” في الحقيقة “ لا يمكن التسليم بصحة او وجود واقعة او فكرة  ، وصولا الى اعتبارها ” حقيقة ”  ، وجودية او علمية ، او حقيقة واقعية ،  او حقيقة اجتماعية ، إلا بناء على استنادها الى ،  مصادر متعددة ومختلفة تترابط او تتكامل ،  لتبني مجسم للحقيقة ،  يكون شامل لمختلف الابعاد ، التي تشكل جوانب هذه الحقيقة ،  حتى لا تبقى ، اسيرة مفاهيم مثل النظرية والاحتمال والإمكانية .

ولكن هذا المسلك في رؤية الحقيقة ، يقود الى مسلك اخر ،  وفهم اخر ،  وهو امكانية ،  تعدد الحقيقة ؟ ام ان الامر مجرد توهم مقصود ، او غير مقصود ، لرؤية امكانية  التعدد للحقيقة .

هذا المبحث ، هو احد مباحث علم المعرفة ، او العقل ، ولا اقصد هنا الدخول ، في جدليات علم المعرفة ، حول مصادر المعرفة ، وأساليبها والنظريات العديدة حولها ،  بقدر ما اقصد الدخول في صلب اشكالية ، هي معرفية بطبيعتها ، هي التأطير النظري لقضية العلاقة ، بين النص والعقل في الاسلام ، التي كتب حولها الكثير من المؤلفات قديما وحديثا ، ويمكن تلخيص هذه الاشكالية ،  بعدة محاور ،  الاول هو هل هناك ، تعارض بين العقلي ، والنصي ( النقلي ) في الاسلام ، او القرآن تحديدا ، ام ان العقل والنص او النقل ، في الاسلام ، في حالة انسجام ، نابع من ان لكل منهما مجاله الخاص ،  لا يتعداه الى الأخر  الا بسبب ضرورات اجرائية ، لا تدخل في صلب موضوع ،  كل منهما ،  والمحور الثاني هل قام علماء وفقهاء الاسلام ، بإخضاع العقل للنقل ،  ام انه خاضع له فعلا ، بسبب تسلط النص ذاته ، على ما اعتبر انه العقل في الاسلام ،  ام دور هولاء العلماء والفقهاء ، كان مجرد كشف ،  لهذه العلاقة او حقيقة هذه العلاقة يبدو ان هذه التسأولات ، ضمن محاورها تحتاج الى ابحاثها الخاصة ، المؤيدة بادلتها النظرية والتاريخية ، حتى نستطيع ان نخلص ، الى طبيعة هذه العلاقة تاريخيا وموضوعيا ، واجد من ضمن هذه الابحاث التي تحتاج الى نظر هو ما اطلقت عليها .

” عقل النص “ وهذا المبحث هو مبحث نظري ، لا يأخذ بعين الاعتبار ، الادوار التاريخية التي مرت بها العلاقة ، بين العقل والنص ، في التاريخ الاسلامي ، بل اعتبر ان هذا الحقل التاريخي ، يشكل وحده واحده ،  تعطينا الامكانية للانتقال ، بيسر من مرحلة تاريخية  الى مرحلة اخرى ، او من مذهب الى مذهب اخر ، دون اعتبار لهذه المحطات الاجرائية ، التي تدخل في صلب علوم اخرى .

وعليه ما هو السؤال هنا ؟ ، هل عقل النص هو ، محاولة للخروج من اشكاليات ، العلاقة بين العقل والنص ، ام هو محاولة للكشف ، عن مفهوم جديد ، او مصطلح ، ولكنه موجود بموضوعه ، اصلا في حقل النص القرآني تحديدا ، وفي حقل ” النقل ” عموما ، ولكن لم يتم كشف الياته ، وربطها بعضها البعض ، حتى تصبح مفهوم جديد ، يمكن استخدامه ، في فهم جدلية العلاقة ، بين العقل والنقل في الاسلام ، اعتقد ان الامر يدخل في حقل الفرضية الثانية ، وهي ان الاليات والطرق والأساليب ، التي استخدمت لحل الاشكالية بينهم ، قد استخدمها كل من كتب في هذا الموضوع ،  ابتداء أأمة المذاهب الاسلامية المختلفة ، السنية والشيعية ، او علماء الكلام وفلاسفة المسلمين  ، وصولا الى العلماء او الباحثين المعاصرين .

