لم يكن يوماً مخططاً ان أعود لوسط البلد بالقاهرة ، و يومها عشوائياً كنت هناك بلا هدف ..
رأيته قادم لي .. هذا الوغد حاد البصر رآني ، لحظات و كنا نتصافح و يحتضن كل منا الآخر في سعادة صديقين تقابلا بعد ست سنوات من الإختفاء ، إسمه فريد و هو من القلائل المتبقين من أصدقاء شلة حقوق طنطا دفعة 2007 ، عرفته كثيراص حزيناً أو قلقاً لكن اليوم كان منكسراً .. تكلمنا كثيراً و لم يقل شئ حتى رأيت تلك الهالة الفضية في يده اليسرى ..

 - إنت إتجوزت؟

- أيوة

- مين؟

- هالة ، حد غيرها؟

لم أفهم .. هالة هي محبوبته صاحبة الشعر الأحمر نادر الرؤية في طنطا ، تلك الجميلة ذات الأصل الأوروبي التي أحبته قبل حتى ان يشعر بها كما حكى لي .. يوماً قال انني السبب في تغافله عنها لأنني أقرضته كتب أكثر من اللازم .. كلما أعرفه هو انهما تحابا نهاية العام 2003 ثم إفترقا عام  2004 بعد ان دمر أبوها تلك العلاقة

 -فهمني إزاي و إمتى؟

 - من أربع شهور إتجوزنا.

 - مبروك ألف مبروك بس إزاي؟

 نظر بحزن منكسر يتنافى مع زواجه من معشوقته ، إبتسم بسمة رجل في طريقه لموت يسعد ..

 - فاكر من 10 سنين لما أبوها عرف إني بحبها؟ ما إهتمش غير بإنها هيه بتحبني ، اللي فرق معاه إنها عاوزاني ، فاكر لما جه الكلية و خلى الأمن يضربوني في أوضة العميد نفسه؟ أبوها الباشا الكبير حولها على جامعة إسكندرية حولوني بعدها المستشفى ، فاكر لما جيتلي و لقيتها بتعيط تحت رجلي؟ كانت جت و عرضت عليا أي حاجة .. قالت نتجوز رسمي او عرفي او حتى نغلط و نخليه يضطر يوافق .. ما رضيتش قلتلها إنت غالية و ما ينفعش نتجوز كده .. بصتلي و قالت إنها بتحبني .. وطت على رجلي و باستها إني أتجوزها و ما اخليهاش تتجوز حد تاني .. ساعتها إنت جيت .. خرجت و هيه بتعيط و إختفت ..

 - طب كويس إنكم إتقابلتم تاني

 - بعدها بيومين كلمتني قالتلي إني جبان و مش شجاع إني انتهز الفرصة و مش قادر غير إني أستنى فرصة تانية و بس

 - و بعدين؟

 - ما شفتهاش غير من 4 شهور

 - بس؟ طب اتجوزتوا على طول؟

 ربما خدعتني عيناي لكنه كان يبكي .. نعم يبكي ..

 - من 4 شهور إتصل بيا رقم غريب على البيت .. ممرضة قالت إني مطلوب لمريضة في المستشفىى قالت اسمها .. جريت سافرت و لما وصلت كان فيه اللي مستنيني .. أبوها كان هناك مستني .. لقيته مكسور .. وطى على رجلي زي ما هيه عملت من 10 سنين و قاللي إرحمني فيها و ما ترفضش .. ما فهمتش غير لما شفت قسم الاورام .. لقيتها هناك نفس البنت .. ماكانش فيه شعرها الاحمر بس عينيها كانت هيه .. بصتلي و نادت بإسمي .. لقيت حبيبتي نص ميته ..كانت حزينة و قالتلي ( شفت فرصتك التانية جت إمتى؟) .. كنت باصص للمخلوقة الوحيدة اللي حبيتها مريضة بتموت .. قالت إنها بتحبني و عاوزة تموت و هيه مراتي .. أيوة هالة كانت بتموت و عاوزاني أبقى جوزها .. جوزها الاول طلقها لما عيت و قال إنه عاوز ست كاملة مش ست عالورق .. بكيت و بصيت لأبوها لقيته شبح واقف ورايا كان بيموت هوه كمان ..

 - و اتجوزتوا؟

 - كان فيه محامي أبوها بعتله ييجي ، كتب الورق و إتجوزنا رسمي .. قعدنا شهر و 9 أيام لغاية لما دخلت غيبوبة .. كنت مقيم معاها نقعد نتكلم و نفتكر الكلية و نقرا سوا نزار و درويش .. كنا بنعمل كا حاجة حبيناها .. كنا لوحدنا هناك .. كنا بناخد فرصتنا التانية .. لما دخلت الغيبوبة فضلت جنبها ..و ماتت ..

 - أنا مش عارف أقول ايه .. الله يرحمها

 - تعرف إني اللي غسلتها و دفنتها؟ .. أيوة كنت عارف إنها لسه موجودة و عاوزة تعرف أنا جوزها بجد و لا لأ .. كنت عاوز أثبتلها ده .. جوزها اللي غسلها و صلى عليها .. خليتها سعيدة بعد ما ماتت و حسستها إني جوزها بجد .. هالة كانت مبسوطة إني جوزها .. حسيت وقتها إني صلحت غلطتي

 - إنت ما غلطتش

 - لأ غلطت .. غلطت لما ضيعت الفرصة .. حتى لو كنا لسه طلاب كان ممكن نتجوز و لو مدني و نبقى مع بعض .. كان ممكن أكسر قيود العادات .. حسبتها بفكرة إن الصح حسب الناس إنها تتجوز بموافقة أهلها و نسيت إنها هتموت لو سابتني .. هالة جالها سرطان من الحزن .. انا السبب .. فرصة أولى راحت و لما جت الفرصة التانية كانت شهر و 9 أيام مع روح بتسيبنا .. أنا الجاني عليها ..

 - إنت عملت الصح و أنا إحترمتك .. كان لازم ترفض إنها تتهان بالشكل ده ..

 - أنا ضيعتها و سبتها تروح لموت إسمه جواز .. فرصتي التانية لما جت جت كعقاب .. فرصة تانية بسيطة و فيها موت .. أنا السبب

 - إسمع إنت العمر هيمتد بيك و هتقابل غيرها و تتجوز و ..

- انا لو عاوز أتجوز كنت إتجوزت .. أنا مش عاوز غيرها .. ثم انا فعلاً متجوز هالة .. هالة فرصتي الاولى و التانية و بس .. هالة مراتي و مش هتجوز عليها ..
..
دقائق و غادر ربما حتى لا يبكي .. قصة أكثر من غريبة كانك تحيا قصة برواية أو فيلم .. هل اخطأ حينما أصر على ما صح من عادات و تقاليد و رفض كسرها و انتهاز الفرصة؟ هل فرصته الاولى ضاعت أم أضاعها بنفسه؟ لا أعلم لكن ما لم ينتبه اليه وسط احزانه أنه فعلاً حقق فرصته يوم جاءت من جديد .. لأنه يحبها فقد إرتضى أن يتزوج إمرأة تموت و ينقطع عن عمله و حياته بجوارها .. فرصتك أيها الباكي جاءت و كانت إختبار لك و أنت نجحت .. ماتت هالة و أنت مُتَ معها ربما لكنك نجحت .. ما لم تفهمه أنك أحببتها بطريقتك و حققت ما يجب حسبما ترى .. أنت فعلت الافضل لها .. أنت نجحت حتى لو ماتت ..

 للتواصل مع الكاتب : https://www.facebook.com/mahmoud.arafat.7503