كلما مرت هذه الامة بأزمة من ازماتها البنيوية ، التي لا تنتهي ، ولن تنتهي في القريب العاجل زاد تعلق المخيال الجمعي او الخيال العام ، باستحضار كل ما يملكه من مخزون تاريخي وعقائدي ، وحتى اسطوري بهدف تفسير او تبرير حركة التاريخ ، وذلك حتى يجد هذا المخيال الجمعي ، ما يثبت اي بنية من البناء العقائدي التقليدي له ، وهو في شكل منه يشكل الية من اليات الدفاع عن الذات ، اي ذات الامة المشكلة حسب هذا البناء العقائدي ، وفي شكل اخر منه مواجهة مع الاخر ، كل الاخر ، الاخر الكافر والأخر المخالف من ذات البنية العقائدية والأخر المذهبي ايضا . 

هذا الازمة الدائمة والمستعرة ابدا ، دأبت من خلال تشكيلاتها السياسية والعقائدية الاسلاموية المختلفة ، ابتداء من تاريخ انهيار الخلافة العثمانية والصدمة النفسية الشاملة التي اصابتها ، بسبب هذا الانهيار الدراماتيكي لتلك الخلافة ، من حيث كيفيته وأسبابه ، التي خضعت لتفسيرات مختلفة ، منها العلمي الذي يأخذ بأسباب التاريخي ، ومنها الايدلوجي الديني القائم على فكرة المؤامرة على الاسلام والمسلمين ، من داخل هذا الجسد الاسلاموي او من خارجه او حتى الارادة الالهية التي تعاقب الافراد والدول لخروجهم عن سننها .

انهيار الخلافة العثمانية والرضة النفسية لأمة الاسلام

لا واد هنا ان ادخل في جدل تاريخي وأيدلوجي ، حول اسباب انهيار الخلافة العثمانية ، كأخر خلافة معترف بها من جموع المسلمين ، والتي انهارت في بديات القرن العشرين ، لأنها انهارت وقضي الامر ، والاهم هو رصد ردود الفعل على هذا الانهيار ، والتي تراوحت بين محاولات من بعض القوى الاجتماعية والسياسية ذات الصبغة الدينية ، او على الاقل التي اصطبغت بها ، المحاولة التأسيس لخلافة جديدة تكون في بلاد العرب ، وان لم تكن بالشكل العثماني لها ، الى محاولات اعادة التأسيس الفكري او الايدلوجي لهذه الخلافة ، من قبل مفكرين وسموا على انهم مفكرين اسلامين ، ولكن يبدو ان اهم محاولة فعلية بدأت فعلا التأسيس الجديد لها ، نشأت مع تأسيس جماعة الاخوان المسلمين وما تلاهم او تولد عنهم من جماعات الاسلام السياسي ، والتي اخذت تتبلور رويدا رويدا بشكل جماعات وتنظيمات وأحزاب ، جميعها اولت موضوع الخلافة الاسلامية ، موضع مركزي في ايدلوجيتها الدينية ، حتى بعد ان برز مصطلح ” الدولة الاسلامية ” كبديل او غطاء ولو مؤقت للخلافة الشاملة ، التي يجب ان تشمل كل بلاد المسلمين ، والتي لا تعدو فكرة الدولة الاسلامية ، إلا كمقدمة لها استوجبتها الظروف التاريخية ، ومن هذه اللحظة التاريخية بداء صراع داخلي عقائدي وسياسي بين جماعات الاسلام السياسي ، في مختلف انحاء العالم الاسلامي حول ( الدولة الاسلامية – دولة الخلافة ) من حيث شروطها وأركانها وطبيعتها ومؤسساتها ، ومتى يمكن اقامتها في ظل مجتمعات الجاهلية المعاصرة كما تم توصيف مجتمعات الدولة الوطنية في العالم الاسلامي ، والتي وسمت في ادبياتهم على انها دولة علمانية لا تطبق شرع الله ، او ان هذه المجتمعات والدول هي كافرة ، وهو الحد العقائدي المتطرف لدى هذه الجماعات ، وبين الحد الاكثر مرونة في توصيفهم لها ، على انها ضالة او فاسقة وهو توصيف عام ، وشمولي يشمل الافراد والمؤسسات ومؤسسة الحكم تحديدا ، التي ليس له شرعية معترف بها لدى جماعات الاسلام السياسي ، كون شرعيتها مبنية اما على ايدلوجية علمانية ، اي شرعية الثورة او الامة او الشعب الذي هو مصدر للسلطة والشرعية ، وهو ما يناقض القاعدة الاهم التي يؤمن بها هولاء ، وهي ان الشرعية لا تستمد إلا من الله ، وليس من الشعوب ، وان لا شرعية إلا لحكم الله ، وكأن حكم الله تجسد تاريخيا مره واحده وللأبد بشكل نهائي صالح لكل زمان ومكان ، في فترة دولة المدينة ، ابان وجود النبي محمد عليه السلام وما تبعه من مرحلة ما يطلق عليه الخلافة الراشدة ، اما بعد ذلك فقد بدء الانحراف العقائدي والسياسي ، مع بداية مرحلة الملك حتى وان اتخذ شكل الخلافة المدعمة ، ببيعة جماعة المسلمين ، ان كانت بالرضى والقبول او بالسيف وشراء الذمم .