ما هو عقل النص ؟  

 عقل النص في القران

اتفق علماء وفقهاء الاسلام ، على ان النص القراني ، هو نص موحى به باللفظ والمعنى  ،  نزل على نبي الاسلام (ص) ، بواسطة الوحي ، اي لم يكن هناك اي دور للنبي  ، بصياغته بأي شكل ان كان ، وبذلك هو نص نقلي الهي المصدر .

 وفي معرض ،  وضع اسس تفسير وتأويل هذا النص ، على مدى عدة قرون  ، بعد وفاة النبي  خلقوا ما يشبه ” عقل النص “ وهو الذاتية الكامنة في النص ،  لتفسير وتأويل نفسه ، دون استخدام اليات عقلية او منطقية تتدخل فيه ،  او معه لإيضاح وبيان ذاتيته ،  فهو يقوم مقام العقل البشري في امتلاكه لآلياته الخاصة  ، وفي علاقته مع الوجود ، فهو يقوم بقراءة وتفسير الوجود ، ضمن ثوابت ومناهج منطقية ذاتية ،  خاصة به ، وهو عقل واعي وقاصد لما يقول ، اي عقل النص ، فهو يفسر نفسه بنفسه ،  ( تفسير القران بالقرآن ) او ينسخ نفسه بنفسه ،   ( نسخ ايات القران ، لبعضها البعض ) او تفسير وتأويل النص بلغته ،  التي نزل بها ، وتماهى معها او تماهت معه ، وهي اللغة العربية .

  ولكن ما العلاقة بين العقل البشري ، وعقل النص ؟ هل هي علاقة تعارض وتصادم ، ام علاقة انسجام ووحدة ؟  يبدو ان الفقهاء والمفسرين ،  لم يجدوا ما يمكن ان يعتبر تعارض ،  وتناقض بين العقل البشري ،  وعقل النص ، والسبب  ان ما هو معقول بشريا بحكم البديهة مثلا ،  في النص لا خلاف حوله ، وما هو غير معقول بشريا ، يمكن تفسيره او تأويله ، بأنه اما انه خاضع لآليات النقلي ،  وهو ليس بالضرورة ان يكون ضمن نطاق العقلي البشري ، كما نعرفه ، او هو عقلي ضمن ” معقولية النص الخاصة به ” ، والتي ليس بالضرورة ، ان تخضع او تقع تحت سلطان العقلي البشري . وهو ما ادى الى سيطرة ،  مفهوم ان العقل ، هو خادم للنص ( النقلي ) وكاشف لمكنوناته ، وعلاقاته الداخلية ، وهذا كشف واكتشاف ،  لا يجيز التغير ، في طبيعة النص  ، وعلاقاته الداخلية من حيث المضمون

