث عن أوجه القصور في الأداء الحكومي والسياسي، وتعمل على مطاردة الفاسدين، ورصد سلبيات المجتمع…أما التغاضي عن أي من ذلك أو تجميله، فهو من اختصاصات أقسام الدعاية والعلاقات العامة.
تخيل أن يجيء إليك رئيس جهاز المخابرات العامة ومعه ملف يضم أوراق قضية تجسس خطيرة ويناقش معك إعلان القبض على الشبكة، فتنظر إليه بضيق صدر مطالبا إياه بأن يركز على التفاؤل وأن يترك هذه الأمور المحبطة.. ليبحث عن قصة مواطن رفض أن يبيع نفسه للمخابرات التركية مثلا وجاء لمصارحة المخابرات المصرية بمحاولات تجنيده الآثمة.
لقد أثير جدل طويل حول توصيف مهنة الصحافة ودورها في المجتمع للحد الذي دفع البعض لاعتبارها سلطة رابعة، بعد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
فالدور الرقابي، الذي تقوم به، يمثل على نحو ما، الضمير الشعبي ويعكس الرأي العام ويعبر عن تقييماته لما يجري.
أما تحويل الصحافة إلى مواضيع تعبير عن عظمة مشروع قناة السويس أو تحسن الظروف الاقتصادية أو عن تماسك الأوضاع الداخلية، فهو أمر أشبه ما يكون بإيلاء جهاز الرقابة الإدارية مهمتي مكافحة التلوث في سماء القاهرة وتجميل العاصمة.
(2)
أفهم مقصدك جيدا من رغبتك في أن يركز الإعلام على التفاؤل.
أنت رجل يبدأ دولته، وفي ذهنه تطلعات كثيرة، ويجري الكثير من المقارنات بين إعلام اليوم وإعلام عبدالناصر الذي احتشد خلفه بالمقالات الطوال والتحقيقات المتتالية وطوفان الأخبار (الصحيحة والمفبركة على حد سواء).
لكن عبد الناصر- رحمه الله- انهار سياسيا وإنسانيا في 67، إلى أن وافته المنية عام 70 بعد ثلاث سنوات

لم يتحمل فيها قلبه المرار الذي حاوطه من كل ناحية والضغوط التي قابلها من كل صوب، والحصاد المر الذي اجتاح منجزه الضخم.

الأكاذيب تجمل القبيح.. لكنها لا تستر القبح للأبد.
أفهم جيدا أنك تتصور عالما مثاليا، يدعمك فيه الناس وتعمل أنت لأجلهم.. وتعاونك الشرطة ويساندك الجيش ويدعمك الشعب ويصطف خلفك الأزهر وتؤيدك الكنيسة وتزقزق لأجلك العصافير.
لكن هذا لا يجري إلا في المدينة الفاضلة التي كان كل منا يتخيلها وهو في الصف الأول الثانوي.
وحين كبرنا عامين، ووصلنا للصف الثالث الثانوي، تبددت هذه الخيالات الحالمة.
الأمر الواقع يا سيادة الرئيس شديد المرارة والتعقيد، وما لم نتصد له بقوة، كل منا عبر عمله، ستزداد مرارته في الصدور إلى الحد الذي لا يحتمل.
لذلك فمن واجبي أن أرصد المشاكل وأتابع الأزمات، لا تربصا ولا عن غرض أو ضغينة، بل لأن هذا هو واجب الإعلام.. البحث عن القصور لتصحيحه، تعقب الأزمات لحلها.. ببساطة.
(3)
صناعة رئيس جمهورية ليست أمرا من اختصاصه الشخصي أو من اختصاص دائرته اللصيقة فحسب، بل هي مهمة شعب بأكمله بكل أجنحته.
وكما لا يخفى عليك، فأنت الآن الرئيس، والظرف كله معقد وعسير، والسيف في صدرنا وصدرك، وبالظهر الجدار.
وأنت في مستهل فترتك الانتخابية، بحاجة لأن تعركك الظروف وأن تسلط عليك الأضواء وأن تتبارى الأقلام في نقدك، وأن يراقبك الجميع، لأن هذا هو الخلاص الوحيد.
فما لم تفرض الصحافة رقابتها الشعبية على أي نظام سياسي حاكم، سرعان ما سنرتد لمبارك وحزبه الوطني الذي يتاخم خطوط حياتنا السياسية الآن، دون أن تردعه أنت عنها، لو لم يكن لأجل الشعب فلأجل مصلحتك وسمعتك السياسية.
أو هكذا تقضي البراجماتية.
(4)
في كثرة حديثك عن دور الصحافة والإعلام، إشارة لا تخفى عن المدى الذي يشغله الأمر من ذهنك.
صدقني يا سيادة الرئيس.. ركز أنت في عملك كرئيس جمهورية، واتركني أركز في عملي كصحفي. وساعتها ستكسب البلد اثنين، رئيسا وصحفيا.
أما لو مارست أنت وظيفتك بناء على تخيلي أو مارست أنا وظيفتي بناء على تخيلك، فالنتيجة ستكون فانتازية كما يبدو جليا لكلينا.
وفيما يخص مدح الصحافة أو تركيز وسائل الإعلام على التفاؤل، فأقول لك إن الصحفيين جزء من المجتمع.. سيتفاءلون تلقائيا حين يتفاءل المجتمع، وسيعبرون عن ذلك بصدق، وعلى سجيتهم.
أما نشر التفاؤل بالتوجيه المباشر وبالمراسيم العليا والأوامر الصارمة.. فسيجعل التفاؤل كذبة كبرى، سرعان ما تنهار مع أول اختبار جدي.