كيف نتخيل دوافع الآخرين؟ 

صديق ينتظر أمام بناية شاهقة، تعمل فيها زوجته، يجلس في السيارةمنتظرا إياها كي يذهبا سويا للبيت. وفي هذه المنطقة من القاهرة التي تشتهر بتدفق السياح العرب على شوارعها، نشأت -بتبعية الحال- نقاط كثيرة لتجارة البغاء.

ينتظر صديقي بلا ملل، يشعل سيجارته، ثم تنقر أظافر طويلة زجاج سيارته، يلتفت يسرة، فإذا هي فتاة لا يحتاج لكثير من الذكاء كي يدرك أنها عاهرة.

تسأله وفقا للكود العالمي، في حوار العاهرات مع زبائنهن:

-ممكن تولع لي؟

ينظر إليها صديقي وفي يده سيجارته، ويقول لها : عذرا أنا لا أدخن.

تقول له: نحن اثنتان..ثم تعرض مبلغا لكل واحدة منهما.

يؤكد صديقي أنه ينتظر زوجته..تلح الفتاة، في عرضها، وكأن لا زوجة ستجيء خلال دقائق.

يرفض صديقي بإصرار، وتلح هي بصورة لا يمكن تجاهلها. يحكي لي الصديق: فجأة طرأ على ذهني سؤالٌ ملح، فسألته لها على الفور.

-إنت اتغديتي؟

يقول: سألت السؤال، فارتبكت واضطربت ونظرت ببلاهة. ينظر إلي ويشيح بكلتا يديه محاولا تمثيل المشهد الذي رآه: أقسم بالله يا أحمد كأن مساحيق وجهها طارت..وكأن وجهها مُسخ.

صدق حدس صاحبي..الفتاة وزميلتها، لم تتناولا غدائهما..إنهما جائعتان، وهما في انتظار أول “زبون” ليسدا رمقهما ثم فليمارسا وظيفتهما اللاإنسانية.

يقول لي صاحبي: أخرجت بعضا من المال وأعطيتها إياه..وطلبت منها أنتتناول غداءها وانتظرت زوجتي التي مالبثت أن جاءت، فور انتهاء الموقف ورحيلا لفتاتين.

يدهمني السؤال: كيف كنت سأتصرف لو كنت مكان صاحبي؟

هل كنت سأستنتج أنهما جائعتان؟ هل سأنتحل دافعهما؟ أم أنني سأتعامل بحدة، وأنهرهما؟

يأخذنا الحديث- أنا وصاحبي- نحو استطلاع أجرته جهة بحثية في مصر حول البغايا وأحوالهن، وكان في مجمله مثيرا للأسى، إذ يشرح ويفسر ويوثق شهادات هؤلاء البغايا حول خلفيات عملهن بالبغاء.

دوما هناك مشهد قاسي، يسبق مرحلة العمل كبغي.

زوج أم متحرش.. تهرب منه الفتاة، أب قاسي، ظروف اجتماعية فائقة البؤس، حفنة من الأطفال والأفواه الجوعى تنتظر من يطعمها..وهكذا.

وبطبيعة المهنة، يتعاملن مع طراز من أحط طرز البشر، أو بتعبير أقلقيمية وأكثر علمية وحيادية: من أكثر طرز البشر تعقيدا.

لو كنت مكان صاحبي، ربما لم أكن لآخذ كل هذه الخلفيات في حسباني، قبلأن أنهر الفتاتين، إذ أنه في نهاية المطاف، لا أحد يمتهن مهنة كهذه لأجل تزجية وقت فراغه، أو لأنه يحبها..فالأمر رهن خلل مجتمعي وحياة قاسية…أو خلل نفسي عميق.

يحيلني الموقف، إلى شيء مشابه جرى معي منذ سنتين تقريبا.

أسير مع زميلة عمل، يصادفنا كلب يجلس في هدوء وشرود.

تقول لي انظر إلى هذا الكلب!

أدقق النظر فيه، وأقول لها: يبدو أنه يفكر في شيء ما..

تكاد تجن الزميلة، ثم تحسم بلهجة آمرة: ده كلب جعان يا أحمد..مفيش كلببيفكر!

نذهب إلى أقرب محل كبدة، ونشتري كيسا بلاستيكيا ونملؤه كبدة..يسألنا الرجل لماذا تريدون الكبدة دون خبز؟

نقول له سنطعم كلبا..فيتعاطف معنا ويزيد مقدار الكبدة.

تفتح الزميلة الكيس وتنثر قطع الكبدة أمام الكلب، فينتفض من سباته وشروده ويأكل بنهم، ثم تتقاطر الكلاب المحيطة على وجبته وتتكالب عليها..ويأكلون جميعا، كأنهم لم يأكلوا من قبل!

نظرت لي زميلتي بشماتة وتشفي وغيظ: في كلب بيفكر؟

(3)

كلتا الحادثتين، كشفتا لي عن شيء بداخلي.

أنا لا أستطيع انتحال دوافع الآخرين، ولا تخيل الأسباب المحركة لتصرفاتهم.

أفكر كثيرا في الأمر بتعقيداته، وأخلص لنتيجة واحدة: فقط كن أكثر رحمة ورأفة بمن حولك جميعا!

نشر المقال للمرة الأولى على موقع ياهو

https://maktoob.helwa.yahoo.com/blogs/%D9%87%D9%88-%D9%88%D9%87%D9%8A/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%84-%D9%85%D8%B9-%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%A3%D9%88-%D9%83%D9%84%D8%A8-%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%B9%D8%9F-083949681.html