قبل عدة سنوات تركني سائق تاكسي أمام أحد المباني التي تتوسطها مساحة خضراء شاسعة في ولاية نيويورك حين كان يقلني إلى إحدى الجامعات.

سألته: أين الجامعة؟

قال لي: أمامك!

- وأين باقي المباني: هذه التي في الجوار.

- وأين سور الجامعة؟

- ولماذا نضع سورا؟

كانت إجابته على فرط بساطتها صادمة لي أنا القادم من عالم الأسوار الحصينة التي تحيط بالجامعات، والتي لم تجعل عقلي يستوعب بسهولة أنه لا يشترط بالضرورة أن تحاط الجامعة بالأسوار كي تصبح جامعة.

(2)

المدهش على مدار الأسابيع الماضية هو تصريحات الجنرال جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة، عن أعمال التجنيد الجارية على قدم وساق بين الطلاب للتجسس على بعضهم البعض.

وتوالت الأخبار – بجدية تحاول أن تلّطف من عبثية المشهد- عن مهام الطلاب المتعاونين مع أعضاء هيئة التدريس لنقل أخبار زملائهم، وعن معايير اختيارهم، وعن طبيعة النصائح التي سيسدونها لزملائهم المتطاولين على أي شخصية عامة.

ثم تطور الأمر إلى تباهي بعض أساتذة الجامعة بشبكات التجسس التي يديرونها في الجامعات، حتى أن أحدهم خرج في حوار تليفزيوني مفتخرا بالخلايا التي كونها من الطلاب «بلدياته» لمراقبة همسات زملائهم.

بالطبع ليس هذا موضع التساؤل عن حمرة الخجل، كما أنه ليس موضع اندهاش إذا ما تذكرنا أن تعيينات الجامعات والترقيات في سلمها الوظيفي، في عصر مبارك الغابر، كانت مدارة من قبل الأمن، ويذهب نصيب منها للطلبة الجواسيس، الذين دارت الأيام دورتها وجعلتهم في صدارة المشهد «الأساتذة الجواسيس».

لكنه ربما الوقت المناسب كي نتوقف أمام تلك اللوثة التي ضربت العقول، فجعلت البعض لا يستحي من التبرع بالتجسس والتجنيد والوشاية في أجواء أليق ما تكون بألمانيا النازية.

(3)

في رواية ميلان كونديرا «كائن لا تحتمل خفته» تحدث أحد أبطال روايته عن تعامل المتعلمين والثوار مع البوليس السياسي، في أجواء شبيهة بتلك التي نعايشها.

والحاصل أن أبناء الطبقة المتوسطة من الطلاب الثائرين في الرواية لم يكن بمقدورهم الكذب على ضباط الأمن والاستخبارات، إذ إنهم نتاج تربية آبائهم الموظفين الذين حاولوا بذر المثالية في نفوسهم، فدرج أبناؤهم على الاقتناع بأنه لا يجوز الكذب على أحد.

لذلك كانوا جميعا يعترفون بكل شيء أمام الضباط بمزيج من الحمق والبراءة ومثالية التربية.

كل مرة يقفز إلى ذهني فيها هذا المقطع من الرواية أتذكر حوارات ضباط أمن الدولة الخالدة مع الطلاب المنخرطين في العمل السياسي.

- تضيع مستقبلك ليه يا ابني؟ إنت شكلك ابن ناس؟

- إنت فاهم إننا مش وطنيين زيك يا ابني؟ إحنا بنحب البلد جدا بس في حاجات إنتو متعرفوهاش..

- الناس اللي إنت ماشي معاهم دول.. إنت متعرفش غرضهم إيه..

- أنا هسيبك تمشي.. وده من حسن حظك إنك جيت معايا.. إنت عارف لو كنت جيت لأشرف بيه؟ ماكنش سابك أبدا..

- التفت يا ابني لمذاكرتك..

(4)

لألف ليلة وليلة عدة نسخ، فهناك النسخة الشامية والعراقية والمصرية.. وهناك فروق في الحكي بينها.

المميز في النسخة المصرية أنها ملأى بحكايا البصاصين!

في ملمح مجتمعي يعكس تأصل وتجذر الواقع الأمني للدرجة التي ينسحب فيها على مجريات عمل أدبي ملحمي بحجم ألف ليلة وليلة، فلا يستقيم حكي الحكايا في مصر دون الزج بالبصاصين والجواسيس والعسس.

وربما في المجاهرة بتكوين كوادر جديدة من البصاصين داخل الجامعات تمهيد منطقي، لتعميم التجربة على المصالح الحكومية والمؤسسات عموما، في تأسيس أكثر انحطاطا لشرعية التجسس والوشاية والتخوين داخل جنبات المجتمع.

(5)

لا أزعم أنني أعرف طريقة مثلى لمواجهة أعمال الشغب والحرق والتدمير التي يقوم بها طلاب الإخوان ومن والاهم..

لكن ما أدركه جيدا أن بذر بذرة التخوين والتشكيك في الجميع، وأن اعتماد واقع جديد ينظر فيه للتجسس وتتبع الناس على أنه عمل وطني مجيد، ليس إلا اللمسة الأخيرة لتتويج جملة انحطاطات الواقع المصري المتتالية.

 

(6)

حين تساءلت بيني وبين نفسي في نيويورك.. لماذا جامعة بلا أسوار؟

كانت الإجابة أكثر جلاءً..

لأنهم وضعوا أذهاننا داخل أسوارهم.. واحتبسونا حتى في أنماطهم المعمارية.

فما بالك اليوم بعصر الجواسيس الجدد والبصاصين الجدد، الذين سيعملون أطباء ومدرسين وموظفين بعد أقل من 4 سنوات من الآن؟

الخطير في الحرب على الإرهاب أن من متلازماتها وملحقاتها ظهور هذه الطبقة الطفيلية من تجار الحروب، الذين يقتاتون على فتات المعركة، ويعرضون سلعهم النجسة في قلب المعركة.

قبح الله وجوههم..