أيمن عبد الرسول

سألني صديق قبطي: أليس الإسلام يقول عن أهل الذمة “اللي هما زينا”، لهم ما لنا وعليهم ما علينا؟

فأجبته: نعم موروث الفقه الإسلامي يقول ذلك!

فرد مندهشًا: كده إحنا وانتو متساويين لكم ما لنا وعليكم ما علينا حتى في الفتنة!

لم أكن أنوي الكتابة اليوم عن الفتنة، فقد مللنا الحديث عنها وفيها ولها، ولكن أنوي الحديث عن رجال أعمالنا ورجال أعمالهم وكانت المقالة تدور حول تبرُّع بيل جيتس المليادير الشهير صاحب ميكروسوفت بأربعة مليارات دولار لمقاومة الفقر والمرض لأطفال آسيا وأفريقيا، بينما أبحث في الكشف العربي فأجد رجال أعمال يبعثرون الملايين تحت فراش المتعة، وعلى راقصات وفنانات لا داعي لذكر أسماء، فالكل يعرف أن أحدهم كان يضع مصروفًا شهريًّا لإحداهن 200 ألف دولار، يعني مليون جنيه مصري، عارف يا رجل أعمال انت دول يفتحوا كام بيت في مصر؟ الله يخرب بيتك!

كنا فهمنا أن حرائق الكبار الدينية في مصر انتهت بفضل حكمة المؤسستين الدينيتين الإسلامية والمسيحية، بعد بيان الأزهر الذي يعيد الأقباط إلى العهد النبوي وهم ليسوا نصارى نجران، ولا يحق للأزهر مقارنة وضع بائد بوضع مختلف، والأهم والأكثر حسمًا للجدل كان الكلام الجميل الذي قاله قداسة البابا شنودة، ولا نسميه اعتذارًا لأنه لا يصح الاعتذار نيابة عن مرتكب الخطأ، ويأتي العوَّا محاولاً مرة أخرى إشعال الحرائق مع منى الشاذلي، إنه حقًّا إعلام أحمق، يبحث عن إثارة لا إجابة، تشويق لا دلالة، تجارة رخيصة بأسماء منبوذة، مثل كلام محمد عمارة قبله بليلتين، عن أن البابا شنودة هو سبب الفتنة الطائفية، في نفس الوقت الذي كان يقول فيه قداسته إنه حريص على عدم جرح مشاعرنا، كنا نخوض في نواياه على يد عمارة وفي الجزيرة أيضًا.

احتمالات التحمل فاقت كل الأحمال الثقال على كتف مواطن لم يعد يحتمل، ورغم براعته في التأويل، ذلك المواطن الذي هو أنا لا يجد معنًى لما يفعله المتلاعبون بالنار من إخوة الوطن سوى حق الوطن والمواطن، التأويل المناسب الوحيد هو أن ما يفعله المواطن الفتناوي، نسبة إلى الفتنة الطائفية لا يدعو لإسلام ولا يبشر بمسيحية، إنه وبصراحة مطلقة يصب في مصلحة العداء المجاني للدين ومعتنقيه، لحاجة في نفسه لا يعلمها إلا الله، والراسخون في العلم يقولون سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا، الراسخون في العلم لا الفتنة، في الدعوة لا العواء، في البناء لا الهدم، في وحدة الصف لا الفرقة والتناحر، ما يحدث في بر مصر هو مزايدة على الله عز وجل، الذي قال عنه جد النبي قبل بعثته: للبيت رب يحميه، فكيف يشك المسلم في ذلك اليوم وهو يدعي حمل السلاح ضد جاره المسيحي لنصرة دين الله؟!

ليس إيمانًا أن تتظاهر دفاعًا عن حرية العقيدة بسب البابا شنودة لأنه يحتجز مسلمة، لأنك لا تدافع عن حرية العقيدة. إنك تمامًا تمارس عرض ستربتيز، لإثارة مشاعر عدو مفترض، أو تحقِّق رغباتك البدائية المتوحِّشة في مشهد يقترب من مشاهد مصارعة الأسود الرومانية القديمة، أو حديثًا مصارعة الثيران!

المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر لا يؤذي جاره، وليقل خيرًا أو ليصمت، إن بعض ممارسات مدعي الدفاع عن حرية إسلام كاميليا شحاتة، أو المتاجرة بإسلام مسيحية، هو نوع من أنواع النقص، والعجز.. لأن الإسلام لا يزيد قدره بإسلام شخص جديد، ولا ينتقص منزلته العقائدية خروج مسلم عن الملة، وممارسة التكفير المجاني تحتاج إلى فتوى لأنني بحساسيتي كباحث في التراث الإسلامي، أكاد أجزم بأن أعتى الناس دفاعًا عن الإيمان هم أقلهم إيمانًا!

سيكولوجية الإيمان ـ أي إيمان ولو بالحجر ـ تمنح صاحبها سكينة تغنيه عن محاولة فرض تصوراته الإيمانية على الآخرين، الإيمان المضطرب فقط هو من يصرخ محاولاً إقناعنا بإيمانه، ودفاعه عنه، ومحاولاً دعوتنا إلى الإسلام مثلاً، لدرجة أنني كنت _ ولم أزل ـ أتعجب من صراخ الإمام على المنبر يوم الجمعة، رغم أن الموضوع الذي يطرحه مثلاً عن السكينة!

الإيمان ليس عرضًا وطلبًا، ولا سلعة في سوق الأديان، وإن كان ثمة متاجرون بأديان الله الواحد طول الوقت وعبر كل الأمكنة، إلا أن القرآن يسألنا مستنكرًا: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” بلى يا ربنا ولكن ضعفاء الدين هم المزايدون علينا في التديُّن، وعديمو الإيمان هم أوصياء على دينك وإيمان متبعيهم، وتجار الأذى الذئاب ينصبون أنفسهم حملان المحبة ودعاة على أبواب جهنم!

ونعود لسؤال الصديق القبطي حول “لهم ما لنا، وعليهم ما علينا”، وأقول: أولاً هل يفرق غلاء الأسعار بيني وبين مواطِني القبطي؟

هل تختار حرائق القطارات ملة دون ملة لتعذبها بالموت حرقًا، هل يدري النصاب علينا بنهب أموال البنوك بمن أودع في البنك من مسلمين أو غير مسلمين، عندما تصيبنا الكوارث تلو الكوارث هل تفرق بين أحد من أتباع رسل الله على أرض مصر؟

ثانيًا: عندما تتحدث يا صديقي عن الجزية، أو ضريبة حماية الدولة الإسلامية للذميين، أقول لك إنها سقطت بسقوط الخلافة الإسلامية، نعم ولا عجب، فعندما فشلت دولة الإسلام في حماية مسلميها قبل ذمييها من غزو جيوش أوروبا البريطانية والفرنسية والألمانية لأراضيها، سقطت الجزية مع الخلافة في سقطة واحدة، ولم يعد ثم مجال لوصف “ذمي”، وهكذا أصبح لنا كمسلمين، ولكم ككتابيين أي أهل كتاب، وعلينا وعليكم، يسري حكم المحتل، وهكذا تحققت وحدتنا الوطنية، بأننا صرنا تحت راية محتل واحد عجزت جيوش دولة الإسلام عن دفعه بعيدًا عن أراضينا!

هكذا يا صديق المواطنة، والفساد، والاستربتيز الديني، والطائفية، والغلاء، والبطالة، والتعذيب في أقسام الشرطة، وتزوير إرادتينا معًا في الانتخابات، ووقوفنا أمام قائد واحد في القوات المسلحة، وشوارعنا غير الممهَّدة، وأرزاقنا المهدَّدة، وضرائبنا الموحَّدة، ومياهنا الملوثة، وأمراضنا المتزايدة، ورجال أدياننا متشابهي الخطاب، وغير ذلك كله وفوق ذلك كله، الإله الواحد الذي نعبده جميعًا في وطن واحد.

فهمت يا صديقي أن لكم ما لنا وعليكم ما علينا؟

الهم واحد والملل مشترك!

[email protected]