سند المشروعية حديث الخلافة على منهاج النبوة

ان البناء العقائدي للفكر السياسي الاسلاموي ، يدعي باستمرار ان سند مشروعيته هو الاسلام ، وهو سند عمومي لان الاسلام مصطلح عام وشامل ، يتضمن العقيدة والتاريخ وأمة الاسلام بكل قومياتها واثنياتها المختلفة ، لذلك كان لابد من التنظير لهذه المشروعية ، بشكل يخلق التمايز بينها وبين الشرعية الدينية والتاريخية ، لبعض الانظمة القائمة في العالم الاسلامي ذات الصبغة الدينية الاسلاموية ، وليست الاسلامية كما يوصفها البعض هذا من جانب ، وبين الشرعية كما اسست لها مؤسسات الاسلام الرسمي او ” الاسلام الارثوذكسي ” كما يطلق عليه المفكر الراحل محمد اركون في مشروعه الفكري .

فكان لا بد من العودة الى المنبع او الاصل ، وهما هنا القران والسنة النبوية ، وتجاوز اي ادعاء للشرعية الاسلامية من قبل فرد او نظام او مؤسسة او دولة ، وبذات الوقت بناء شكل جديد لهذه الشرعية التي ابتدعتها هذه الجماعات ، يتواءم مع متغيرات العصر ، ولو نسبيا خصوصا وان كل او اغلب جماعات الاسلام السياسي ، لا تعترف بأي شرعية اسلامية حقيقية للمؤسسات الدينية القائمة في العالم الاسلامي ، لذلك كان لا بد ان تكون ، هي الحامل التاريخي لعقيدة المؤمنين الحقيقين او امة الاسلام ، كما ولدت نقية في مكة والمدينة ، فكل تنظيمات الاسلام السياسي تسيطر عليها ذات الفكرة ، المشكلة تاريخيا او قل المزعومة ، بأنها هي الفرقة الناجية من بين كل فرق الاسلام ، ولا بد للفرقة الناجية ان تنتهج ” منهاج النبوة ” ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكًا عاضًا – يصيب الرعية فيه عسْفٌ وظُلْم ، كأنَّهم يُعَضُّون فيه عَضًّا – فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها،ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، ثم سكت . رواه احمد ) ومنهاج الخلافة الراشدة في البناء العقائدي المتجدد ، وليس الجديد والبناء التاريخي السياسي ، في مواجهة الاخر الغير ناجي ، حيث اصبح من مهمات هذه التنظيمات ، التي جميعها تؤمن بذات الفكرة ، بذات الزمن ، ان تستعيد النموذج الاسلامي الاول ، النموذج المؤسس للإسلام ذاته ، بكل تفاصيله ، وقد يستثنى منه فقط ، عدم وجود النبي عليه السلام ، وانقطاع الوحي ، وباستثناء ذلك ، يمكن اعادة تأسيسه ، ما دام كل ادوات وجوده التاريخية لا زالت حية وفاعلة ، وهي المنهج والنظام وسندهما وهما القران والسنة .
ومع ان القران لم يقدم شكل محدد لدولة ما ، او مؤسسات لها ، ولم يستخدم مصطلح دولة اسلامية و او خلافة اسلامية بشكل مباشر ، او غير مباشر ، إلا ان لي عنق النصوص وتفسيرها وتأويلها ، من قبل الفقهاء والمفسرين فيما بعد ، والذي ترك ارث فقهي كبير ، يمكن الانتقاء والاختيار منه ، بالشكل الذي يتناسب مع مفاهيم هذه التنظيمات والجماعات ، دون جهد كبير منها ، يضاف الى ذلك ، الارث الاكبر المصدر الثاني من مصادر التشريع في الاسلام ، كما قام بالتأسيس له ايضا