المعركة الحالية فارقة بحق .. تمنحنا فرصة نادرة لرأب الصدع،و إصلاح ذات البين ..و تشبيك و تمتين العلاقات بين كل من يقفون مع فلسطين في مواجهة إسرائيل ..
فرصة أن يتجاوزوا السقف القديم البائس للفعل المعتاد:التبرعات،الدعاء، المقاطعة .. إلى أفعال شعبية كثيرة ممكنة .. منها مد الجسور مع موجات التعاطف الرسمي و الشعبي العالمي .. حول العالم.

اللحظة نادرة لرأب الصدع ، و لتصحيح المسار ، و ضبط البوصلة ، و تجديد خطاب جامع لأنصار الحرية و الكرامة،محليا و إقليميا،و دوليا،إن كانوا جادين.

الفرصة سانحة جدا لإنعاش الربيع العربي و وصله بحلفائه الطبيعين من الأحرار حول العالم الذين يتوحدون على موقفهم من فلسطين ، و يبقى أن نتشابك نحن معهم ، فيدعم بعضنا بعضا ، و يبلغ الربيع أهدافه ، بل و يتجاوز إلى آفاق أرحب !!

هذا كلام قلته و أقوله و أكرره .. و أعلم أن مردوده سيكون ضعيفا ، أو محدودا .. لأن وعي المسلمين معطوب في جذوره،و يحتاج إلى  ثورة تستعيد الإسلام الذي ضيعناه،و نتمسك بغيره !!

لن يتقدم المسلمون شبرا  واحدا  إلى الأمام  إلا إذا خلعوا الإسلام تماما كما خلعت أوربا المسيحية،و هذا الخلع يمكن أن يوصلهم لتحقيق حضارة مادية تنتج أنظمة و سلعا و تعاسات كما  في العالم الذي يهاجرون إليه !!

الاختيار الآخر أن يقوموا بثورة عميقة تنفض عنهم الأفكار و التصورات البالية التي ترسخت لديهم عبر عقود و قرون .. حتى صار فعلهم يخالف مقاصد و أصول تميز دينهم بشكل مؤسف،و الأشد أسفا أنهم يكادون لا يدركون هذا الخلل أصلا،و يرتبكون في تحديد معالمه،و يتخارسون عند وصف العلاجات له !!

أشد الاختيارات بؤسا أن يبقى الوضع على ما  هو عليه،حيث يعتقد المسلمون أنهم ذاهبون إلى الجنة في نهاية المطاف،و أن المطلوب منهم لتحقيق هذا الهدف هو نقر ركعات،و ترديد آيات،و صوم أيام،و تمتمة أذكار،دون تدبر،و لا تحقق !!
cgvb
يتصور كثير من المسلمين رسولهم بوصفه ناسكا متبتلا متعبدا،و يتنافسون في تقليد صلاته كما صلى،و لحيته،و هيئته،كما يرددون كلامه مثل ببغاء لا يكاد يفهم ما يقول.. فقط يكرر !!
في حديثٍ عن أبي الدرداء – رضِي الله عنه – قال: قال رسول الله، – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ألاَ أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟))، قالوا: بلى، قال: ((إصلاح ذات البَيْن، فإنَّ فساد ذات البَيْن هي الحالقة))؛ رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح.

ورُوِي عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنَّه قال: ((هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدِّين))

هل تشكلت جماعات من المسلمين لتنهض بهذا الدور، و تحوز هذا السبق في الدرجات ؟؟

المسلمون هم خطوط خريطة كبيرة واسعة جدا حول العالم،و فيهم بعض البشر الأفقر في العالم نتاج فجوة طبقية هائلة بين من يهلكهم الترف،و من يهلكهم العوز،فهل نهض المسلمون لإصلاح هذا البين،و رتق هذا البون ؟؟

مجتمعات المسلمين تشهد صراعات مذهبية و عرقية و جهوية طاحنة،ضمن مجتمعات أخرى كثيرة في العالم،لكن هل نهض المسلمون لإصلاح هذا البين،أو ذاك الذي يطحن مجتمعات أخرى يعيشون فيها مواطنين أو مهاجرين،و يجب عليهم إحلال السلام،و إصلاح ذات البين .. حيثما كانوا !!

المساجد عامرة بالمصلين،و الموائد عامرة بأصناف الطعام،و مواسم النفحات صارت تعني عندنا أكل و شرب و بعض العبادات ، و دمتم !!

ماذا يستفيد العالم من صوم المسلمين طوال يومهم،أو سمرهم،أو صلواتهم الليلية ؟؟

مجتمعات المسلمين تئن ،بل العالم كله يئن من أوجاع صراعات بين الرجال و النساء،بين الأجيال،بين أهل الأديان،بين الأغنياء و الفقراء،بين المهاجرين و السكان الأصليين،صراعات هوية،و صراعات على الموارد الطبيعية،و صراعات بين مستكبرين و مستضعفين محلية،و إقليمية،و دولية !!

هل دور المسلمين أن يتفرجوا على هذه الصراعات،أو يتركوا شأن التعامل معها لأنظمة و سلطات لا تقوم بمهمة إصلاح ذات البين عجزا،أو كسلا ، أو إهمالا،أو قصور موارد !!

أقول هذا و بعض العالم اليوم يقف بقوة ضد البربرية الصهيونية في قتلها لأهلنا الفلسطينين،و نحن نتفرج على هذا التعاطف دون أن نحرك ساكنا لبناء جسور معه،و نقاطه منتشرة في بقاع كثيرة،و أنا هنا أخاطب آحاد الناس،و مجموعات عمل كثيرة يمكن أن تتشكل،و لا أنتظر شيئا من الأنظمة،و لا السلطات !!

العوائق بداخلنا أشد فتكا من عوائقنا الخارجية،و المعركة الحالية تتيح أمامنا الفرصة حين تفرق و تميز و تفرز الأمة كلها،و العالم كله فرزا صحيحا،و ما لم نتجاوز نظرية الفسطاطين الخرافية،و نبني نظرة و نظرية جديدة نصطف فيها مع أنصار الإنسانية،و الدفاع عن المظلوم ضد الظالم،و ندرك إختلال معيار الحكم على الناس بحسب إيمانهم أو كفرهم،لأن الإيمان و الكفر مشتبك مع الكهنوت المتسلط بأكثر مما هو مشتبك مع رحمة الله،و فطرة الله !!

إذا لم نقم بثورة في عقولنا،و في تحديد و تمييز الأنصار بدرجاتهم،و الأعداء بدرجاتهم،و إدارة علاقتنا بخصومنا قبل أصدقاءنا،إذا لم نكف عن ببغائية ترديد ما تصبه أجهزة التضليل،و أبواق الكهنوت،و أراجوزات السياسة،و نصغي لأرواحنا،و صوت ضمائرنا،و فطرة إنسانيتنا،و نرى الناس على أساس ذلك،ستفلت هذه اللحظة،هذه الفرصة الفارقة،كما سبق،و أفلت غيرها !!!

 

نشرت المقالة للمرة الأولى على موقع مصر العربية على هذا الرابط