 العقل خادم للنص 

ان ابرز المناهج او العقائد ،  التي شكلت الاطار العام ،  لهذه العلاقة الجدلية ،  بين العقل والنص ،  هي مناهج وأدوات او عقائد اهل السنة ،  والجماعة و المعتزلة وأهل الكلام ،  على العموم ،  والاشعرية  والماتريدية ،  دون النظر الى الترتيب التاريخي ،  لهذه العقائد والمناهج ،  لأننا نبحث هنا في اشكالية ، او جدلية التصور النهائي للعلاقة بين العقلي والنقلي ،  وليس في اسبقية اي منهج او تصور ،  كان له الدور الاكبر او الحاسم ،  في هذه الصياغة . وفي محاولة للخروج ، من أسر النصوص الحاكمة ، لأسس هذه المناهج والعقائد الرئيسة ، عند اهل السنة ،  وكثرة تفاصيلها وتباين هذه التفاصيل ، واختلافها وتعارضها في كثير ،  من الاحيان ،  في امور ومسائل العقيدة ، وفي محاوله لإيجاد المشترك العام ،  او ” الناظم الكلي الجامع “ ،  التي تدور في فلكه هذه المناهج ،  في فهم طبيعة العلاقة ،  بين العقلي والنقلي .  هذا الناظم الكلي ،  قد تتضح معالمه ، في مناهج هولاء العلماء او الائمة ، التي تتفق على ان ، التعارض بين العقلي والنقلي ،  هو تعارض موهوم غير حقيقي او غير ممكن ،  فالعقلي يؤدي الى النقلي والنقلي يؤدي الى العقلي ،  وأي تعارض ظاهر بينهما ، يمكن رفعه وتجاوزه  ،  وفي ذلك يقول ابن تيمية ،  في كتابه  (  درء تعارض العقل والنقل)   ما يلخص الامر ” …قول القائل اذا تعارضت الادلية السمعية والعقلية او السمع والعقل    ( وهو يقصد بالادلة السمعية النقلية او النص ) او النقل والعقل او الظاهر النقلية والقاواطع العقلية او نحو ذلك من العبارات فاما ان يجمع بينهما وهو محال لانه جمع بين النقيضين واما ان يردا جميعا واما ان يقدم السمع وهو محال لان العقل اصل النقل فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحا في العقل الذي هو اصل النقل والقدح في اصل الشيء قدح فيه فكان تقديم النقل قدحا بالنقل والعقل جميعا فوجب تقديم العقل ثم النقل اما ان يتأول وأما ان يفوض واما اذا تعارضها تعارض الضدين امتنع الجمع بينهم ولم يمتنع ارتفاعهما وهذا الكلام قد جعله الرازي واتباعه قانونا كليا فيما يستدل به من كتب الله تعالى وكلام انبيائه عليهم السلام وما لا يستدل به ولهذا ردوا الاستدلالل بما جاءت به الانبياء والمرسلون في صفات الله وغير ذلك من الامور التي انبأوا بها وظن هولاء ان العقل يعارضها وقد يضم بعضهم الى ذلك ان الادلة السمعية لا تفيد اليقين وقد بسطنا على قولهم هذا في الادلة السمعية في غير هذا الموضع .. ” (1)

  وفي معرض شرح ورد ابن تيمية ،  على مخالفيه القائلين بإمكانية التعارض ،  بين العقل والشرع ،  يشكك ابن تيمية في مناهج ،  الفلاسفة والمتكلمين ، وفي فهمهم لما هو عقلي ،  ولما هو شرع ابتداء ، وانه حتى نقدم اي منهم على الأخر  لا بد اولا ، من اثبات مبدءا التعارض ، ومن ثم وهي دعوة لضبط الالفاظ والمصطلحات ،  في الحوارات العلمية ،  وبعد ذلك يمكن الانتقال الى القول ،  ان العقل الصحيح لا يتعارض مع المنقول الصحيح ،  وهو يفرق هنا بين العقلي القطعي والظني ، والنقلي القطعي والظني ، وأيهما يقدم على الاخر .  وهو اوضح ما يكون ،  في جعل الامر ،  اقرب لمواجهة بين العقل وبين ( الشرع , النقلي ، النص ) ،  الذي جعل منه عقل ،  مقابل  العقل ،  كما يعرفه الفلاسفة والمتكلمين ،  وهو ذاته الذي اطلقنا عليه سابق انه ” عقل النص ” ،   وقد استثنينا منه ما يمكن ان يطلق عليه ،  نص شرعي مثل ،  الاحاديث النبوية ، وخصصنا الامر بالنص القراني وحده ،  لأنه اوضح واجلى ما يكون في حالات التعامل ، مع هذا النص تحديدا . وفي ذات الاطار نجد منهج الاشعري وبغض النظر عن الاسبقية التاريخية له ،   كان يقوم على ،  ايلاء قاعدة  خدمية العقل للنص ،  المقدمة الكبرى له في حواراه ،  او ردوده على اهل الكلام والفلاسفة ،  الذين كانوا يعلون من شأن العقل ،  ويرون في اغلبهم  ، تقديم العقل على النقل ، حتى لو لم يصرحوا بذلك مباشرة ،  فالعقل لا يكون حاكما للنصوص بالتأويل ،  كما ينهج الاشعري وأتباعه على ذلك ، وهم مع ذلك ارادو ، ان يرفعوا كل اشكال التعارض ،  بين العقل والنقل ،  استندا الى ان تقديم العقل على النقل ، او تقديم النقل على العقل هو ” تسليم امر ممنوع “ ،  لا مبني على انه لا وجود للتعارض بين العقلي والنقلي ،  ابتداء  وهو قول باطل ، وبما انه لا يوجد تعارض ولا يتصور وجوده فان التقديم اي تقديم احدهما على الاخر ،  غير متصور ،  لان التقديم يكون في حال التعارض فقط .