الفقهاء او علماء المسلمين ، وهو الحديث النبوي ابتداء من الحديث المتواتر الى الحديث الضعيف وحتى الموضوع ، الذي اصبح طاغي او يطغوا ، الاستناد اليه في التشريع والتفسير ، حتى على حساب القران ذاته ، فهو النص المفسر والشارح ، والذي يؤل القران فيما استشكل فيه ، او فيما لم يتم ذكره او تفصيله ، حتى اصبح وهو كذلك ، معرفيا او ابستومولوجيا ينافس النص الاول ، او يتجاوزه ، وان كان لم يقم الخطاب الديني لهذه التنظيمات بقول ذلك صراحة او مباشرة .
ان الاسلام الرسمي بكل فرقه ومذاهبه ، وما نتج عنها من جماعات وتنظيمات ، فيما بعد يؤمن ايمان راسخ بان الاشكالات التي رافقت ولادة عصر التدوين ، فيما يخص الحديث النبوي قد انتهت بانتهاء علماء المسلمين من تثبيت اركان علوم الحديث ، من حيث السند والمتن والأنواع او الدرجات ، وحجية الاحتجاج بهذه الاحاديث في الامور الاعتقادية ، ولا مانع لدى هذه التنظيمات ، من تأسيس معتقد جديد ، او تشريع جديد ، بناء على حديث نبوي واحد دون ربطه مع سياقه العام او التاريخي والعقائدي ، ومهما كان مدى التشكيك في سنده او متنه ، ما دام يخدم اغراضها وأفكارها ويبرر لها ممارساتها .
وفي ظل الازمة القائمة الان في العالم العربي ، والناتجة عن ما اطلق عليه الربيع العربي ، ولأسباب مختلفة تحتاج الى دراسات علمية معمقة ، تسيدت جماعات وتنظيمات الاسلام السياسي ، المشهد العام وأصبح خطابها السياسي المختلط بالدعاوي والمعتقدات الدينية ، المختلفة هو المشهد الثابت ، الذي تدور داخله وحوله ، مختلف الصراعات العقائدية والسياسية ، وكان لا بد لهذا التيار من توظيف المخزون العقائدي الذي يملكه ، في معاركه العقائدية المختلفة ، وعلى رأسها ايات القران المبتورة عن سياقها التاريخي والفقهي ، وكذلك الاحاديث النبوية المشكلة لفكر هذه الجماعات ، و هي الجزء الاهم الذي اصبح يرفع على اسنة الرماح ، في وجه عامة المسلمين ، وفي وجه التيارات الاخرى ، والأنظمة السياسية ، ولا يوجد ابرز من حديث منهاج الخلافة ، من ان يشكل بحد ذاته خطاب سياسي وتاريخي وعقائدي مكتمل ، يمكن الاستناد عليه في اعلان ولادة دولة الخلافة المنتظرة ، بغض النظر عن وجود اي ظروف موضوعية ، لازمة لإقامة اي كيان سياسي ، لان المهم حسب هذه الجماعات والتنظيمات ، ان النبوءة لا بد تتحقق ، شاء من شاء وأبى من ابى ، هكذا يجب ان يكون الامر ، حتمية اسطورية ، تفرض نفسها على الواقع ، وتغير مسار التاريخ ، حتى يخضع لرغباتها ، مع ان هذا الحديث وكما ورد في كتب فقهاء المسلمين ، كان مدار خلاف في سنده ومتنه ، وفي افضل الاحول تم تصنيفه على انه حديث حسن ، هذا ان لم يكن حديث موضوع اصلا ، ومع ذلك اصبح كل ذلك غير مهم شأنه ، شأن الكثير من الاحكام المبنية على احاديث نبوية مشكوك في صحة نسبتها الى الرسول عليه السلام ، فالمهم فقط هو اقامة الخلافة وتحكيم شرع الله وهو ما فعلته داعش وما يطمح اليه الداعشيين الاخرين المنتظرين لفرصتهم التاريخية .