وإذا انتقلنا الى المنهج المقابل لمناهج اهل السنة وأهل الكلام ،  إلا وهو منهج ” الشيعة ” وتحديدا الشيعية الاثنى عشرية  ، والتي تعد اكبر طوائف الشيعه والتي تشكل الوجه الاخر للإسلام الرسمي ،  نجد ان مصادر التشريع لديهم كما اتفقوا عليها هي القران والسنة والاجماع والعقل ، وهم بذلك جعلوا العقل اصل من اصولهم ، .

 ولا يهم كثيرا ان كان ذلك بسبب التأثير عليهم ،  بذلك من قبل المعتزلة ،  ام انه ابتداع من قبل الائمة ،  او فقهاء المذهب ، ولكن المهم في هذا المقام ، ما هو هذا العقل ،  الذي هو اصل من اصولهم ؟ وكيف تعامل علمائهم مع ،  قضية العقل والنقل .

وحتى لا ندخل في تفاصيل الخلافات الفقهية ،  سوف نستند الى الرأي او المعتقد الغالب ،  لدى الشيعة الامامية ، يقول الشيخ علي علي ال موسى ،  في مقال له بعنوان  ” التعارض بين العقل والنقل “  في معرض تلخيصه للإشكالية ، ما يلي   ”  ومما مضى نصوغ السؤال على النحو التالي : هل يقع التنافي التام بين العقل القطعي والنقل القطعي ، وفي الإجابة التاريخية على هذا السؤال هناك ثلاث إجابات متباينة ، لها إفرازاتها  ضمن الاتجاهات المعرفية المعاصرة ، هي :  1ـ الإمكان ، وتقديم العقل : يمكن أن يقع التعارض بين العقل القطعي والنقل الصحيح ، وحينئذ نقدِّم العقل ، وذهب لذلك المعتزلة .   2ـ الإمكان ، وتقديم النقل : يمكن أن يقع التعارض بين العقل القطعي والنقل الصحيح ، وحينئذ نقدِّم النقل ، وذهب لذلك الأشاعرة .3ـ عدم الإمكان : لا يمكن أن يقع التعارض بين العقل القطعيّ والنقل القطعيّ ، وذهب لهذا الشيعة الإمامية .  والذي يبدو أنَّ بعض هذه الاتجاهات عند الإجابة لم تلتفت إلى القيود الثلاثة في متغيِّرات السؤال : (التنافي التام ) ، (العقل القطعيّ ) ، ( النقل القطعيّ )؛ فظنَّت أنَّ مطلق الاختلاف تعارض ، ولو كان التخالف جزئياً ، أو بين ظنِّيّ وقطعيّ .   ( 2)

ويبدو ان منهج الشيعة الامامية ، لا يختلف كثيرا منهج ابن تيمية ، وما انتهى اليه بعدم امكانية التعارض ، من ناحية ومن ناحية اخرى ،  وضع  النقل او الشرع او النص ،  في مواجهة العقل ،  كما لو كان الامر ، هو مدى قدرت احدهما على ،  تقديم الدليل القطعي او  البرهان ) على صحة ما يقتضيه او  يقرره .   )

مسلك ابن رشد في العقل والنقل  ”

لا يوجد فرقة او ملة او مذهب من المذاهب والفرق الاسلامية ،  ليس لها قول ورأي ،  في هذه المسألة ،  التي تعتبر من اسس ومقدمات ، البناء العقائدي لأي منها ، ومن الطبيعي ان تكون هذه الاشكالية ،  التي لا زالت قائمة حتى اليوم ،  مبحث من مباحث فلاسفة المسلمين ، ومنهم ابن رشد ،  الذي تناولها تفصيلا في كتابه ( فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ) :   .. وإذا كانت هذه الشريعة حقَّاً ، وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحقّ ، فإنَّا  معشر المسلمين   نعلم على القطع أنَّه لا يؤدي النظر البرهانيّ إلى مخالفة ما ورد به الشرع ، فإنَّ الحقَّ لا يضادّ الحقّ ، بل.. يوافقه ويشهد له . وإذا كان هذا هكذا ، فإنَّ النظر البرهاني إلى نحوٍ ما.. من المعرفة بموجود ما..، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه الشرع ، أو عرَّف به .  فإن كان قد سكت عنه فلا تعارض هناك ، وهو بمنزلة ما سكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي . وإن كانت الشريعة نطقت به فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقاً لما أدى إليه البرهان فيه ، أو مخالفاً : فإن كان موافقاً فلا قول هنالك ، وإن كان مخالفاً طُلب هنالك تأويله . ” ( 3)

نجد ان ابن رشد ،  قد سلك مسلك اكثر عقلانية  ، من العلماء والفقهاء المسلمين ، وذلك بتقريره ، انه في حالة ( التعارض ) ،  وهي ما لخصها بأنه في حال ان الشريعة ورد بها ( نطقت ) ، على حد تعبيره ، ما يخالف  ما أدى اليه البرهان ،  ( أي العقل او النظر العقلي ) ،  فأن الشرع او النص ،  يجب ان يتم ( تأويله) ، ولكن السؤال هل التأويل هنا هو آلية ،  من اليات الشرع لبيان وإيضاح ذاتيته ، ام هو الية عقلية ؟؟ ، وبالتالي فأننا نعود للمربع الاول من القضية ،  حول تقديم من على من ؟ وبذات الوقت وقف موقف ، اكثر تصالحا بين العقل والشرع ، من غيره من الفلاسفة المسلمين ،  الذين قاموا بتقديم العقل على الشرع .

 عقل النص والسياج الدوغماتي

واستكمال لهذا المحور ،  يلخص المفكر الدكتور محمد اركون ،  الاشكالية في كتابه  ( الفكر الاسلامي – نقد واجتهاد ) ، ” بقوله ”  وإذا ما عدنا صعدا الى الوراء حتى القران نفسه وجدنا هذا المعطى الثابت والمستمر القبول من قبل كل انواع المثقفين المسلمين – بمن فيهم الفلاسفة  ( ويقصد هنا بالمثقفين المسلمين علماء وفقهاء الدين ) هذا المعطى هو : ان الساحة الثقافية التي تتاح فيها للعقل البشري حرية البحث والنظر هي دوغماتيا مغلقة من قبل النظرية الاسلامية للوحي .  ماذا تقول هذه النظرية ؟ انها تقول ان الله الواحد الحي المتعالي قد تدخل عدة مرات في التاريخ واتخذ المبادرة لتوصيل اوامره ووصاياه وتعالميه الى البشر بواسطة الانبياء . وقد اختار محمدا لهذا الغرض لاخر مرة وهذا هو موضوع الوحي القراني .    فالقران هو كلام الله بالذات لان الله تلفظ به وركبه باللغة العربية ويقتصر دور محمد في هذه العملية على مجرد النطق والتوصيل الى البشر وهذا الوحي النهائي والاخير يقول كل شيء عن العالم والانسان  والتاريخ والعالم الاخر والمعنى الكلي والنهائي للاشياء وكل ما سيكتشفه العقل لاحقا لن يكون صحيحا او صالحا مؤكدا اذا لم يكن مستندا بشكل دقيق وصحيح الى احد تعاليم الله او الى امتداداته لدى النبي ( من تعاليم النبي ) والمعرفة بهذا المعنى هي مجرد استنباط لغوي من النصوص او عمل معنوي سيمانتي وليس عبارة عن استكشاف حر للواقع يؤدي الى التجديد المعنوي والمفهومي في كل المجالات … “

ويستطرد اركون في ذات الاطار توضيحا للفكرة بقوله ” … ونحن نعلم بهذا الصدد كيف راح ابن تيمية يرفض بحماسة وعنيفة وتصلب دوغماتي شديد كل المواقف العقائدية وكل المذاهب التي تنجرف  ولو قليلا عن الموقف الايماني ونصوص الحديث وتقنيات الشرح والفهم الخاصة بالمذهب الحنبلي وهذا المذهب يمارس دوره كسياج دوغماتي مصغر داخل السياج الدوغماتي الاسلامي العام ولكن ملاحظتنا هذه تنطبق ايضا على كل المذاهب الاخرى … ” ( 4)

ان ما يطلق عليه اركون ،   النظرية الاسلامية للوحي ، كانت ولا زالت مهيمنة  ، على الساحة او الحقل الثقافي ،  الذي يفترض ان يكون مجال وحقل متاح للعقل البشري ،  ايضا ليمارس حريته بالفهم والنظر والنقد والخلق والإبداع ،  وهي ذاتها التي تحولت الى ،  سياج دوغماتي عام ،  يؤطر الاسلام  ، وتحديدا النص القراني ،  الذي قال به الوحي  ، كل  شيء عن العالم والإنسان ،  والتاريخ والعالم الاخر ،  والمعنى الكلي والنهائي للأشياء ،  وكل ما سيكتشفه العقل لاحقا ،  لن يكون صحيحا او صالحا مؤكدا ، اذا لم يكن مستندا بشكل دقيق وصحيح ،  الى هذا المجال المغلق والنهائي ،  وهو ذاته الذي اطلقت عليه “عقل النص ” الذي ،  لا ينازع العقل في مجالاته فقط ،  داخل الاسلام  ، بل يسلبه مجالاته الحيوية كافة ، ويجعل من الأخير  مجرد خادم له ،  لا يمكنه الخروج ،  عن اطار التفسير المحكوم باليات عقل النص ،  لا التفسير او التأويل الخاضع لآليات هذا العقل .

المصادر والمراجع

(1)   ابن تيمية ” درء تعارض العقل والنقل ” الجزء الاول  ، جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية ، الطبعة الثانية لسنة 1991 .

(2)    الموقع الالكتروني لمجلة ” البصائر ” مجلة فصلية اسلامية فكرية -  تصدر عن مركز الدراسات والبحوث الاسلامية في حوزة الامام القائم العلمية . بتاريخ 16 / 6 / 2014 .

http://albasaer.org/index.php/post/379#s16     

    (3) الموقع الالكتروني لمجلة البصائر –– تاريخ 16 / 6 /2014 – مصدر سابق .

    (4) الدكتور محمد اركون ” نقد الفكر الاسلامي _ نقد واجتهاد ” دار الساقي الطبعة الثالثة ص : 9 .